لا تدعي معظم القوى السياسية في العراق تأييدها للاحتلال، وكثير منها يتحدث عن ضرورة خروج القوات الأجنبية من البلاد الآن أو في المستقبل، لكن هذه الإرادة العلنية لا تخفي حقيقة أن العامين الماضيين منذ الغزو شهدا تعاطي قوى سياسية عديدة مع الاحتلال ولاسيما من خلال المشاركة في عملية سياسية قام برسمها بمساهمة عراقيين، لأن ذلك حسب هذه القوى يسرع بعودة السيادة ويفرز حكما وطنيا منتخبا وشرعيا يكون مؤهلا لإدارة البلاد بعد رحيل القوات الأجنبية، وفي الاتجاه الآخر يمكن أن نلحظ قوى أخرى اتسعت بانتظام تعاملت مع الغزو ونتائجه برفض واضح شمل مقاطعة العملية السياسية بما في ذلك المشاركة في السلطة أو في الانتخابات العامة التي أجريت في الثلاثين من يناير الماضي بسبب ما تصفه بعدم شرعية الاحتلال أو الخطوات السياسية التي تجري في وجوده التي لن تخدم في النهاية غير مصالحه على حد قولها.
 
نواة الرفض
تشكلت نواة هذه القوى الرافضة بعد الحرب مباشرة، وكانت تضم قوى إسلامية سنية وشيعية مثل هيئة علماء المسلمين والتيار الصدري بزعامة السيد مقتدى الصدر وتيار المدرسة الخالصية بزعامة الشيخ جواد الخالصي ومجلس شورى أهل السنة والجماعة إلى جانب قوى علمانية قومية ويسارية مختلفة، واشتركت جميع هذه القوى في الأهداف والمبادئ الرافضة للاحتلال والتعاون معه أو المشاركة في المؤسسات السياسية التي أنشأها مثل مجلس الحكم، لكن هذه القوى ظلت تعمل بشكل منعزل تقريبا وبقدر قليل من التنسيق عدة أشهر حتى التأمت بعد نحو عام في تشكيل سياسي واحد سمي بمؤتمر العراق التأسيسي.
 

 المؤتمر التأسيسي العراقي
عقد الاجتماع الأول للمؤتمر في مطلع مايو/أيار من العام الماضي 2004، بمشاركة 35 حزبا وتيارا سياسيا ودينيا ونحو500 شخصية عراقية مختلفة الاتجاهات الدينية والطائفية والقومية، وتبنى المؤتمر ما
سمي بميثاق التفاهم والعمل الوطني وتضمن الميثاق اتفاق هذه القوى على رفض المشاركة في أي مؤسسة سياسية في ظل الاحتلال والالتزام بوحدة العراق والحفاظ على انتمائه العربي، ورفض تقسيمه عرقيا أو طائفيا والعمل على إعادة القوات المسلحة وحل المليشيات القائمة، وانتخب الاجتماع الشيخ جواد الخالصي وهو شخصية دينية شيعية أمينا عاما للمؤتمر والدكتور وميض عمر نظمي وهو شخصية قومية  ناطقا باسمه.


 
الخنادق السياسية
اتسعت ظاهرة الرفض السياسي للاحتلال بسرعة بعد أن كسرت حاجزا نفسيا ظهر بعد الغزو وكان يذهب إلى أنه
من غير الممكن مواجهة الاحتلال بالرفض السياسي تاركا الأمر لمقاومة مسلحة بدأت بعد انتهاء الحرب بأيام، ورغم أن الأضواء التي كانت مركزة على فئة محددة من السياسيين العراقيين الذين تعاطوا مع العملية السياسية وشاركوا في السلطة، فإن المقاطعين لهذه العملية حظوا بالاهتمام بعد أن ازداد عددهم  واستقطبوا خلال شهور تيارات سياسية جديدة قسم منها كان قد حاول الإسهام في العملية السياسية ثم غير موقفه لأسباب مختلفة، لكن الملاحظ أن معظم إن لم يكن جميع القوى المقاطعة غير محسوبة على هذه الدولة أو تلك ولم تتلق دعما معروفا من أطراف خارجية قبل الحرب، والمهم  هنا أن الجمهور بدأ يتلمس أهمية وحجم هذه الكتلة السياسية، بل ويتعاطى مع مواقفها، الأمر الذي ظهرت آثاره خصوصا في الانتخابات العامة التي جرت في الثلاثين من يناير/كانون الثاني الماضي حيث لم يشارك نحو ستة ملايين ناخب من أصل أربعة عشر مليونا، وهي نسبة مقاطعة ضخمة في شعب مسيس مثل الشعب العراقي، فسرها الكثيرون على أنها استجابة لدعوات قوى الرفض السياسي.


 
برنامج الرفض السياسي
ذهب بعض المحللين إلى أن مقاطعة قوى الرفض السياسية للانتخابات العامة أفقدها فرصة كان يمكن أن توفر لها القدرة على تحقيق أهدافها السياسية من خلال سلطة شرعية منتخبة ربما كانت ستصل إليها أو تشارك فيها، لكن قوى الرفض ذاتها لا تعتقد ذلك، بل إنها زادت من جرعة زخمها السياسي الرافض حينما سبقت الانتخابات بنشاط تنظيمي قالت فيه إن عدد المرتبطين بها وصل إلى نحو سبعين تنظيما وتيارا سياسيا وشعبيا، وبدأت تحركا خارجيا تضمن زيارة أكثر من دولة عربية لشرح موقف هذا المعسكر وسبب رفضه المشاركة في الانتخابات.
 
"
اتسعت ظاهرة الرفض السياسي للاحتلال بسرعة واستقطبت تيارات وأحزابا مختلفة طرحت برنامجا سياسيا أكد استمرارها على مواقفها


"
وفي الخامس عشر من فبراير/ شباط من العام الحالي أي بعد الانتخابات  بنحو أسبوعين عقد أعضاء معسكر الرفض مؤتمرا عرفوا أنفسهم فيه بالقوى الوطنية المناهضة للاحتلال وطرحوا برنامجا سياسيا من سبع نقاط تضمن المطالبة بجدولة واضحة لانسحاب قوات الاحتلال، وإلغاء المحاصصة الطائفية والعرقية، والاعتراف ب
المقاومة العراقية، واعتماد الديمقراطية كخيار وحيد لتداول السلطة، وتأكيد هوية العراق العربية والإسلامية، وإطلاق سراح جميع المعتقلين في سجون الاحتلال، وأخيرا الرفض المسبق لنتائج الانتخابات لأنها على حد قول البيان ناقصة الشرعية.


 
خيارات المستقبل
لم تتحدث قوى الرفض أو القوى المناهضة للوجود الأميركي عن المستقبل إلا من زاوية الاستمرار في مواقفها، ولعل زيادة عدد المنضمين إليها يشجعها على هذا الخيار، لكن عدة تحديات تواجه معسكر الرفض، فإلى جانب المخاطر الأمنية التقليدية، هناك القدرة على الاستمرار بنفس الزخم في واقع سياسي عراقي تتغير بعض معالمه بين حين وآخر، والتعاطي مع سلطة أفرزتها انتخابات شاركت فيها قطاعات واسعة من العراقيين ينبغي احترام آرائهم، والأهم الذي يشمل الجميع هو الحفاظ على الخطوط الحمر في الخلاف مع الآخرين وإبقاء ذلك الخلاف في إطاره السياسي وهو تحد ما زال يشهد صمود معظم الأطراف.
_______________









الجزيرة نت