كرّس انهيار الاتحاد السوفياتي كقوة عظمى في أواخر العام 1991 خروج موسكو من معادلة التوازن الإستراتيجي العالمي مع واشنطن التي حكمت علاقتهما لأكثر من أربعة عقود من الزمن.
 
فالدب الروسي الذي استنزف عسكريا واقتصاديا في المستنقع الأفغاني في ثمانينيات القرن الماضي وجد نفسه يتراجع ويتقهقر أمام توغل وتغول النسر الأميركي في مناطق نفوذه القديم ابتداء من أوروبا الوسطى والشرقية مرورا بدول البلطيق ووصولا إلى الجمهوريات الإسلامية في آسيا الوسطى ومنطقة القوقاز الحديثة الاستقلال والقابلة للاختراق الغربي عامة والأميركي خاصة.
 
 

تعد آسيا الوسطى مصدرا مهما للطاقة، خاصة أن تقديرات وزارة الطاقة الأميركية تشير إلى أن هذه المنطقة وبحر قزوين المتاخم لها يحتويان على ثاني أكبر احتياطي للنفط بعد الخليج العربي والأول للغاز الطبيعي في العالم. ولهذا يدور على أرضها صراع إستراتيجي كبير.
 
ورغم أن الاحتياط النفطي قد لا يرقى لمخزون دول الخليج والشرق الأوسط وشمال أفريقيا، غير أنه يظل ذا جودة وقادرا على أن يقدم بديلا عملياتيا لا بأس به للطاقة في القرن الـ21 إذا انخفضت معدلات إنتاج النفط في أماكن أخرى من العالم لأسباب سياسية، كما أنه يتوقع بحلول 2015 انكماش وتراجع الاحتياطات النفطية لبحر الشمال وألاسكا.
 
"
آسيا الوسطى مرشحة لتصدير أكثر من أربعة ملايين برميل يوميا، غير أن مشكلة التواصل الجغرافي والاضطرابات الداخلية تمثلان أبرز
التحديات
"
بيد أن آسيا الوسطى ستكون مرشحة لتصدير أكثر من أربعة ملايين برميل يوميا، أي ما يعادل الصادرات اليومية الآن لكل من العراق والكويت معا.

إلا أن أحد المشاكل الرئيسية التي تواجه آسيا الوسطى هو غياب التواصل الجغرافي مع العالم الخارجي. إن المنطقة تكاد تكون محاصرة ومعزولة وحبيسة موقعها الجغرافي، إذ يحدها من الشمال الرافد الروسي، ومن الشرق هضاب بامير، ومن الغرب بحر قزوين المغلق، ومن الجنوب مجموعة من العوائق الطبيعية المكونة من الجبال والأراضي الشاسعة.
 
يضاف إلى كل ذلك حواجز سياسية تتمثل في مناطق مشحونة بالاضطرابات الداخلية ذات الطابع الإثني والديني ما يجعل حالة عدم الاستقرار السمة الرئيسية لهذه المنطقة.
 
كل هذه العوامل تقف حائلا أمام تدفق مصادر الطاقة من وسط آسيا إلى الأسواق الدولية حيث الحاجة الماسة لها ما يجعل أغلب هذه البلدان معرضة للمزايدة والابتزاز من قبل القوى العظمى النافذة في هذا الجزء من العالم خاصة منها الولايات المتحدة والصين وروسيا التي تسعى جاهدة للسيطرة على خطوط إمداد النفط إلى الأسواق العالمية.
 
في هذا السياق تزايدت أهمية كل من كزاخستان وتركمانستان كمنتجين رئيسيين للنفط والغاز في آسيا الوسطى بالإضافة إلى أذربيجان، وهي دولة قوقازية مطلة على بحر قزوين.
 
إذ أصبحت تنظر هذه الدول إلى مواردها وثرواتها الطبيعية وصناعاتها النفطية كوسيلة أساسية لضمان استقلالها الاقتصادي والسياسي تجاه موسكو التي تحاول بشتى الطرق استعادة مجد القياصرة والحفاظ على بعض إرث الاتحاد السوفياتي الذي تلاشى واندثر كقطع الدومينو بعد تهاوي المنظومة الشيوعية الاشتراكية في تسعينيات القرن الماضي.

غداة استقلال دول آسيا الوسطى كثفت واشنطن من حملتها الدبلوماسية محاولة إقناع هذه البلدان بفتح حقولها أمام استثمارات الشركات النفطية الغربية والأميركية منها خاصة. ويمكن تفسير اهتمام واشنطن بإعادة هيكلة وتأهيل القطاع النفطي لآسيا الوسطى وبحر قزوين بأن هذه الاحتياطيات تأتى من خارج الإطار التقليدي لمنظمة الأوبك.
 
"
تسعى واشنطن لإخراج الدول المنتجة للنفط من دائرة النفوذ الروسي ومحاولة احتواء التحركات الصينية التي تستهدف زيادة نفوذها ووجودها في هذه المنطقة
"
لهذا السبب فهي تحظى بأهمية سياسية وأولية اقتصادية من قبل الولايات المتحدة التي تسعى إلى تقليص اعتمادها إلى أقصى حد ممكن على النفط الشرق أوسطي، وذلك بتنويع مصادر استيرادها للطاقة.
 
يضاف إلى ذلك أن الجزء الأكبر من نفط هذه المنطقة مخصص للتصدير، حيث إن الاحتياجات الاستهلاكية المحلية لآسيا الوسطى قليلة ويتوقع أن تستمر على هذه الوتيرة.
 
كما أن عامل الافتقاد إلى رؤوس الأموال والتكنولوجيا اللازمة لعمليات البحث والتنقيب عن الموارد النفطية والغازية يفتح هذا القطاع الحيوي أمام الشركات الأميركية التي تمثل رأس جسر تثبت من خلاله واشنطن مصالحها الإستراتيجية في آسيا الوسطى من خلال عملية تموقع جيوإستراتيجية تمكنها من السيطرة على هذه المصادر الجديدة والهامة للطاقة.
 
ولتحقيق هذا الهدف تسعي واشنطن لإخراج الدول المنتجة من دائرة النفوذ الروسي ومحاولة احتواء التحركات الصينية التي تستهدف زيادة نفوذها ووجودها في هذه المنطقة، خاصة أن التصرف الأميركي يندرج في إطار اعتراف واشنطن لمنافسيها في آسيا الوسطى باعتبارات وهواجس الأمن الشرعية ولكنها ترفض في الآن نفسه الاعتراف بمجالات ومناطق النفوذ.
 
أمن الطاقة والحرب الأميركية على ما تصفه بالإرهاب دفع الولايات المتحدة إلى التعامل مع إستراتيجيات القوى المنافسة في آسيا الوسطى بأساليب وطرق خاصة.
 
 
ورغم أن الخطة الأساسية تقضي باعتبار هذه المنشآت قواعد مؤقتة، فإنها تمثل أساسا للوجود العسكري الأميركي الدائم بوسط آسيا لتعمل وسط قواعد عسكرية أجنبية عديدة في آسيا الوسطى. فهذه الأخيرة باتت بحكم قربها الجغرافي من أفغانستان منطقة لا يمكن الاستغناء عن خدماتها.
 
ويأتي هذا الانتشار تلبية للاحتياجات الجيوإستراتيجية الأميركية التي بدأت تأخذ شكل البحث عن قواعد صغيرة وعملياتية بدلا من القواعد الكبيرة والدائمة كما كانت عليه إبان الحرب الباردة.
 
ففي عملية ملء الفراغ في المناطق التي كانت خاضعة للهيمنة الروسية، وجدت الولايات المتحدة بحاجة إلى إسناد لوجيستي جديد، وتسهيلات وقواعد أخف وأكثر ملاءمة للتحديات الأمنية الجديدة، ومصممة للتناسب مع التكتيكات والتكنولوجيا العسكرية الحديثة التي روج لها العديد من المسؤولين الأميركيين وعلى رأسهم وزير الدفاع السابق دونالد رمسفيلد الذي أوصى بضرورة بناء هذه القواعد في مناطق جغرافية إستراتيجية وحيث يكون لواشنطن أنظمة وأصدقاء، ونخب سياسية يمكن الاعتماد عليها عند الضرورة.

لقد حدت التجربة الأوزبكية بالولايات المتحدة إلى توخي سياسة الحذر تجاه هذه الأنظمة الاستبدادية، وذلك بمحاولة الفصل بين مصالحها الجيوإستراتيجية في المنطقة والشأن الداخلي لهذه الدول، فأغلب المختصين الأميركيين في شؤون آسيا الوسطى يعتقدون أن على واشنطن التعامل بواقعية مع الوضع السياسي السائد في آسيا الوسطى دون التضحية بالمصالح الأميركية، فمبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان من منظور أميركي إذا رفعت إلى مصاف المصالح الآنية فربما تؤدي إلى الإضرار بهكذا مصالح.

يبدو أن واشنطن قد استوعبت الدرس الأوزبكي بمحاولة النأي بنفسها عن أي تدخل في الشؤون الداخلية لهذه البلدان، خاصة أن روسيا والصين تتربصان بها للحلول محلها في حال انسحابها عسكريا من هذه المنطقة.

في قرغيزستان البلد الأكثر فقرا في آسيا الوسطى الذي تتأرجح فيه الحياة السياسية منذ آخر انقلاب في مارس/ آذار 2005 بين أزمة وأخرى، أخذت واشنطن موضع المراقب والمتابع للأحداث رافضة الزج بنفسها في الشأن الداخلي وكرست جهودها في تدعيم وجودها العسكري في قاعدة مناس الموجودة في المطار الدولي للعاصمة بشكيك.

وسواء اكتسبت القواعد الأميركية في آسيا الوسطى وضعا دائما أو مؤقتا، فالولايات المتحدة ستكون في موقع يمكنها من استخدام القوة العسكرية إذا لزم الأمر، فآسيا الوسطى وبحر قزوين ليسا أكثر استقرارا من الخليج العربي، وتطوير وسط آسيا ليكون البديل لمنابع النفط والغاز الشرق أوسطي، لا قيمة له إذا لم يكن مقترنا بضمانات عسكرية تؤمن تدفق موارد هذه المنطقة نحو الأسواق العالمية.

فالصراع على آسيا الوسطى تجاوز إطاره التاريخي الذي انحصر آنذاك في ثنائية التنافس الدموي بين الإمبراطوريتين الروسية والبريطانية في القرن 19 التي أطلق عليها منظرو الجيوسياسة "اللعبة الكبرى"، ففي بداية القرن 21 ارتفع عدد اللاعبين وتصاعدت معه قيمة الرهان المتمثلة في أمن الطاقة.

_______________