جانب من جلسة مجلس الشعب أثناء مناقشة تعديلات المادة 76 من الدستور
 
ربما كان الفارق بين كلمة قيود وكلمة قواعد، هو الذي يفصل بين أداء نظام سياسي كفء لديه قواعد قانونية تنظم حركته السياسية وتضبط قواعد المنافسة بين مختلف أحزابه وتياراته، وبين قيود التعجيز التي عادة ما يضعها نظام غير سياسي محكوم بضوابط بيروقراطية يتصور أنها تحميه، ويعيش في خوف وعزلة عن الجديد، وعن كل ما هو واقع خارج هياكله ومؤسساته المترهلة.
 
ويبدو أن ما شهدته مصر عقب تعديل المادة 76 من الدستور، يعكس بصورة واضحة أزمة هيكلية في بنية النظام السياسي المصري جعلت أداءه محكوما بتوازنات بيروقراطية ضيقة، وضعته في صورة أقرب لأداء مؤسسة حكومية تخاف من الجديد بل وتضع القيود أمامه، وتهرب من المنافسة لأنها ستكشف ضعفها وهزالها، فتحيط نفسها بترسانة من القوانين المقيدة لحقوق الآخرين في منافستها سلميا والمساعدة في خلق تربة جديدة قادرة على تفجير الطاقات المهدرة.

رئيس مدى الحياة.. ذاك أخطر
ولعل البداية كانت بالاكتفاء بتعديل المادة 76 من الدستور دون محاولة الاقتراب من المادة 77 ليصبح انتخاب رئيس الجمهورية غير مقيد بأي مدة، ويتحول وفق الأوضاع الحالية لانتخاب مدى الحياة. 

"
كان الأولى بالتغيير المادة 77 من الدستور التي تتيح للرئيس البقاء في منصبه مدى الحياة بدلا من تعديلات على مادة (76) ستجعل من التنافس الرئاسي القادم مسألة شكلية 
"
والحقيقة أن أي قراءة لحجم  الجمود والترهل الكامن في الهياكل الإدارية والسياسية يشير إلى أن تغيير المادة 77 والنص على عدم بقاء رئيس الجمهورية أكثر من مدتين، أشد أهمية من تعديل المادة 76 بالسماح لأكثر من مرشح للتنافس على رئاسة الجمهورية، فالاستفتاء على رئيس لن يبقى في موقعه أكثر من 12 عاما يمثل خطوة أكبر نحو التغيير من المنافسة الشكلية بين مرشحين ينتظر من يصل منهم إلى الحكم أن يبقى مدى الحياة.

وتبدو أهمية الفصل بين صلاحيات الرئيس  السياسية والحزبية وبين جهاز الدولة البيروقراطي مسألة محورية، "فالرئيس الخالد" أدى إلى ظهور رؤساء صغار -خالدين أيضا- في كل المؤسسات العامة ومختلف الهيئات الإدارية للدولة المصرية، حيث تحول كل وزير أو مسؤول إلى "رئيس صغير" فوق المحاسبة وفوق القانون، لا يتغير مهما تراكمت التقارير عن فساده أو عدم كفاءته، وتنسحق أمام سطوته الوظيفية طوابير من الموظفين البسطاء جنبا إلى جنب مع كبار المسؤولين من أجل الحفاظ على المكانة أو  لقمة العيش.
 
وقد تواكب مع تجاهل تعديل المادة 77 تفريغ المادة 76 من أي دلالة حقيقية للتغيير، ووضع نفس العقل البيروقرطي قيودا هائلة أمام أي فرصة حقيقية للتغيير والتجديد، تماما كما يجري في إدارة المؤسسات العامة والحكومية حين يخاف المدير/الرئيس من الجديد، ويضع أمام الأجيال الشابة معايير الأقدمية بدلا من الكفاءة، لإيقاف تقدمهم، ويرتاح للحوار مع الضعفاء، والاختلاف مع محدودي الكفاءة ومن امتلأت ملفاتهم بتقارير الفساد.

ويصبح هناك "سقف" محدد لا يستطيع أن يتجاوزه أحد بحكم القيود -وليس القواعد- المفروضة، ويصبح الدخول في اللعبة "أو التعيين" في الوظيفة يعتمد على مسوغات منخفضة للغاية حتى لا تهدد السقف المنخفض الذي حدده مجمل النظام الإداري/السياسي القائم.

ويبدو أنه بهذا العقل تعاملت الحكومة مع ضمانات المادة 76، فقد حددت منذ البداية سقف المنافسة من خلال ما هو قائم أي الأحزاب الموجودة -وفق المثل المصري القائل "الذي نعرفه أحسن ممن لا نعرفه" والتي تتمتع بدرجة كبيرة من الضعف والهزال، بعضها يرجع إلى طبيعة النظام القائم، والبعض الآخر يرجع إلى طبيعة خطابها وبنيتها غير الديمقراطية.

"
الحكومة وضعت قيود أسمتها ضوابط على المادة 76 وذلك لخوفها من التغيير والتجديد، تماما كما يخاف المدير أو الرئيس من الجديد، ويضع أمام الأجيال الشابة معايير الأقدمية بدلا من الكفاءة
"
ولذا فقد سمحت الحكومة لقادة الأحزاب السياسية التسعة عشر بتقديم مرشحين لانتخابات الرئاسة القادمة دون التقيد بالنسب التعجيزية التي وضعتها أمام المرشحين، نظرا لعجز هذه الأحزاب عن منافسة الحزب الحاكم المتداخل مع جهاز الدولة، والتي أعطته قوة زائفة باعتماده على أجهزتها الإدارية والأمنية لا كوادره السياسية شبه الغائبة.

النص ودلالات التعديل
وقد نصت القيود التعجيزية على ضرورة أن يحصل المرشح من خارج الأحزاب على تأييد 250 عضوا من أعضاء مجلس الشعب والشورى والمحليات يكون من بينهم 65 عضوا في مجلس الشعب، و25 عضوا بمجلس الشورى، وعشرة أعضاء من كل مجلس محلي في 14 محافظة بحد أدنى، ويستكمل العشرون الآخرون من بين أعضاء المجالس الثلاثة.

ويمثل رقم الـ 250 نسبة تتجاوز الخمسة في المائة من مجموع أعضاء المجالس المنتخبة البالغ عددها 3806، ويبلغ أضعاف ما يتطلبه النظام الانتخابي الفرنسي الذي ينص على ضرورة حصول المرشح لموقع الرئاسة على توقيع 500 عضو من مجموع أعضاء المجالس المنتخبة البالغ عددها 45 ألف عضو وبنسبة تبلغ حوالي 1%.

وقد صاحب هذه القيود التعجيزية معيار بيروقراطي آخر حكمه منطق الدرجات الحكومية والأقدميات الوظيفية، واعتبر أنه ليس من حق أي حزب سياسي أن يكون له مرشح في الانتخابات الرئاسية، إلا بعد أن يمر على تأسيسه خمس سنوات في قيد بيروقراطي من الصعب أن نجد له مثيلا في أي نظام انتخابي في العالم.

وقد عكس هذا البند موقف القديم الراكد من الجديد الواعد، فلا يعقل أن تتعامل نخبة أي نظام سياسي مع الأفكار والتيارات الجديدة بتلك الطريقة التي "تتفنن " في وضع كل العراقيل الممكنة أمام عدم دخولها إلى حلبة المنافسة السياسية، فصار من غير الوادر أن تظهر في الأعوام القليلة القادمة أحزاب سياسية جديدة قادرة على المساهمة في إزالة الغبار عن الحياة السياسية الراكدة، بتقديم مرشحين لانتخابات الرئاسة عام 2011، وسيتم منعهم بحكم القانون المعيب لأنه لم تمر على أقدميتهم خمس سنوات.



مصادرة المستقبل
وهكذا أغلقت هذه القيود بمقصلة الأقدمية، أي فرصة أمام أي تيارات جديدة تريد أن تدخل حلبة المنافسة السياسية حتى انتخابات الرئاسة بعد القادمة، وأبدت الحكومة رغبتها في أن تظل المنافسة أسيرة معادلة الضعف الحالية، لتصادر ليس فقط على حق المستقلين والقوى السياسية الجديدة من المشاركة في انتخابات الرئاسة القادمة، إنما أيضا صادرت على المستقبل بعدم إعطاء الفرصة لأي تيار جديد أن يساهم في صنع المستقبل في الانتخابات بعد القادمة، بوضع قيد الأقدمية جنبا إلى جنب مع قيد النسبة التعجيزية.
 
"
سيبدأ الإصلاح بالاعتراف بأن قسر المنافسة السياسية على الأحزاب الرسمية هو نوع من الضحك على النفس، فنحن نعلم حجم الضعف والانهيار الذي تعاني منه أحزاب المعارضة، ويعرف الجميع الوضع المتدهور الذي يعاني منه الحزب الوطني
"
والواقع أن الفارق بين الأداء البيروقراطي الذي "يبتكر" وضع القيود أمام الجديد، وبين الأداء السياسي الذي يبتكر وضع القواعد المحفزة لدمج كل جديد، يتضح حين نتأمل الطريقة التي تعاملت بها الحكومة مع  "ضمانات" المادة 76، وعكست غياب أي رؤية سياسية شاملة للإصلاح ولو التدريجي واعتراف ضمني بمسؤولية النظام السياسي عن وصول البلاد إلى تلك الدرجة من التردي والضعف، والذي يستلزم امتلاك رؤية شاملة للخروج التدريجي من هذا الوضع، بالبدء في خطوات جادة نحو الإصلاح لا تكبلها تلك المحاولات المتعددة لتفصيل مجموعة من القوانين التي من شأنها أن تجهض أي تحول حقيقي نحو الإصلاح.

وصار "المقاس" الذي يقاس على أساسه حجم التغيير والإنجازات هو مقاس فني يصلح لإدارة مصلحة حكومية لا دولة بحجم مصر تحتاج إلى قدرات خلاقة لانتشالها من أزماتها، لا "إصلاح"  تقف حدوده عند تحويل الاستفتاء الرئاسي إلى "استفتاء انتخابي" وقصر المنافسة في انتخابات الرئاسة على أحزاب معزولة  وعاجزة عن الحركة والتأثير إلا في الغرف المغلقة.

وسيدأ الإصلاح بالاعتراف بأن قصر المنافسة السياسية على الأحزاب الرسمية هو نوع من الضحك على النفس، فنحن نعلم حجم الضعف والانهيار الذي تعاني منه أحزاب المعارضة، ويعرف الجميع الوضع المتدهور الذي يعاني منه الحزب الوطني الذي تحول إلى آلة بيروقراطية ضخمة غابت عنه الكوادر السياسية، وعحز على أن يقدم رؤية سياسية متماسكة، وصار مشهد جمع البسطاء من بعض أحياء القاهرة الفقيرة ووضعهم في باصات تنقلهم من أجل الهتاف للحكومة مقابل مبالغ من المال، معبرا عن حجم الترهل الذي أصاب الحزب الذي يحكم بأغلبية تتجاوز التسعين في المائة.

دمج الجديد ليحل تدريجا محل القديم
لقد أصبح التحدي الحقيقي أمام بناء ديمقراطية حقيقية في مصر يتمثل أولا بالاعتراف بأن هناك أزمة شديدة العمق تعاني منها كل الأحزاب الرسمية، وأن أحد أبرز مداخل الخروج من تلك الأزمة يتمثل في دمج قوى وتيارات جديدة تنهي سيطرة حكومة الموظفين "الخالدين" وأحزاب المعارضة الورقية.
 
"
أحد أبرز مداخل الخروج أزمة مصر السياسية يتمثل في دمج قوى وتيارات جديدة تنهي سيطرة حكومة الموظفين "الخالدين" وأحزاب المعارضة الورقية
"
ولذا لم يعد من الممكن تصور استمرار "المنافسة" بين أحزاب، يقود بعضها قراء كف وهاربون من العدالة وعابثون بالحياة الحزبية من باحثين عن الاتجار بتأشيرات الحج أو عن بيع أحزابهم لرجال أعمال أو صحفهم لمن يدفع.
 
كيف يمكن الائتمان على شرعية نظام حزبي حكومي ومعارض تضامن فيما بينه على أن يكون جيل الكبار في الحكم وفي المعارضة، وإذا فتحت نافذة للحديث عن الشباب والأفكار الجديدة فلابد أن تمر من خلال لجنة السياسات في الحزب الوطني.

وأصبحت المقصلة البيروقراطية حائلا أمام أي قوى شابة لكي تحصل أحزابها على شرعية قانونية، فعجز تيار حركة  الكرامة -على سبيل المثال- الذي لديه نواب في البرلمان وقدرة على التأثير والحشد وخطاب سياسي يحاول أن يقدم ناصرية جديدة أكثر ديمقراطية وعصرية على الحصول على رخصة قانونية، وحصلت "أحزاب " تحمل أسماء وهمية على شرعية قانونية رغم الغياب المطلق لأي شرعية شعبية لها في مفارقة تبدو صارخة.

وهل من المتصور في ظل وجود مفسرين للأحلام وقراء للكف ومروجي الخرافات باسم الدين أن تمنع الشرعية عن حزب الوسط ذي الارتباط الثقافي والحضاري بالإسلام، والذي يضم نسبة من المسيحيين والنساء أكبر من النسبة
الموجودة فعليا في الحزب الوطني، تحت حجة أنه حزب إسلامي؟
 
وهل أصبح من المنطقي استمرار حجب جماعة الإخوان المسلمين عن العمل السياسي تحت حجة أنها جماعة دينية، في الوقت الذي يمارس فيه الأزهر الرسمي دور الرقيب على الحياة الثقافية المصرية، ويرحب المسؤولون بمبايعة الطرق الصوفية للرئيس مبارك في تداخل واضح بين الدين والسياسة؟
 
وأخيرا هل يمكن تصور أن تقوم انتخابات رئاسية بين مرشحين يعبرون عن أحزاب غائبة، في الوقت الذي تمتلك فيه مصر كوادر نقابية لديها الخبرة السياسية والمهنية المتميزة، في ظل هيمنة جيوش الموظفين معدومي التكوين السياسي والمهني على الحكومة المصرية، ويستبعد أيضا أهم كوادر قدمتها النخبة السياسية المصرية من أعضاء حركة كفاية، والتي لم يعد لها الحق في تقديم أي مرشح لانتخابات الرئاسة بسبب القيود الموضوعة.



لقد أصبح التحدي الحقيقي أمام قوى الإصلاح في مصر، متمثلا في دمج الجديد في المعادلة القديمة من أجل العمل على تغيرها سلميا عبر قواعد العمل الديمقراطي وليس قيود العمل البيروقراطي، بفتح الباب سلميا وبصورة تدريجية لمن هم خارج الملعب بفعل فاعل، ليحلوا مع الوقت وبشكل سلمي وديمقراطي محل من ارتدوا في غفلة من الزمن ملابس اللاعبين والحكام واستمروا في لعب مبارة رتيبة ومملة لما يزيد على عقدين. 
_______________