رضوان السيد
ما هي أسباب اتهام البعض للسنة بالتشدد واستخدام العنف؟.. وهل ستستمر هذه الظاهرة؟ وما هو مستقبلها؟.. وأين دور الإسلاميين للحد منها وإنهائها؟

تساؤلات طرحتها الجزيرة نت على الأكاديمي اللبناني المتخصص في الدراسات الإسلامية الدكتور رضوان السيد.


حوار/ مي الزعبي

إلى ماذا تعزو حالة التشدد المتهمة بها الحالة السنية والتي يرى البعض في القاعدة أحد أبرز تمثلاتها؟

هذه ليست تهمة، هذا توصيف، نعم عندنا على المستوى الإسلامي العام تشدد وليس عند السنة فقط، عند السنة والشيعة، وهذا التشدد يتخذ منذ أربعين أو خمسين عاما طابع إنشاء حركات إسلامية أدت إلى ظهور ما يسمى الإسلام السياسي.

وهذا الإسلام السياسي عنده هدف إقامة دولة إسلامية تطبق الشريعة، فأساسه فكر هوية طهوري ظهر نتيجة ظروف استعمار وظروف نشأة الدولة الوطنية عند العرب وظروف قيام إسرائيل واستمرار حالة الهيمنة والصراع في الحرب الباردة، والعجز عن إنجاح تجربة سياسية عربية لجهة اكتمال الطابع القومي للدولة أو لجهة التنمية.

كانت هناك تجربة الدولة الوطنية، الدولة القومية، والتجارب التنموية.ومسألة الدولة القومية فشلت ومسألة نجاح الأنظمة عن طريق التنمية فشلت أيضا.

"
التشدد ظاهرة عامة لكن العنف هو على الحاشية ولا يدخل فيه التيار الرئيسي في الحركات الإسلامية

"

وعلى هذا الأساس مع ظروف الاستنزاف الاستعماري والانشغال الاستنزافي أيضا بقضية فلسطين، ظهرت تلك الحركات التي تعتبر نفسها بديلا بعد فشل سائر الحلول والتي يتوجه إليها الناس على سبيل الاحتجاج على الهجمة الإمبريالية علينا من جهة، واحتجاجا أيضا على فشل الأنظمة الداخلية.

وهذا التشدد شمل السنة والشيعة، والحركات الإسلامية الثورية التي بدأت في مصر، بدأت أيضا في إيران من خلال "نواب صفوي" و"فدائيا إسلام" وهي حركة تشبه القاعدة وإن لم تكن لها نشاطات خارج إيران، ولكنها حركة تؤمن بالعمل المسلح في الداخل وبالاغتيالات وما شابه.

لكن في تطورات تلك الحركات نجحت الثورة الإسلامية في إيران في إقامة دولة، بينما لم تنجح الحركات الإسلامية السنية في الوصول للسلطة إلا في السودان، والسودان ليس نموذجا صالحا للحكم عليها بسبب الانقسامات التي يعاني منها أصلا.

وزاد الإسلاميون هذه الانقسامات ثم كشف النظام عن وجهه الحقيقي وهو أنه نظام عسكري مخابراتي مثل النظام السوري والنظام العراقي لا علاقة له بمسألة هذا الإسلام السياسي الجديد.

فالتشدد موجود وله جماهيره الواسعة ولكن الخط الأساسي في هذا التشدد والذي نسميه الإسلام السياسي هو التيار الرئيسي ليس تيارا عنيفا، القاعدة هي طرف عنيف اجتمعت فيه النزعتان، النزعة الإحيائية للإسلاميين والنزعة السلفية للوهابية في المملكة العربية السعودية وفي منطقة الخليج.

اجتمعت هاتان النزعتان عندما تسيس شبان الوهابية الجدد من جهة، ومن جهة أخرى عندما سيطرت نزعات سلفية في الاعتقاد على حركة الجهاد والجماعة الإسلامية بمصر، اللتين تضمان شبانا تركوا الإخوان المسلمين منذ أواخر السبعينيات ولم يعودوا ينتمون إليها.

فالتيارات الرئيسية في تلك الحركات وأكبر حركتين في العالم الإسلامي هما حركة الإخوان المسلمين وحركة الجماعة الإسلامية الموجودة في باكستان ليستا حركتين عنيفتين، ولكنهما حركتان إحيائيتان أصوليتان.

فالتشدد إذا كما قلت ظاهرة عامة لكن العنف هو على الحاشية ولا يدخل فيه التيار الرئيسي في تلك الحركات والذي يحاول الآن في كل الأنظمة المشاركةَ في السلطة عن طريق الانتخابات، وفي باكستان يشكلون أكثرية تقريبا في البرلمان، وفي مصر الآن عندهم تقريبا مائة نائب، وهكذا.

مصائر التشدد الإيراني اختلفت لأن هذا التشدد نجح في إنشاء دولة، والدولة تصرفاتها غير تصرفات الحركات الاحتجاجية، ثم إن الذي استلم الدفة عندما نجحت الثورة الإسلامية في إيران ليس الذين قاموا بالتمرد الإحيائي الشيعي بل المؤسسة التقليدية للفقهاء، وهذا أيضا جعلهم يبتعدون كثيرا عن الفكر الثوري للحركات الإحيائية والأصولية الإسلامية.

ولهذا يظهر التشدد لدى السنة لأن تلك الحركات المتطرفة ليست لها مرجعية يمكن التفاوض معها أو الحديث معها أو تحديد ما يمكن لفهم تجربتها، بينما لدى الشيعة بسبب سيطرة المؤسسة التقليدية على الحركة الإحيائية وعلى الدولة، يمكن القول إن هذه الأصولية الشيعية منضبطة بمعنى أنك إذا استطعت إرضاء الدولة الإيرانية، التفاوض مع الدولة الإيرانية أو مع خامنئي أو مع فقهاء مراجع التقليد خارج إيران يظل الأمر منضبطا لأن الشيعي بالضرورة لا بد أن يقلد أحد الفقهاء بينما هذا ليس موجودا عند السنة.

فالتشدد كما قلت إذا اعتبرنا فكر الهوية، وكل فكر هوية هو اعتقادي وفكر عقائدي وفكر متشدد، فإذا اعتبرنا أنه مسيطر في أوساط الإسلاميين الجدد هؤلاء، فهو ينطبق على الطرفين وإن كان أبرز لدى السنة بسبب:

  • أولا: الشرذمة الظاهرة، وعدم وجود مراجع تقليد يمكن العودة إليها بل كل واحد يستطيع إنشاء حركة والصراع على حسابه.
  • والسبب الثاني: أن المؤسسة التقليدية السنية تبدو في حالة ضعف وانحسار بسبب استتباعها من جهة الدولة وبسبب حلول الحركات الإسلامية المتشددة محلها.

هذان السببان يجعلان من الأصولية السنية أكثر بروزا وبخاصة بعد إغارة طرفها العنيف على الولايات المتحدة الأميركية وشن الحرب العالمية على الإرهاب.


الحالة السنية فقط هي التي لجأت إلى العنف؟

الشيعة لجؤوا إلى العنف أيضا قبل الوصول إلى السلطة، والآن يلجؤون إلى العنف في العراق والعنف الطائفي، حزب الدعوة حزب متشدد في الأصل. ما أقصده أن ظاهرة التشدد موجودة عند الطرفين لكنها أبرز عند السنة لسببين:

  1. أن هذه الحركات الاحتجاجية للسنة لم تستطع الوصول إلى السلطة فما زالت احتجاجية وأعنف، ولا تلتزم بأي شكل من الأشكال التي تضطر الدول الالتزام بها.
  2. لأنه من ضمن المذهب السني ليست هناك مرجعيات يمكن أن تحدث نوعا من الضبط والانضباط بل هناك شرذمة لا نهاية لها نتيجة عدم إيمان الفقه السني بتقليد(العلماء) الأحياء.


إذا هل تتوقع انحسار هذه الظاهرة أم تفاقمها؟

"
العنف باسم الإسلام ينحسر الآن، لن يموت لأن العوامل التي أدت إلى ظهوره لم تزل بعد، وفي حدود عام 2010 لن نعود لنرى بروزا لما يسمى العنف الإسلامي

"
من وجهة نظري أن العنف باسم الإسلام ينحسر الآن، لن يموت لأن العوامل التي أدت إلى ظهوره لم تزل بعد، مسألة فلسطين مثلا، مسألة العراق، مسألة الهجمة الأميركية، مسألة ما يعتبرونها إساءة إلى الإسلام في العالم، كل هذه الأمور تدفع بعض الشبان دائما إلى القيام بأعمال عنيفة، لكن هذا إلى انحسار تدريجي، أعتقد أنه في حدود عام 2010 لن نعود لنرى بروزا لما يسمى العنف الإسلامي وبخاصة إذا كان هناك نوع من التهدئة والتسوية في فلسطين وفي العراق.

أما الجهة الأخرى وهو التيار الرئيسي، فهو في خلال خمس سنوات سيكون موجودا ومشاركا على الأقل في السلطة في كثير من الدول العربية والإسلامية. ولذلك هذان الأمران، أمر حل المشاكل ولو نسبيا، والأمر الآخر المشاركة في السلطة من قبل التيار الرئيسي في السلطة ولو بشكل نسبي، يجعل العنف باسم الإسلام لا مستقبل له.

بعض الإسلاميين يقولون إنهم قد بذلوا جهدهم للحد من هذه الظاهرة، ما مدى صحة هذا القول؟ وهل سيعود عليهم بالخسارة سياسيا وشعبيا؟

ترشيد الصحوة يسمونه.. منذ أواخر السبعينيات بدأت حركة تزعمها الشيخ يوسف القرضاوي والشيخ محمد الغزالي وغيرهما لما يعتبرونه ترشيدا للصحوة، يعني بأن يقنعوا هؤلاء الشبان بعدم جدوى العنف وبأنه خير للدعوة الإسلامية أن تعتمد على الالتزام الأخلاقي وعلى الإقناع وعلى السلم من أجل النجاح من أن تعتمد على التكفير والعنف، وأن التكفير والعنف يؤديان إلى اضطراب اجتماعي وإبادة متبادلة، وليس هذا هو الإسلام، فمحرم على المسلم عرض ودم المسلم مهما اختلف معه في الرأي.

إن الاعتداء من جانب هؤلاء الشبان على دولة أخرى أجنبية، معنى ذلك أنهم يعرضون أوطانهم للأخطار، فالإسلام ليس مع مسألة العنف. ثم من جهة أخرى من الناحية العملية العنف يولد عنفا أكبر ضدهم، وعلى هذا الأساس بدؤوا يتحدثون عن ترشيد الصحوة بمعنى إعادتها إلى السوية الإنسانية والإسلامية ونجحوا، على الأقل لدى التيار الرئيسي نجد الآن أن أكثر الإسلاميين لا يؤمن بالعنف ولا يعترف به، بل على العكس يعتبره يحط من قدر ومن إمكانية نجاح الحركات الإسلامية.


نفهم من ذلك أن هذا الجهد قد عاد عليهم بالفائدة؟

طبعا طبعا، الجمهور لا يحب العنف، يظهر شماتة عندما يقتل حاكم أو متنفذ أو ضابط مخابرات وهكذا، ولكن الجمهور يحب الاستقرار والسلم، والذين يخرجون ويصرخون ويضربون وهكذا لا يحبهم الجمهور، وتعرف التيارات الرئيسية كما قلت في الحركات الإسلامية هذا الأمر ولذلك تحاول تجنبه بشكل مطلق، لا تمارس العنف ولا تهدد به.

ليس لأنهم مثاليون بل لأنهم رأوا ذلك.. هذه جماعة الجهاد بمصر قتلوا السادات، ماذا جنوا؟ خسروا الدين والناس في نظر التيار الرئيسي في الحركات الإسلامية.
_______________
قسم البحوث والدراسات-الجزيرة نت