شفيق شقير

تشكيلات المقاومة العراقية والسنة
خيار المقاومة والشيعة

بمجرد الحديث عن المقاومة العراقية فإن الأنظار تتجه نحو العراقيين السنة العرب الذين يشكلون عمادها حاليا، ويشتد النقاش حول عدم وجود تشكيلات شيعية مقاومة، أما الأكراد فإن ظروفهم التاريخية وأولوياتهم السياسية غيبتهم تماما عن أي حديث يتعلق بالمقاومة.

تشكيلات المقاومة العراقية والسنة

ظهرت المقاومة العراقية منذ اللحظة الأولى لسقوط النظام السابق وبدت كأنها امتداد طبيعي له، أو أنه أريد لها أن تبدو كذلك.

وبغض النظر عن حقيقة الأمر فإن قادة في الجيش العراقي لعبوا دورا مهما في قيادة المقاومة العراقية، ويرجع البعض الأمر إلى الخطأ الذي ارتكبته واشنطن بحلها الجيش العراقي وإهانته بدلا من إعادة بنائه لصالح العراق الجديد.

وهذا التحليل لا يتعارض مع تحليل آخر قادت إليه الأحداث اللاحقة وهو أن السنة العرب في العراق بسبب رفضهم المبكر للاحتلال قد شعروا بأنهم مستهدفون بشكل خاص من الاحتلال، مما دفع هذه الطائفة بمعظم مكوناتها، خاصة العسكريين منها إلى الانخراط في عمليات عسكرية مناوئة للاحتلال.

كما أنه كان لصورة المتطوعين العرب الذين قدموا للدفاع عن العراق قبيل احتلاله الأثر الكبير في تشجيع المقاومة العراقية على الظهور المبكر، فقد رويت قصص عن فضائلهم وكراماتهم بوصفهم مجاهدين باعوا أنفسهم لله بكل ما للكلمة من معنى ديني إسلامي، وهو ما يبرر النزعة الدينية المهيمنة على كل مجموعات المقاومة العراقية.

والجدير بالذكر أن مجموعات المقاومة كثيرة وعصية على الحصر، وبعضها يعمل بصمت مطبق وذلك لأسباب أمنية وظروف الاحتلال، ولكنها جميعا تتخذ من المعاني القومية والوطنية والإسلامية خيارا أيدلوجيا لها، ويمكن تأكيد كون الوصف الأخير أي الإسلامي لا تخلو منه أي مجموعة حتى الآن على الأقل.

وسيذكر البحث بعض هذه المجموعات الأساسية التي اشتهرت إعلاميا، والتي لا توازي شهرتها الإعلامية بالضرورة نشاطها العسكري على الأرض. 

كتائب ثورة العشرين

كتائب ثورة العشرين تتبنى إسقاط طائرة بريطانية في العراق
هي الجناح العسكري للمقاومة الوطنية الإسلامية، ويبدو أنها تضم أكثر من كتيبة، حيث وصفت الكتيبة الخضراء نفسها بأنها إحدى كتائب ثورة العشرين، وتبنت عملية إسقاط طائرة بريطانية من خلال شريط مصور بثته قتاة الجزيرة.

ويعتقد أن كتائب ثورة العشرين تميل للمشرب الفكري لحركة الإخوان المسلمين، وأنها تضم عناصر ناشطة من الحركة الإسلامية في العراق والتي كانت هدفا للنظام السابق، كما تضم شريحة من الوطنيين العراقيين.

وتصف الكتائب نفسها في أحد المنشورات المنسوبة لها بأنها "حركة جهادية وطنية تسعى إلى تحرير أرض العراق من الاحتلال العسكري والسياسي الأجنبي ليتمكن أبناء الشعب العراقي من حكم أنفسهم بأنفسهم، وبناء دولتهم على أساس المبادئ السامية للدين الإسلامي الحنيف القائمة على تطبيق العدالة وعدم التمييز على أساس اللون أو العرق أو الدين أو المذهب". 
 
جيش أنصار السنة
هو مجموعة سلفية كما يظهر من بياناته، وأعلن مسؤوليته عن عدد من العمليات ضد أهداف أميركية وعراقية، كما تبنت المجموعة خطف عدد من الأجانب وقتلهم، وهي في العادة تصف الأميركيين "بالصليبيين" وتصف الأجهزة العراقية عموما "بالعميلة للصليبيين".

وتعتبر عملية الموصل في الشهر الأخير من عام 2004 من أبرز العمليات التي تبنتها الجماعة، وقد قتل فيها 22 جنديا أميركيا حسب مصادر وزارة الدفاع الأميركية.

وترجح بعض المصادر المعنية بشأن المقاومة في بغداد أن هذه المجموعة لا تخلو من صلة بجماعة أنصار الإسلام الكردية، أو أنها امتداد لتلك الجماعة التي تعرضت لضربة قاسية من القوات الأميركية إبان غزو العراق، كما أنها تعرضت للملاحقة من الفصائل الكردية الأخرى، لذا لا تستبعد تلك المصادر أن تضم هذه المجموعة بعض العناصر الكردية.

الجبهة الإسلامية للمقاومة العراقية(جامع)
أعلنت هذه المجموعة عن نفسها عبر بيان مؤرخ بتاريخ 28 مايو/أيار 2004، وتعهدت بـ"طرد المحتل" الذي جاء إلى العراق لتحقيق أهداف "خبيثة"، منها محو الهوية الإسلامية للعراق وارتهان إرادته ونهب خيراته، والتمهيد "للتوغل الصهيوني في البلاد والمنطقة".

وتتميز هذه المجموعة بالتزامها باستهداف "قوات الاحتلال" بواسطة ذراعها العسكري "كتائب صلاح الدين"، وتحرص على اجتناب الاحتكاك بالأجهزة الأمنية والعسكرية العراقية، حتى إنها أصدرت أثناء الانتخابات الأخيرة بيانا تبرأ فيه "من كل قطرة دم عراقية تُسال" بسبب الانتخابات، وقالت إنه ليس من سياستها "الدخول في فتنة استباحة دماء أبناء بلدنا ومواطنينا عبر ضرب المراكز الانتخابية وإسالة دماء العراقيين الأبرياء".

ولهذه الجماعة منشورات وكتب تثقيفية تتداولها وسط أنصارها، وتصدر بياناتها تحت عنوان "المكتب السياسي" مما قد يعني أنها تملك أهدافا تتجاوز الميدان العسكري، وهي تتبنى مفاهيم وأفكارا إسلامية قريبة من تلك التي تتبناها حركة الإخوان المسلمين.

الجيش الإسلامي في العراق
وهو جماعة سلفية الطابع وإن كانت تضم عناصر ذات خلفية فكرية إخوانية، ويعتقد أن ضباطا من الجيش السابق ومختصين في التصنيع العسكري يقومون بدور قيادي تقني في هذه الجماعة.

ومن خلال استقراء العمليات التي تبناها الجيش الإسلامي فإن سياسته العسكرية تقوم على استهداف كافة الأجهزة العسكرية العراقية إضافة إلى قوات "الاحتلال" ومن تسميهم بالمتعاملين معه، وذلك سواء بالتفجيرات أو بالأشكال العسكرية الأخرى.

ويلاحظ على هذه الجماعة أنها تتخذ من الخطف منهجا منظما لأدائها العسكري، حيث قامت هذه الجماعة باختطاف الفلبيني أنجلو دولا كروز ثم أطلقت سراحه بعد أن وافقت مانيلا على ترحيل عسكرييها الخمسين الذين كانوا يوجدون بالعراق في إطار قوات الائتلاف الأميركي والبريطاني.

وتبنت أيضا خطف الصحافيين الفرنسيين كريستيان شيسنو وجورج مالبرونو في أغسطس/آب 2004 قبل أن تفرج عنهما لاحقا بعد مفاوضات سرية.

كما أنها أعلنت عن "إعدام" الصحفي الإيطالي أنزو بالدوني في أغسطس/آب 2004 بذريعة عدم استجابة إيطاليا لمطلبها المتمثل في سحب الجنود الإيطاليين من العراق.

وقامت الجماعة أيضا بخطف الصحفية الإيطالية جوليانا سغرينا في فبراير/شباط 2005 والتي أصيبت أثناء عملية الإفراج عنها برصاص القوات الأميركية وقتل المسؤول الاستخباري الإيطالي المكلف بالإفراج عنها.

وفضلا عن ذلك فقد أعلنت الجماعة مرارا عن اختطاف عراقيين أو موظفين أجانب من جنسيات مختلفة أعدمت بعضهم وأفرجت عن بعض، وعلى العموم فإن لائحة المختطفين على يد هذه الجماعة تطول، ويعتقد أنه لا يزال في يدها حتى الساعة عدد من المخطوفين.

تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين
وتعتبر هذه الجماعة الأكثر إثارة للجدل، ويتزعمها أبو مصعب الزرقاوي الأردني، وتتبع تنظيم القاعدة الذي يتزعمه السعودي أسامة بن لادن.

الزرقاوي زعيم القاعدة في بلاد الرافدين

ويمتاز هذا التنظيم بامتداده العالمي مما وفر له قدرة إعلامية فاقت كل جماعات "المقاومة العراقية" إذا اعتبر منها، ويتميز بخلفية دينية سلفية صارمة، ويصنفه البعض على أنه جماعة تكفيرية عالمية، وليست جماعة عراقية مقاومة.

وبالنظر إلى العمليات التي أعلنت الجماعة مسؤوليتها عنها فإن أكثر عملياتها العسكرية استهدفت العراقيين وقليل منها استهدف قوات "الاحتلال".

كما أنها لا تتورع عن الجهر بتكفير الشيعة العراقيين، مما جعلها متهمة بأن سبب استهدافها لهم هو الاختلاف المذهبي فقط، وجاء تبني الجماعة لانفجار الحلة -وقع في نهاية فبراير/شباط وذهب ضحيته أكثر من مئة شخص من الشيعة- كدليل إضافي على صحة هذه المزاعم.

ومن المعروف أن تنظيم القاعدة الذي يتزعمه ابن لادن قد استقر -حسب ما ظهر من أدبياته- على خوض الحرب ضد الأميركيين ليس بسبب كونهم "قوة احتلال" فقط، وإنما أيضا بسبب وصفهم الديني وكونهم "كفارا"، وهو ما يجعل "الجهاد" مبنيا على معاني تتجاوز مفهوم "مقاومة المحتل"، إلى معان دينية أخرى. 

وبتتبع نشاطات هذا التنظيم ونشراته الإعلامية وبياناته، يترجح أنه يعتنق عقيدة قتالية عرفت بها التنظيمات الجهادية المصرية في الثمانينيات، والتي تجيز استهداف الشرطة باعتبارهم أعوان النظام واليد التي يبطش بها بغض النظر عن حقيقة أمرهم هل هم كفار أم لا، وإن كان الحكم الظاهر فيهم هو الكفر، أما حسابهم الأخروي فعلى الله الذي يعلم نواياهم، فمن كان منهم مكرها أو معذورا أو قتل بالخطأ لوجوده بينهم فإنه يبعث يوم القيامة على نيته ولهم أدلة دينية على ذلك. 

كما أن الجماعة تترخص في الدماء بشكل واسع، بناء على النظرية الشهيرة في كتب الفقه، والتي تقول إنه إذا تترس الكفار بمسلمين في الحرب، وتتطلب دفعهم قتل المسلمين، قتلوا ولا حرج في ذلك بل قد يجب أحيانا.

ولعل هذا ما يفسر التفجيرات غير الدقيقة التي تستهدف أهدافا مقصودة بعينها ويسقط فيها أعداد كبيرة أحيانا من غير المستهدفين والذين قد لا تنفي الجماعة أنهم "أبرياء"، ولكنهم بالتأكيد سيبعثون يوم القيامة على نياتهم أيضا حسب منطقهم.

فتنظيم القاعدة في بلاد الرافدين لا يحتاط في الدماء كثيرا، لأن الهدف الذي




يسعى إليه أكبر من الموت والحياة وأعظم من الاحتياط فيه، وما يسقط خطأ في الدنيا، فإن أحكام الآخرة تنصفه بالنظر إلى نيته.

خيار المقاومة والشيعة

وقع الاختلاف في جدوى المقاومة مع اللحظة الأولى لسقوط بغداد، واختلط فرح المستفيدين من سقوط النظام، بترقب أولئك الخائفين مما سيكون بعده، وكان الشيعة يمثلون غالب الحالة الأولى بينما كان السنة العرب غارقين في الحالة الأخيرة.

وبادر السنة العرب إلى إشعال المقاومة المسلحة، في حين كان الراحل السيد محمد باقر الحكيم زعيم المجلس الأعلى للثورة الإسلامية يدعو للمقاومة السلمية ويرى أنه لا جدوى من المقاومة المسلحة، وأن بعض القائمين عليها هم من البعثيين وقطاع الطرق.

من اشتباكات النجف
بينما أخذ الزعيم الشيعي الشاب مقتدى الصدر المبادرة، وانخرط في مقاومة سلمية فعلية بدأها وأنصاره بالتظاهر ضد إغلاق إحدى الصحف التابعة له، وامتد الأمر إلى مرحلتين زمنيتين من المعارك في مدينة الصدر ببغداد وفي الأماكن الشيعية المقدسة وخصوصا في النجف والكوفة اللتين تضررتا من جراء تلك المعارك.

وانتهت فصول الحرب بينهما باتفاق بدخول الجيش العراقي إلى المدينة الشيعية المقدسة وفتحت عمليا أمام القوات الأميركية التي لم توقف استهداف التيار الصدري بحملات الاعتقال.

ومع اشتداد المعارك بين القوات الأميركية وجيش المهدي التابع للتيار الصدري توقع البعض أن ينخرط الشيعة في المقاومة من هذه النافذة، ولكن سير الأمور اتخذ منحى آخر فسر بتفسيرات مختلفة، منها أن جيش المهدي لا يعبأ بالمقاومة، وأن له مطالب خاصة تتعلق بحصته في النظام الجديد.

إلا أن هذا التفسير يتجاوز الكثير من الحقائق، وأهمها أن التيار الصدري دخل في حرب قاسية ولم تكن بنيته التنظيمية ورؤيته السياسية قد اتضحت، وربما لا يزال الوضع كذلك حتى الآن وهو حديث آخر، ومني بخسائر كبيرة جدا في الأرواح، ولم يحظ بدعم المرجعيات الشيعية في مدينة النجف، بل خرجت هذه المرجعيات من المدينة حين اشتداد المعارك وتوجه آية الله علي السيستاني إلى لندن على وجه السرعة بداعي العلاج.

فالتيار الصدري كان يسبح ضد التيار الجارف في الطائفة الشيعية، والتي أبدى بعض رموزها الحرص على استكمال انتصاره التاريخي باسترجاع حكم بغداد، ولم يتردد بعضهم في إرجاع الحرمان الذي عانت منه الطائفة الشيعية في العراق إلى زمن الحسين بن علي من فاطمة ابنة الرسول محمد، وهذا يتجاوز نظام حزب البعث الحاكم في العراق، ويتجاوز صدام حسين، ويجعل لحظة الاحتلال، هي لحظة استعادة الحقوق التاريخية.

ومن المهم أن نشير إلى أن الروح القتالية لجيش المهدي تشكلت خلال المعارك مع المحتل، وكانت تتحرك بشعارات تصب في مصلحة المقاومة، ولكن من المستبعد أن ينخرط هذا الجيش في حرب "مقاومة" في



الظروف الراهنة، لأن الظروف التي أقعدته عن الاستمرار في منابذة "قوات الاحتلال"، ما زالت سارية.
________________
الجزيرة نت

المصادر
1- أرشيف الجزيرة نت
2- مقابلات واتصالات مع مصادر معنية بشؤون المقاومة العراقية.
3- بيان المكتب السياسي للجبهة الإسلامية للمقاومة العراقية حول الانتخابات العراقية في موقع قدس برسhttp://www.qudspress.com/data/aspx/D21/10021.aspx
4-بيان من كتائب ثورة العشرين، من هي كتائب ثورة العشرين موقع البصرة نتhttp://www.albasrah.net/moqawama/maqalat/kataeb20_20022004.htm
5- مواقع الإنترنت التي تتضمن بيانات أو معلومات عن المقاومة كثيرة جدا ويجب التأكد منها من مصادر أخرى وهي في غالبها شفوية.