بقلم/ د. فضل النقيب

حرصت إسرائيل على استخدام السلاح الاقتصادي في حربها على الشعب الفلسطيني منذ اندلاع انتفاضة الأقصى بهدف تجويعه وكسر إرادته في المقاومة والصمود. وتعيش نسبة كبيرة من الفلسطينيين الآن تحت خط الفقر.

خسائر الاقتصاد الفلسطيني في سنوات الانتفاضة
أساليب تكيف الاقتصاد الفلسطيني مع الأوضاع الصعبة

آفاق المستقبل للاقتصاد الفلسطيني

خسائر الاقتصاد الفلسطيني في سنوات الانتفاضة

فقد الفلسطينيون نتيجة لممارسات القتل والتدمير والقصف العشوائي للأحياء والمدنيين الكثير سواء على مستوى الأرواح أو على مستوى الممتلكات. واستعملت إسرائيل أسلوبين من الإغلاق:

  1. الإغلاق الخارجي فتمنع انتقال الأشخاص والبضائع من المناطق الفلسطينية إلى إسرائيل وإلى العالم الخارجي.
  2. الإغلاق الداخلي الذي تمنع بموجبه انتقال الأشخاص والبضائع بين المناطق الفلسطينية نفسها، ما أدى إلى شل الحياة الاقتصادية لأيام وأسابيع وأحيانا لأشهر.

ويمكن تحديد الخسائر الاقتصادية بثلاثة محاور هي:

  • خسائر الدخل
  • خسائر الممتلكات
  • الأضرار الناجمة عن التشويه الهيكلي للاقتصاد.

خسائر الدخل
يشير آخر تقرير لمنظمة أونكتاد (UNCTAD) إلى أن الناتج المحلي الإجمالي الفلسطيني قد تراجع بمقدار 24% عام 2001 عما كان عليه في العام 2000، وأنه تراجع بمقدار 22% عام 2002. وهذا يعني أن الدخل الفلسطيني تراجع نحو 46% عما كان عليه عام 1999.


يشير تقرير الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إلى أن نسبة الفقر في منتصف هذا العام قد وصلت إلى 63% ووصلت خسائر الممتلكات ما مجموعه 101 مليار دولار

وتفشت البطالة حتى وصل معدلها هذه السنة حوالي 40% في مجمل الأراضي الفلسطينية ولأكثر من 50% في قطاع غزة.

هذه الخسائر الهائلة تقود بحكم طبائع الأمور إلى تفشي الفقر، ويشير تقرير الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إلى أن نسبة الفقر في منتصف هذا العام قد وصلت إلى 63% (أشخاص يعيشون بأقل من دولارين في اليوم).

خسائر الممتلكات
بلغ مجموع خسائر الممتلكات الخاصة كالبيوت والأشجار والسيارات والممتلكات العامة من بنية تحتية (طرق ومرافق المياه والكهرباء والمباني والعامة) حوالي 101 مليار دولار.

الأضرار الناجمة عن تشوية هيكلة الاقتصاد الفلسطيني
وأدت هذه الخسائر إلى تشويه هيكلي في بنية الاقتصاد الفلسطيني، فتراجعت مساهمة قطاع الصناعة في الناتج المحلي الإجمالي من 16% عام 1999 إلى 14% عام 2002. وخسر قطاع التشييد والبناء نصف مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي حتى وصلت عام 2002 إلى 6% فقط، في حين زادت مساهمة القطاع الزراعي من 11% عام 1999 إلى 15% عام 2002، وكذلك ارتفعت مساهمة قطاع الخدمات في الناتج المحلي من 42% عام 1999 إلى 45% عام 2002.

يشير حجم الخسائر الضخمة التي لحقت بالاقتصاد الفلسطيني إلى مدى اعتماده على الاقتصاد الإسرائيلي، فالواقع أن قسما كبيرا من خسائر الدخل يخص خسائر العمال الفلسطينيين العاملين في إسرائيل، فقد بلغ هؤلاء العمال قبل الانتفاضة ما بين خمس إلى ربع اليد العاملة الفلسطينية.

وقسم آخر من الخسائر يخص المستوردين من إسرائيل والمصدرين إليها، إذ يصل حجم ما يستورده الفلسطينيون من إسرائيل حوالي 75% من مجمل استيرادهم، بينما تبلغ قيمة الصادرات إلى إسرائيل 90% من مجمل الصادرات الفلسطينية.

ولما كانت قيمة الصادرات إلى إسرائيل تساوي 20% من قيمة الاستيراد منها (عام 2001) فإن قيمة العجز في ميزان المدفوعات مع إسرائيل بلغ حدودا عالية، إذ تشير التقديرات إلى أن 70% من المساعدات الخارجية التي تأتي للاقتصاد الفلسطيني تتحول لإسرائيل لتمويل الاستيراد الفلسطيني منها.

أساليب تكيف الاقتصاد الفلسطيني مع الأوضاع الصعبة

يمكننا في هذا المجال التمييز بين أربعة أدوار رئيسية هي:

  • دور الأهالي
  • دور القطاع الخاص
  • دور المعونات العربية
  • دور السلطة الفلسطينية

دور الأهالي
وقد اتسم بصفتين رئيسيتين، الأولى هي تقليص الإنفاق، فالكثير من العائلات الفلسطينية عملت على تقليص نفقاتها لسد الحاجات الضرورية فقط، وذلك بعد أن تراجع متوسط دخل العائلات بمقدار 44% عما كان عليه قبل الانتفاضة، وتشير بعض الأبحاث المسحية إلى أن 63% من العائلات عمدت بين وقت وآخر في السنوات الثلاث الماضية إلى الاقتراض، كما أن هناك نحو 20% من العائلات عمدت إلى بيع جزء من ممتلكاتها.

أما الصفة الثانية فهي الانخراط في نشاطات عمل تدر بعض الدخل كالعمل في الزراعة أو القيام بأعمال حرفية أو تجارية بينية أو ما يعرف باسم نشاطات القطاع غير الرسمي (INFORMAL SECTOR).

ومن ناحية أخرى فلقد ازداد ترك الأطفال لمقاعدهم الدراسية وانخرطوا في أعمال تدر عليهم بعض الدخل الذي يساعد عائلاتهم، خاصة تلك العائلات التي انقطع دخلها بسبب استشهاد أو جرح أو أسر من يعيلها. ويشير أحد التقارير إلى تضاعف نسبة تشغيل الأطفال من 10% في ديسمبر/ كانون الأول 2001 إلى 20% في ديسمبر/ كانون الأول 2002.

دور القطاع الخاص
وتراجع حجم الإنتاج العام وحجم تشغيل اليد العاملة، وخاصة في المنشآت الصغيرة التي يتجاوز عدد العاملين في الواحد منها أربعة عمال وتشكل نحو 90% من مجموع المنشآت الاقتصادية. وتراجع عدد العاملين فيها بنسبة 14% إلى 27%.

وساهم نشاط مقاطعة البضائع الإسرائيلية في تحسين أوضاع المنشآت التي تنتج المواد الغذائية حيث سجلت زيادة في عدد العمال بمقدار 13%.

وعمدت بعض المنشآت الكبيرة إلى إقامة مخازن لمنتجاتها في بعض المدن والقرى حتى تتمكن من الوصول للسوق في أيام الإغلاق الداخلي. وفي حالات أخرى -قليلة- أقامت بعض المنشآت مصانع لها في الأردن حتى تتمكن من الوفاء بالتزاماتها تجاه السوق الخارجية. وعلى العموم تقلص حجم المنشآت الكبيرة وأكثرها يعمل بحوالي 30% فقط من طاقته الإنتاجية.


السلطة الفلسطينية تعتمد بنحو 60% من ميزانيتها على الضرائب التي تجمعها إسرائيل على بضائع الاستيراد الفلسطيني وتلتزم بإعادتها للسلطة وفق اتفاقية أوسلو

دور المعونات العربية
وكان للمعونات العربية أثر هام خاصة في سد عجز ميزانية السلطة الوطنية، فمن المعروف أن 60% من ميزانية السلطة مصدرها الضرائب التي تجمعها إسرائيل على بضائع الاستيراد الفلسطيني وتلتزم بإعادتها -بعد خصم 3%- إلى السلطة الفلسطينية، وامتنعت تل أبيب عن دفع تلك المستحقات بسبب اندلاع الانتفاضة كنوع من العقاب، وأدى ذلك إلى عدم قدرة السلطة على الوفاء بدفع رواتب موظفيها الذين يشكلون أكثر من 40% من اليد العاملة الفلسطينية حتى قامت المساعدات العربية التي التزم بها مؤتمر القمة لسد العجز في الميزانية الفلسطينية.

وتشير تقارير الجامعة العربية إلى أن السلطة الوطنية استلمت حتى فبراير/ شباط 2003 مساعدات بقيمة 850.56 مليون دولار. وتلقت السلطة معونات من مؤسسات عربية مثل المنظمة العربية للتنمية الصناعية، والصندوق العربي للإنماء الاقتصادي، ومنظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول، وصندوق النقد العربي، إضافة للمساعدات التي حصلت عليها عن طريق التبرعات الشعبية.

رغم عدم توافر تقديرات دقيقة لحجم هذه المساعدات، يعتقد أنها عملت على سد جزء من حاجات المؤسسات الحكومية والتعليمية والصحية، كما تعمل على توفير بعض المعونة للعائلات المتضررة.

دور السلطة الوطنية
وقد انصب بشكل رئيسي على الاحتفاظ بالجهاز الحكومي واستمرار عمل منشآت الخدمات العامة، وتصليح البنية التحتية التي تعرضت للخراب من جراء القصف الإسرائيلي، ولم تتمكن السلطة من الاضطلاع بدور قيادي يوفر بيئة مشجعة للقطاع الخاص للتغلب على الصعاب، أو يعمل على تعزيز القدرات الذاتية للاقتصاد الفلسطيني.

كذلك لم تتمكن السلطة من القيام بدور فعال في تخفيف أعباء الانتفاضة من على كاهل الطبقات المتضررة التي تدفع معظم ثمن التضحيات سواء البشرية أو المادية.

ويمكن القول إنه عدا بعض برامج التشغيل الطارئ التي أقدمت عليها السلطة لتخفيف حدة البطالة فإن عملها في المجال الاقتصادي لم يختلف أثناء الانتفاضة عما كان عليه في السابق.

آفاق المستقبل للاقتصاد الفلسطيني

اتضح أن استمرار مقاومة الشعب الفلسطيني بحاجة إلى جهود كبيرة تعمل على تعزيز القدرة الذاتية للاقتصاد الفلسطيني وتقليص تبعيته للاقتصاد الإسرائيلي. ومثل هذه الجهود تحتاج إلى قيادة واعية مدركة لطبيعة المرحلة.

وفشلت السلطة الوطنية حتى الآن في أن تكون تلك القيادة وذلك لسببين:

  • أولهما عدم التزامها ببرنامج تنمية متكامل وشامل وتركها الأمور الاقتصادية تجري وفق آراء واجتهادات الوزراء وحسب علاقاتهم بالدول المانحة.
  • والثاني أجواء الفساد الإداري المنتشرة وبالتالي سيطرة الفاسدين على الكثير من الأمور المالية في أجهزة السلطة.


لم تتبن السلطة منذ قيامها برنامجا تنمويا شاملا ذا أبعاد إستراتيجية وإنما غلب على إجراءاتها الطابع الارتجالي والآني

فمنذ قيام السلطة عام 1994 لم تتبن برنامجا تنمويا شاملا، وذلك لأسباب ذاتية وأخرى موضوعية، فمن الأسباب الذاتية أن منظمة التحرير الفلسطينية التي انبثقت منها السلطة لم تتعود طوال تاريخها على ممارسة أسلوب التخطيط واعتماد البرامج المرحلية وفق إستراتيجية بعيدة المدى، فإجراءاتها عادة ما تكون ردود فعل وارتجالية وذات طابع آني تهدف كما بقية القيادات العربية للاحتفاظ بمواقعها.

أما السبب الموضوعي فقد قامت السلطة الوطنية على أساس شرعيتين:

  • الشرعية الدولية التي تحتم على السلطة التنسيق والتعاون مع إسرائيل للوصول إلى حل سلمي للنزاع.
  • شرعية منظمة التحرير الفلسطينية التي تلتزم بموجبها السلطة أمام شعبها بمتابعة النضال من أجل الوصول إلى تحقيق أهداف المشروع الوطني الفلسطيني.

فكيف يتأتى للسلطة التنسيق بين الشرعيتين اللتين تبدوان متناقضتين، فإسرائيل مستمرة في ممارساتها كما كانت قبل إنشاء السلطة من مصادرة للأراضي وبناء المستعمرات الاستيطانية ومستمرة في تهويد الأراضي الفلسطينية. لذلك لم تتمكن السلطة من صياغة برنامج تنموي يعتمد على علاقات التعاون والتنسيق مع إسرائيل متجاهلة ما تقوم به من ممارسات معادية على أرض الواقع.

ويعتقد أن السلطة لم تكن مؤهلة لصياغة برنامج تنموي يعتمد على علاقة صراع مع إسرائيل لأنه سيفقدها الدعم الدولي الداعم لعملية التسوية السلمية ويعرضها لفقدان الدعم المادي من الدول المانحة التي هي بأمس الحاجلة لها.

وبقيت السلطة طوال سنوات الانتفاضة تعاني من التذبذب بين هذه المتطلبات. وفي النهاية حسمت أمرها بقبولها بخطة خارطة الطريق الأميركية التي تعني الالتزام بمهمات بناء الدولة وترك مهمات التحرير الوطني للمفاوضات.

ونرى أن من الأهمية بالنسبة للمجال الاقتصادي العمل على تحرير الاقتصاد الفلسطيني من تبعيته الحالية للاقتصاد الإسرائيلي، وإن لم يتم ذلك سيبقى من الاستقلال السياسي -إن حصل- فارغا من مضمونه. لذا فإن من أهم متطلبات هذه المرحلة اعتماد السلطة على برنامج تنموي وطني يركز على:

1- تعزيز القدرة الذاتية للاقتصاد الفلسطيني، وذلك عن طريق التركيز على قطاعي الزراعة والصناعة بشكل رئيسي من خلال توسيع مساحة الأراضي المزروعة وإصلاحها، والعمل على توسيع الطاقة الصناعية من خلال تقديم الدعم لهذا القطاع.

2- تشجيع الصناعات التي تنتج سلعا بديلة للسلع المستوردة من إسرائيل، والعمل على تحويل تجارة الفلسطينيين الخارجية من الموانئ الإسرائيلية إلى الموانئ المصرية والأردنية. وكذلك اعتماد مشاريع إسكان كبيرة وقليلة التكلفة لأصحاب الدخل المحدود. وتعزيز شركة الاتصالات الفلسطينية على انتهاج سياسة تسعيرية منافسة للاتصالات الإسرائيلية. وتقليص الاعتماد على شركة الكهرباء الإسرائيلية بالارتباط بالمصادر الكهربائية العربية إن أمكن.

3- تفكيك الإرث الاستعماري الذي ورثته الأراضي الفلسطينية طوال سنوات الاحتلال، وذلك بإعادة النظر في القوانين والأنظمة المعمول بها خاصة في ما يتعلق بالضرائب وأولويات الإنفاق العام.

وبالنسبة لموضوع الفساد فمن المعروف أن ضجة كبيرة أثيرت حول الموضوع، فالإصلاح والتطوير صار مطلبا وطنيا فلسطينيا ثم تبنته الإدارة الأميركية أثناء الانتفاضة لعدم رضاها عن الدور الذي لعبه ياسر عرفات في الانتفاضة وبذلك أصبح هناك مرجعيتان للإصلاح.

وتحدثت الصحف مؤخرا عن الإصلاحات التي أجراها وزير المالية الفلسطيني سلام فياض وأشادت بإجراءاته وهو الذي كان ممثلا لصندوق النقد الدولي في الأراضي الفلسطينية. وهي إصلاحات جيدة ويجب أن تستمر ولكن من الضروري الإشارة إلى أنها حتى الآن تتم وفق المرجعية الأميركية ولم ترق بعد إلى الالتزام بأهداف المرجعية الوطنية في الإصلاح.

وأخيرا هناك حقيقة جسدتها انتفاضة الأقصى وهي أن دخول إسرائيل في العملية السلمية لم يدفعها إلى تغير السياسة الإسرائيلية تجاه حقوق الشعب الفلسطيني.

وأظهرت الانتفاضة أنه طالما أن هذا التغير لم يحدث فإن هناك وضعا واحدا للعلاقة بين فلسطين وإسرائيل في الوقت الحاضر وفي المستقبل المنظور وهو الصراع، وهذا يتطلب من السلطة الوطنية الالتزام ببرنامج اقتصادي فلسطيني يساعد الشعب على الاستمرار في هذا الصراع لا أن يكبل يديه ويزيد من تبعيته للاقتصاد الإسرائيلي.
ـــــــــــــــ
كاتب فلسطيني متخصص في الشؤون الاقتصادية