بقلم: حامد إبراهيم حامد

خلفية
صراع المكونات
الشرارة الأولى للنزاع
ماذا بعد؟

خلفية

ظل إقليم دارفور الذي تسلط عليه الأضواء حاليا على مدى ثلاثة عقود يعيش أوضاعا مضطربة ولم يعرف الاستقرار الأمني والسياسي والاقتصادي والاجتماعي بسبب ظواهر طبيعية وأمنية وسياسية فقد عانت المنطقة من فترات جفاف وتصحر قادت إلى ثلاث مجاعات كبيرة في الأعوام 1973 و1985 و1992.

"
أدى الصراع التشادي التشادي والصراع الليبي التشادي خلال الثمانينيات وبداية التسعينيات إلى انتشار السلاح والجماعات المسلحة بدارفور وبالتالي قاد إلى ظاهرة النهب المسلح

"
وأدى شح الأمطار في شمالي الإقليم ووسطه إلى نزوح أعداد كبيرة من السكان جنوبا إلى مناطق السافنا المدارية حول جبل مرة والمناطق الحدودية مع أفريقيا الوسطى وتشاد كما أدت إلى نفوق أعداد كبيرة من الماشية وظهور حالات فقر وسط القبائل الرعوية خاصة رعاة الإبل والأبقار في شمالي وغربي المنطقة بسبب تمدد التصحر جنوبا حيث ظل يتمدد سنويا بمعدل ثلاثة كيلومترات حتى باتت جميع مناطق شمالي ووسط دارفور صحراوية وشبه صحراوية بسبب عامل الطبيعة.

كما أدى الصراع التشادي التشادي، والصراع الليبي التشادي في الإقليم خلال الثمانينيات وبداية التسعينيات إلى انتشار السلاح والجماعات المسلحة وبالتالي قاد إلى ظاهرة النهب المسلح التي استفحلت بالمنطقة متزامنة مع ظاهرة الجفاف والتصحر وراح ضحيتها أكثر من 15 ألف مواطن من بينهم ثلاثة آلاف وخمسمئة شرطي.

وقد أثرت الهجرات التشادية إلى دارفور بسبب تدهور الأوضاع في تشاد والجفاف والتصحر أمنيا بشكل كبير على الأوضاع في الإقليم خاصة في تطور أحداث النهب المسلح وانتشار السلاح وأصبحت كل الماشية السودانية المنهوبة تتجه برا إلى تشاد واشترك في عمليات النهب عسكريون سابقون من الجيش التشادي وأفراد من القبائل العربية وقبيلة الزغاوة من تشاد والسودان.

وقد استوطن أكثر من ثلاثة ملايين تشادي السودان نصفهم بدارفور خاصة في المناطق الحدودية الجنوبية الغربية والشرقية من جنوب دارفور علما بأن هناك أكثر من خمسين قبيلة مشتركة بين السودان وتشاد، وأصبح العنصر التشادي سواء من القبائل الأفريقية مثل الزغاوة أو العربية القاسم المشترك في التدهور الأمنى بدارفور على مدى السنوات الماضية وحتى الآن.

ولعبت حرب الجنوب وتطورات الأوضاع في إثيوبيا دورا مهما في تأجيج الوضع الأمنى بدارفور وقد استفادت القبائل المختلفة من توفر السلاح الذي يتم تهريبه إلى المنطقة واستفادت القبائل أيضا من سياسة التجييش التي قننتها الحكومة السودانية عبر التدريب في الدفاع الشعبي لمواجهة الحرب في الجنوب، وتدرب العديد من أبناء القبائل على السلاح بطريقة رسمية واستفادوا منه لحماية قبائلهم في مواجهة القبائل الأخرى.

وكانت دارفور -التي تبلغ مساحتها نصف مليون كيلومتر مربع وتعادل مساحة ثلاث دول أوروبية هي فرنسا وهولندا والبرتغال وتعادل 20% من مساحة السودان- تتميز بالتجانس والتعايش السلمي بين مختلف قبائلها وأجناسها ويتم حل المشاكل القبلية عبر الإدارة الأهلية التي كانت لها القوة والسلطة قبل حلها وتسييسها من قبل السلطة ويبلغ تعداد سكان الإقليم 6.6 ملايين نسمة أي 22% من سكان السودان ويساهم في الدخل القومي بأكثر من 25% خاصة صادرات الثروة الحيوانية والحبوب الزيتية.

وتعيش في دارفور أكثر من مئة قبيلة رئيسية من أشهرها الفور التي سميت المنطقة بها وهناك قبائل أخرى عديدة منها الرزيقات وهى قبيلة عربية والتي تنقسم إلى رزيقات بقارة وتعيش في جنوب الإقليم منطقة الضعين ورزيقات "أبالة" رعاة الإبل وهذا الفرع الذي ينسب إليه "الجنجويد" ومن القبائل أيضا الزغاوة والتنجر والميدوب والزيادية والبرتى والمساليت والتامة والفلاتة والقمر والمعاليا وبنو هلبة والتعايشة والسلامات وتتداخل جميع القبائل وتتزاوج مع بعضها البعض.

صراع المكونات


"
لم تكن مشكلة دارفور وليدة اليوم بل هي حصيلة لنزاعات وتراكمات ورواسب ساهمت فيها الأوضاع السياسية والنخبة الحاكمة في السودان منذ الاستقلال وظلت هذه الأزمة مكتومة ولم تسلط عليها الأضواء

"
وأغلب قبائل دارفور مشتركة مع تشاد وليبيا وجمهورية وسط أفريقيا وقد أدت ظاهرة الجفاف والتصحر إلى هجرات جماعية للقبائل المختلفة من الشمال إلى الجنوب أو المدن الرئيسية ومن أهم القبائل التي هاجرت للجنوب الزغاوة -وهى قبيلة تمارس الرعي- وبعد استقرار أفرادها جنوبا مارسوا الزراعة والتجارة وأصبحت أغنى قبيلة بدارفور والسودان وتوزع أبناء الزغاوة الذين استفادوا من الهجرة إلى ليبيا في السبعينيات والثمانينيات في جميع أنحاء السودان يمارسون مهنة التجارة. والمعروف أن كل قبائل دارفور تملك أراضي خاصة بها حتى القبائل العربية الرعوية ولذلك سميت بعض المناطق في دارفور بأسماء القبائل مثل دار الزغاوة. دار الميدوب دار الرزيقات وغيرها وتسمى الأراضي الخاصة بالقبائل من رعاة الإبل بـ" الدمر" حيث يستقرون فيها خلال فترة الصيف.

وأدت الهجرات بسبب الجفاف والتصحر والبحث عن مراع وأراض زراعية خصبة جديدة إلى احتكاك مع القبائل المحلية ودخلت القبائل في صراعات محلية وشملت الصراعات بين القبائل العربية في ما بينها مثلما حدث بين قبيلتي بني هلبة والمهرية في منطقة عد الفرسان عام 1984، والصراع بين القمر والفلاتة عام 1987.

بيد أن هذه الصراعات القبلية تطورت بتحالف بعض القبائل العربية ضد الفور في مناطق جبل مرة ووادي صالح بعد الانفلات الأمني عام 1986 حيث انتظمت هذه القبائل فيما سمي بـ(التجمع العربي) والذي أنشئ في بداية الثمانينيات عندما كان أحمد إبراهيم دريج -وهو من الفور- يتولى منصب حاكم الإقليم ليكون كيانا سياسيا سريا هدفه السيطرة على جميع أراضى دارفور وطرد جميع القبائل غير العربية من المنطقة، ونتج عن هذا الكيان تنظيم سري أخر عرف بتنظيم (قريش) وهدفه تجميع القبائل العربية بدارفور وكردفان وفق برنامج ممرحل لحكم السودان ومنافسة قبائل الشمال التي استأثرت بالحكم منذ الاستقلال.

وفى مواجهة التجمع العربي الذي كان يجد الدعم من السلطات الرسمية في الخرطوم إبان حكومة الصادق المهدي حاول الفور إحياء حركة "سونى" التي أسست كمنظمة عسكرية سرية عام 1965 وكذراع لنهضة دارفور التي كانت تضم جميع مثقفي المنطقة بالخرطوم بيد أن الفور فشلوا في إحياء التنظيم بسبب عدم خبرتهم العسكرية وتضييق القبائل العربية والحكومة عليهم.

مشكلة دارفور أو الأزمة الإنسانية التي تبارت الدول والمنظمات على إظهارها باعتبارها أسوأ كارثة إنسانية يشهدها العالم في الفترة الأخيرة لم تكن وليدة اليوم ولم تكن أيضا وليدة الأحداث الطارئة في السنوات الأخيرة وإنما هي حصيلة لنزاعات وتراكمات ورواسب ساهمت فيها الأوضاع السياسية والنخبة الحاكمة في السودان منذ الاستقلال.

وظلت هذه الأزمة مكتومة ولم تسلط عليها الأضواء رغم تحذير بعض المراقبين من أن هناك نارا تحت الرماد قد تشتعل في أي لحظة، خاصة أن المنطقة لم تشهد وجود مشاريع تنموية وحتى المشاريع التي أنشئت مثل مشروع غرب السافنا ومشروع تنمية جبل مرة ومشروع أبحاث غزالة التي جاوزت تحسين الماشية بالضعفين قد تم تصفيتها.

كما تعاني المنطقة من الفاقد التربوي الكبير للتلاميذ بسبب نقص المدارس وانتشار السلاح وتفشي الجهل وتدني الخدمات الصحية حيث لا يوجد بها إلا ثلاث مستشفيات كبيرة في نيالا أو الفاشر والجنينة وحتى هذه المستشفيات تعاني من نقص الأطباء. وقد سببت التنمية غير المتوازنة وتدني البنيات التحتية بدارفور إلى هجرة أعداد كبيرة من أبناء الإقليم للعمل في وسط السودان في المشاريع الزراعية.

وقد ساهمت كل هذه العوامل في استفحال الأمر والذي تحول من غبن محلي ونزوح داخلي إلى تمرد مسلح ضد الحكومة له أهداف سياسية وارتباطات خارجية وقد ساعدت ذلك سياسات الحكومة المركزية في الخرطوم التي ظلت تنظر إلى دارفور على أنها منطقة مرشحة للتمرد بعد ثورة داود بولاد القيادي في الجبهة الإسلامية القومية الذي انضم للحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة جون قرنق في بداية التسعينيات بسبب موقف قادة الجبهة من الصراع القبلي بين قبيلته الفور وبعض المجموعات العربية.

وقاد مجموعة من مقاتلي الحركة في نوفمبر/تشرين الثاني عام 1991 بهدف السيطرة على منطقة جبل مرة لإعلان انضمام الفور للتمرد. إلا أن الحكومة استنفرت جميع القبائل وخاصة العربية التي استطاعت القضاء على قواته وألقي القبض عليه وأعدم رميا بالرصاص بمحاكمة سريعة وسرية.

وبعد مقتل بولاد بدأ الفور في وضع الترتيبات اللازمة لإنشاء كيان عسكري بدلا من المليشيات غير المنظمة وأجروا اتصالات مع الحركة الشعبية لتحرير السودان بزعامة جون قرنق كما أجروا اتصالات مع قياداتهم السياسية في الخارج وعلى رأسهم أحمد إبراهيم دريج حاكم إقليم دارفور السابق ورئيس الحزب الفدرالي.

الشرارة الأولى للنزاع الأخير

الصادق المهدي

يرى العديد من أبناء دارفور أن الشرارة لهذا النزاع الأخير قد انطلقت عام 1986 في عهد حكومة رئيس الوزراء السابق الصادق المهدي حينما تجمعت بعض القبائل العربية تحت مسمى التجمع العربي بدعم من حزب الأمة في مواجهة قبيلة الفور التي يدعمها الحزب الاتحادي الديمقراطي الشريك في الائتلاف الحكومي.

وقد ظهر هذا الصراع في الحرب الأهلية بين الفور وبعض القبائل العربية في مناطق جبل مرة وجنوب وغرب دارفور والتي راح ضحيتها أكثر من 15 ألف مواطن وبلغت خسائرها أكثر من عشرين مليون دولار.

وقد استطاعت حكومة الإنقاذ إجبار الطرفين للتوصل إلى اتفاقية صلح قبلي هش في أيامها الأولى إلا أن الصراعات القبلية تواصلت بعد عام 1993 في مختلف مناطق دارفور الشمالية والغربية بين القبائل العربية والأفريقية خاصة قبائل الفور والمساليت والزغاوة.

ولعبت العوامل السياسية دورا مهما في إذكاء هذه الصراعات التي كانت في الأساس صراعا على المرعى والماء وساهمت الحكومة المركزية في تأجيجها بعد تطبيق سياسة تقسيم الولايات بإنشاء إدارات أهلية جديدة للقبائل الرعوية في أراضى القبائل المستقرة علما بأن أغلب هذه القبائل وافدة من تشاد وألغت الحكومة بمقتضى ذلك الإدارات الأهلية القديمة.

ونتيجة لذلك اندلع الصراع المسلح بين قبيلة المساليت الأفريقية وبعض القبائل العربية، وشهدت المنطقة نتيجة لهذه التحولات إحراقا للقرى وتشريدا للمواطنين.

بيد أن الصراع لم يتطور إلى صراع سياسي عسكري وتمرد مسلح إلا بعد قيام مجموعة مسلحة من أبناء الفور -الذين تحالفوا مع الزغاوة- باحتلال مدينة قولو عاصمة محافظة جبل مرة بغرب دارفور في 19 يوليو/تموز 2002 حيث تم لأول مرة إعلان الحركة المسلحة وتوزيع منشورات سياسية باسم جيش تحرير دارفور وحددت أهداف الحركة الجديدة في تحرير الإقليم من سيطرة الشماليين بحجة مساهمتهم في تردي الخدمات وتهميش المنطقة.

وفي عام 2003 تحولت دارفور إلى منطقة عمليات عسكرية تماما لمواجهة التحالف الجديد خاصة وأن الحكومة بدأت في التنبه لخطورة الادعاءات التي بدأت تنشر من أن مسلحي الزغاوة يسعون لإقامة "دولة الزغاوة الكبرى" والتي تضم دارفور وتشاد وأجزاء من ليبيا والنيجر.

وقد استفاد التجمع العربي من هذا الادعاء في التقرب من الحكومة والتنسيق معها لمواجهة التهديد الأمني الجديد وقد تزامن ذلك مع انضمام أعداد كبيرة من أبناء الزغاوة من الإسلاميين إلى الحركة المسلحة التي غيرت اسمها إلى "حركة تحرير السودان" وإلى حركة العدالة والمساواة التي أسسها القيادي الإسلامي السابق الدكتور خليل إبراهيم.

وأصبحت للحركتين قوات منظمة حيث تملك الحركة الشعبية أكثر من 16 ألف جندي فيما تملك حركة العدالة حوالي تسعة آلاف، كما أصبح لهما برنامج وخطاب سياسي يطالب بتحقيق المساواة في السلطة والثروة لجميع أبناء المناطق المهمشة في السودان.


"
تحولت مليشيات الجنجويد من أداة لقتال المتمردين كما أرادت الحكومة إلى أداة هدم ضد المواطنين العزل

"

الاستنفار الشعبي والتنسيق بين الحكومة وبعض القبائل العربية بشمال وغرب دارفور -التي لها نفوذ على مستوى الحكومة المركزية بالخرطوم- لم يتم بصورة واضحة إلا بعد أحداث الفاشر في أبريل/نيسان 2003 عندما استطاع المتمردون تدمير ست طائرات عسكرية في مطار المدينة واختطاف قائد عسكري برتبة لواء.

وأدت هذه الأحداث إلى لفت انتباه العالم والرأي العام المحلي داخل السودان الذي ربما لم يسمع من قبل بالتمرد المسلح. رغم أن المتمردين كانوا قد سيطروا على مناطق جبل مرة وأجزاء واسعة من مناطق الزغاوة في شمال الإقليم على الحدود الشمالية الغربية مع تشاد وليبيا وأدت العملية محليا إلى عدة نتائج سلبية حيث أوقفت الحكومة المفاوضات التي كان يجريها والي شمال دارفور الفريق إبراهيم سليمان لحل القضية سلميا بالاستجابة للمطالب الشعبية.

وبدأت الحكومة في التعبئة لسحق التمرد عسكريا واستنفرت القبائل المختلفة لمواجهة تطورات الأحداث التي كانت تصفها قبل ذلك بعمليات قطاع الطرق والنهب واستفادت من مليشيات القبائل العربية في منطقة جبل مرة والتي كانت تقاتل الفور والزغاوة تحت اسم "الجنجويد". واعترفت بها رسميا -حسب ما تقول المعارضة في دارفور- كقوات دفاع شعبي يتم معاملتها كقوات نظامية كما استفادت من الوجود المسلح لبعض العناصر الأجنبية التي دخلت السودان عبر الحدود مع ليبيا ووصلت إلى مناطق وادي صالح بغرب دارفور وأغلبها من العناصر العربية التي كانت تستهدف تشاد في الأساس.

وتكاتفت القبائل العربية بشمال وغرب دارفور بعد أن وفرت لها الحكومة السلاح والأموال -حسب مصادر المعارضة- وظهر ما يعرف بمليشيات الجنجويد التي تحولت من مجموعة صغيرة كانت تحارب في مناطق جبل مرة للاستحواذ على نفوذ محلي إلى مليشيات منظمة ومدربة تحت سيطرة الجيش السوداني تملك أسلحة حديثة وانتشرت في كل مناطق الإقليم الشمالي والغربي. ولجوء الحكومة لمليشيات "الجنجويد" كذراع عسكري للقتال في دارفور تم لعدة اعتبارات منها أنه لا يمكنها استنفار الدفاع الشعبي لاعتبار ديني حيث أن الدفاع الشعبي هدفها جهادي.

فرقة من الجنجويد
وقد تحولت مليشيات الجنجويد من أداة لقتال المتمردين إلي أداة هدم ضد المواطنين العزل واستغلت الأوضاع لصالحها وقد ترتب علي عملياتها الوضع المأساوي الذي تعيشه دارفور حاليا والتي لم تعرفه عبر تاريخها الطويل حيث لأول مرة يهاجر السودانيون إلى تشاد بدلا من استقبال السودان للاجئين التشاديين كما هو معروف عادة.

وقد وجهت الحكومة والجنجويد عملياتهما -كما تقول المعارضة- ضد المواطنين المدنيين وتسببت هذه العمليات في نزوح أكثر من مليون مواطن من قراهم منهم حوالي مئتي ألف هربوا إلى تشاد وتأثر أكثر من مليونين آخرين وقتل أكثر من خمسين ألف مواطن وتم حرق أكثر من ثلاثة آلاف قرية ومدينة في ولايات دارفور الثلاث ومن أشهرها قرى كورما وطويلة القريبتان من الفاشر.

كما تسببت في خلخلة مجتمع دارفور المتماسك والمتسامح وانتشر السلاح وسط القبائل التي سعت لحماية أفرادها وتسببت عمليات الجنجويد العشوائية في جعل جميع سكان دارفور من القبائل غير المتورطة معها رصيدا لصالح المتمردين وبالتالي هدفا للغارات الجوية من الطيران العسكري الحكومي والجنجويد. وسحبت الحكومة تواجدها العسكري خارج المدن الرئيسية بدارفور مما منح الجنجويد والمتمردين فرصة لاستهداف الآمنين.

وقد مارس المتمردون أيضا عمليات البطش والتعذيب ضد المواطنين المعارضين لهم من هذه القبائل الأفريقية وشكل المتمردون محاكم إيجازية لمحاكمة المواطنين وفرضوا ضرائب وإتاوات عليهم واختطفوا زعماء القبائل وموظفين حكوميين وسيارات المواطنين وبذلك أصبح مواطنو القرى في دارفور هدفا لعمليات الجنجويد والمتمردين معا.

وعلى الرغم من محاولات الحكومة إنكار علاقاتها بالجنجويد فإن كل القرائن -حسب أوساط المعارضة- تدل على وجود هذه العلاقة والتنسيق بل إن الجنجويد في نظر مواطني دارفور الوليد الشرعي لحكومة الإنقاذ التي استفادت من حرب قبلية بسيطة كان يمكن حلها إلى إنشاء كيان عسكري أدى إلى خلخلة النسيج الاجتماعي لسكان دارفور.

ورغم أن الجنجويد تتكون في الغالب من القبائل العربية فإن القبائل العربية الكبرى بجنوب دارفور مثل الرزيقات وبني هلبة والهبانية والتعايشة والمعاليا لم تشارك فيها حيث أن أغلب المشاركين من القبائل العربية بشمال وغرب دارفور من رعاة الإبل الذين فقدوا مواشيهم بسبب الجفاف والتصحر وانضمت إليهم المجموعات المهاجرة من تشاد التي لها أطماع استيطانية في دارفور بسبب فقدانها أراضيها في تشاد.

ولا يمكن بأي حال من الأحوال اعتبار الصراع في دارفور وعمليات الجنجويد صراعا بين الرعاة والمزارعين بسبب شح الموارد الطبيعية لعامل الجفاف والتصحر لأن هذه العمليات وإن كانت تتم برعاية الحكومة فإن لها أهدافا خفية تتمثل في طرد القبائل الأفريقية المستقرة من أراضيها وسلبها مواشيها وممتلكاتها، ورغم إصرار الحكومة على نفي ذلك فإن الدلائل تدحض ذلك حيث أنه يصعب تصنيف القبائل طبقا لادعاءات الحكومة من حيث الرعاة والمزارعون.

ذلك أن الزغاوة -التي تقاتلها الحكومة ومليشيات الجنجويد- قبيلة رعوية ولا تمارس الزراعة إلا في حدود ضيقة وهى أغنى قبيلة من حيث تربية الإبل والضأن على مستوى دارفور. كما أن قبيلة الميدوب أيضا تعد من القبائل الرعوية ودخلت في صراع مع الجنجويد والحكومة فيما لا تملك بعض القبائل العربية التي انضمت للجنجويد أي أنواع من الماشية بل حرفتها الأساسية هي الزراعة ولها أراض ومستقرة فيها منذ القدم.

وأصبحت دارفور بسبب التمرد وعمليات الجنجويد منطقة طاردة للسكان وقد تركت هذه العمليات أوضاعا سلبية على الوضع الاقتصادي وهجر المواطنون المدن ومن أشهرها مدينة مليط التجارية الحدودية مع ليبيا والتي أصبحت تعاني أوضاعا مأساوية بسبب إغلاق الطريق البري فهاجر أغلب سكانها للخرطوم وجنوب دارفور.

وهناك اتهامات موجهة ضد الحكومة بعدم الجدية في القضايا المتعلقة بالمنطقة خاصة وأنها لم تنفذ في السابق مقررات وتوصيات أكثر من 15 مؤتمرا أمنيا وقبليا ناقشت وأوصت بمعالجة قضايا دارفور. ويرى البعض أن تكليف الشرطة للقيام بمهام نزع أسلحة الجنجويد محاولة للتهرب من الواقع باعتبار الشرطة كانت قد فشلت في السابق في التعامل مع قضية النهب المسلح، فكيف لها أن تتعامل مع مليشيات عسكرية مدربة تملك سلاحا أقوى من سلاحها؟

ويرى العديد من أبناء دارفور أن ما يجري في المنطقة حاليا يمثل نتاجا طبيعيا لسياسة الشمال تجاه الغرب الكبير "دارفور وكردفان" وهى سياسة تقوم على عدم الاستقرار في المنطقة بجعل القبائل المختلفة تقاتل بعضها بعضا حتى لا يتحد سكان المنطقة الذين يبلغ عددهم أكثر من نصف عدد سكان السودان الشمالي، إذا تم استثناء الشرق والجنوب وجنوب النيل الأزرق.

ويرى هؤلاء أن الإنقاذ بدأت في تنفيذ هذه السياسة بعدما وقف أبناء غرب السودان مع الشفيع أحمد محمد الأمين العام الأسبق للمؤتمر الوطني الذي ترشح ضد الدكتور غازي صلاح الدين عام 1996 لتولي منصب الأمانة فيما وقف جميع أبناء الشمال والوسط معه وكان هذا بداية الشرارة في بروز عدم الثقة من جديد بين أبناء الغرب وخاصة أبناء دارفور وأبناء الشمال والوسط حيث بدأت الحكومة في محاربتهم اقتصاديا وبدأ الحديث يدور عن سيطرة أبناء الغرب وخاصة الزغاوة اقتصاديا على السودان من خلال سيطرتهم على أشهر سوق شعبي في العاصمة السودانية "سوق ليبيا" بأم درمان.

هناك أيضا آراء أخرى تقول إن حكومة الإنقاذ تريد من عملياتها هذه معاقبة الدار فوريين بسبب موقفهم من الجبهة الإسلامية القومية عام 1985 عندما كانت تعول عليهم كثيرا في الانتخابات البرلمانية ووضعت كل ثقلها في دارفور إلا أنها لم تحصل سوى على نائبين من بين 38 نائبا حصل عليهم حزب الأمة بقيادة الصادق المهدي وحتى النائبان انشقا عليها وانضما للحزب الاتحادي الديمقراطي بقيادة محمد عثمان الميرغني ويعزز هذا الموقف انشقاق يحيى داود بولاد الذي كان رئيسا للجبهة بجنوب دارفور وانضمامه للحركة الشعبية لتحرير السودان.

ويشكو العديد من مواطني غرب السودان عموما ودارفور على وجه الخصوص من تعرضهم للتمييز السلبي من سكان وسط وشمال السودان وذلك رغم اشتراكهم في الإسلام، كما أن هناك توترا في العلاقات وعدم ثقة بين الطرفين بسبب مظاهر التعالي العرقي والثقافي حيث أن أغلب سكان الشمال والوسط ينظرون بالدونية لسكان الغرب وسكان دارفور على وجه الخصوص.

حسن الترابي

وتقليديا يعد إقليم دارفور مواليا لحزب الأمة وذلك لانتماء الغالبية من أهله لطائفة الأنصار التي تقودها أسرة المهدي.

وقد كان الإقليم يمثل منطقة مغلقة لنفوذ ذلك الحزب حتى الآن رغم محاولات اختراقه من القوى الحديثة المحلية والأحزاب العقائدية خاصة الجبهة الإسلامية القومية التي ركزت في دعايتها على إهمال الحكومات المركزية وقيادة حزب الأمة لقضايا تطوير الإقليم.

ونجحت الحركة الإسلامية في تحقيق اختراقات واضحة خاصة وسط الشباب والمتعلمين من خريجي الجامعات حيث يلاحظ أن أغلب رؤساء الاتحادات الطلابية بالجامعات على مدى السنوات من دارفور.

ولكن انشقاق الحركة الإسلامية السودانية إلى فريقين بقيادة الدكتور حسن الترابي والفريق عمر البشير أثر تأثيرا كبيرا على أبناء دارفور حيث انضم أغلبهم إلى الترابي واستغلت الحكومة ذلك واتهمت المتمردين خاصة حركة العدالة والمساواة بأنها موالية للمؤتمر الشعبي الذي أسسه الترابي بعد الانشقاق واتهم الشعبي بدعم المتمردين حتى أن إعادة اعتقال الدكتور الترابي مؤخرا جاء في إطار هذه الاتهامات.

ماذا بعد ؟

كوفي عنان مع بعض لاجئي دارفور

ونتيجة لتطورات الأوضاع وتفاقهما بعد لجوء أكثر من مئتي ألف سوداني إلى تشاد اضطرت الحكومة تحت الضغط العالمي خاصة من جانب الولايات المتحدة والدول الغربية إلى الاعتراف بحجم المشكلة وطالبت المجتمع الدولي بتقديم الدعم الإغاثي للاجئين والنازحين ولكنها لم تعترف بأسباب نزوحهم.

وأصبحت دارفور محط أنظار العالم حيث زارها أكثر من 21 وفدا دوليا في فترة قصيرة على رأسهم وزير الخارجية الأميركي كولن باول والأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان ورغم الضغوط الدولية والتهديد بفرض عقوبات على الحكومة فإنه لا يلوح في الأفق ما يشير إلى نهاية قريبة لمأساة النازحين واللاجئين في دارفور.

وأن الوضع الأمني وتخوف النازحين واللاجئين من العودة لقراهم المحترقة والمسلوبة لا يزال يشكل تهديدا، وأن محادثات السلام بين الحكومة وحركتي التمرد لا تزال متعثرة، وأن فداحة المأساة واضحة والأكثر أهمية للمجتمع الدولي الآن هو توفير الغذاء والدواء للنازحين والذي يتطلب توفير التمويل كما يتطلب توفر الأمن الذي يكمن في وقف ناشط الجنجويد والذي لا يتم إلا بممارسة المزيد من الضغط على الحكومة السودانية.

رغم التهديد من قبل الدول الغربية بالتدخل في السودان فإن ذلك غير وارد حاليا وأن أي تدخل خارجي سيكون أفريقيا في المرحلة الأولى وأن الدور الغربي يبقى فقط في توفير التمويل للقوات التي يرسلها الاتحاد الأفريقي للمنطقة وأن هناك أحاديث لم تتبلور بعد حول مشاركة الحركة الشعبية لتحرير السودان بزعامة جون قرنق بقوات لحفظ السلام في المنطقة، وأن الدول الغربية قد تكون لديها خطط مستقبلية إذا فشل الاتحاد الأفريقي تقوم على إنشاء مناطق آمنة يمنع فيها وجود عسكري حكومي لحماية النازحين.

وتقود واشنطن الضغوط الدولية ضد الحكومة السودانية ونجحت في نقل الملف السوداني إلى مجلس الأمن وتدخل واشنطن في قضية دارفور ليس جديد حيث أنها تدخلت مرتين من قبل عام 1973 و1985 لإغاثة آلاف الجوعى من المجاعة بالمنطقة عبر جسور جوية مباشرة لنقل الغذاء وحتى بات المواطن العادي في دارفور يعرف عن أميركا وأياديها البيضاء أكثر مما يعرف عن حكوماته المختلفة التي تخلت عنه إبان المحنتين والجديد في التدخل الأميركي هو طرح شعارات حماية المواطنين من حكومتهم التي استخدمت مليشيات الجنجويد ضدهم ولذلك كان اللجوء لمجلس الأمن لإصدار قرار دولي ضد الخرطوم.

ويرى العديد من المراقبين أن التهديدات الأميركية الموجهة ضد السودان بشأن أزمة دارفور جدية وأن وراءها أهدافا أخرى تتمثل في أن واشنطن التي سعت ونجحت في تحقيق انفراج في قضية جنوب السودان لا تجد ملفا آخر يهدد بنسف الاستقرار في السودان خاصة وأنها حددت موعدا لتوقيع الاتفاق النهائي بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان قبل الانتخابات الرئاسية، وأن مشكلة دارفور تعرقل هذه المساعي وتبدد فرص الرئيس الذي يسعى للنجاح في السودان من خلال قضية الجنوب.

كما أن واشنطن أيضا تشعر بعقدة ذنب من مجزرة رواندا وأنها لا تريد تكرارها في السودان وأن الإدارة الأميركية تنظر للسودان باعتباره من الدول المارقة والتي يجب محاسبتها ولذلك لا تزال تفرض عليه العقوبات وتضعه في قائمة الدول الراعية للإرهاب.

ويأتي التهديد أيضا في ظل الإستراتيجية الأميركية لمنطقة شرق أفريقيا والذي يمثل السودان جزءا منها حيث تسعى واشنطن لخلق بؤرة استقرار أمني في المنطقة من خلال تشكيل قيادة عسكرية لمراقبة الإرهابيين، كما أن واشنطن لها أهداف أخرى تتمثل في وجود النفط في السودان وتشاد والذي يتطلب الاستقرار لدخول الشركات الأميركية.

ولكل هذه الأسباب فإن التهديدات الأميركية جدية ويجب على الحكومة السودانية أن تواجهها بمزيد من الإجراءات لكسب الثقة خاصة وأن واشنطن وضعت قائمة من المسؤولين الحكوميين تطالب بمحاكمتهم بتهمة دعم الإرهاب وأن قائمتها الخاصة بقادة الجنجويد جزء من توجه أميركي عام تجاه الحكومة السودانية وأن المجتمع الدولي لن يستطيع منع التوجه الأميركي والذي يتم عبر مجلس الأمن.

لقد تدخل الأفارقة في القضية بتبني الوساطة التشادية التي تصر الحكومة السودانية على اعتبارها الأساس لعدة اعتبارات، منها أنها تستطيع الضغط على تشاد باعتبار أن التهديد الأمني للحكومة التشادية دائما يأتي من السودان عبر دارفور وأن تشاد تعتمد اقتصاديا على السودان عبر بوابة بور سودان لنقل وارداتها ولقد استغل المتمردون ضعف الموقف التشادي كذريعة لعدم حضور المفاوضات.

وقد أدى الموقف من قضية دارفور إلى تمرد داخلي في صفوف النخبة الحاكمة بتشاد وإخماد محاولة انقلاب ضد إدريس دبي قالت بعض أجهزة المخابرات الغربية إن اثنين من إخوته غير الأشقاء متورطان فيها وهما تيمان دبي ذو النفوذ الديني الواسع ودوسة دبي باعتبار أن الحكومة التشادية تخلت عن الزغاوة. وقالت بعض التقارير الغربية أن أكثر من 150 من ضباط الجيش التشادي قد التحقوا بأقربائهم المتمردين في السودان كما أن الجيش التشادي يمد المتمردين بانتظام بالسلاح والمؤن.

والأمر بالنسبة للحكومة السودانية هو السباق مع الزمن لتأكيد فرض هيبتها على دارفور وتفادي العقوبات الدولية وفقا لقرار مجلس الأمن الذي أمهلها شهرا لإثبات جديتها وأن ذلك لا يتم إلا من خلال التواجد العسكري الرسمي المكثف في جميع المناطق لطمأنة المواطنين المحليين الذين نزحوا من مناطقهم مع العلم بأن تنفيذ هذه الالتزامات مرتبط أيضا بتحالفاتها مع الجنجويد ومن الصعب عليها التخلي عنهم.

ولذلك لجأت الحكومة إلى خيار دمجهم في الشرطة أو القوات النظامية الأخرى رغم معارضة منظمات حقوق الإنسان والمواطنين. وأنها بدلا من السعي الجاد لحل القضية لجأت لأسلوب التعبئة والاستنفار واتهام الغرب وإسرائيل باستهداف السودان والإسلام من خلال التدخل في دارفور.

وخلاصة القول إن الأمم المتحدة لا تريد تكرار مأساة رواندا من جديد في دارفور، وإن الضغوط على الحكومة السودانية ستزداد ضراوة في الفترة القادمة بعد تصعيد القضية من قبل واشنطن في مجلس الأمن، الأمر الذي سيؤدي حتما لإرسال قوات دولية، وإن طلائع القوات الأفريقية التي قرر الاتحاد الأفريقي إرسالها لدارفور ستكون نواة لهذه القوات إذا لم تلتزم الحكومة السودانية بتنفيذ التزاماتها وفقا لمطالب المجلس والدول الغربية المانحة للعون، وبالتالي ستكون دارفور بوابة للتدخل في الشأن السوداني بتفريط حكومي.
_______________
كاتب وصحفي سوداني