1- تكريس الاحتلال:
دخل العراق في نفق جديد هو نفق الاحتلال المباشر بعدما كان في نفق الحصار لفترة زادت على عقد من الزمان، لكن نفق الاحتلال سيطول وسيستمر الاحتلال المباشر أو غير المباشر لفترة أطول بكثير، حيث يرتبط ذلك بتحقيق الأهداف الإستراتيجية الأميركية في العراق والمنطقة. هذا طبعاَ في حال ثبات العوامل السياسية وهو أمر لا يمكن ضمانه، فالمتغيرات الوطنية والقومية والإقليمية وحتى الدولية كثيرة ولا يمكن الاطمئنان إلى ثبات الحال فهو من المحال. وهذا يعطي قوة لرأي المتفائلين الذين يعتقدون سرعة رحيل الاحتلال وتحرير العراق خلال فترة قد لا تطول كثيرا. فمن يدري كيف ستكون نتائج انتخابات الرئاسة الأميركية، وكيف ستكون حال المقاومة العراقية والشعب العراقي ومنطقة الشرق الأوسط ومواقف روسيا وأوروبا والصين؟ ومن يدري إن كان هناك دول أخرى، إذ يوجد هناك فسحة للاستقراء والاستنباط والاحتمالات المستقبلية رغم وجود ثوابت غير مستقرة، وهذه هي حال السياسة غير المستقرة الثوابت فكل شيء فيها تقريبا نسبي.

فإذا كان الاحتلال الأميركي البريطاني حقيقة قائمة، وإذا كانت أهداف الاحتلال لم تتبلور بعد ولم تتضح أبعاده القطرية والإقليمية، وإذا كانت حسابات الاحتلال غير صحيحة وخاصة لمرحلة ما بعد الصفحة العسكرية، ومنها احتمالات بروز المقاومة غير المحسوبة بدقة وكذلك موقف الشعب العراقي عموما والموقف الشعبي العربي أو المواقف غير المتجذرة للدول العربية ودول الإقليم، فإن الواقع القائم يفرض نفسه لأغراض التحليل الموضوعي.

فبالإضافة إلى سيطرة القوات العسكرية الأجنبية على كل التراب العراقي، هناك السلطة المدنية الأميركية يدعمها مدنيون بريطانيون بواقع أكثر من 2000 خبير مدني، هذا دون الإشارة إلى ما يقارب 140 ألفا من القوات العسكرية، تسيطر هي الأخرى على مجمل النشاط الإداري والسياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي وحتى القضائي، بمعنى سيطرة أجنبية مباشرة على جميع مقار وأنشطة وحلقات المجتمع حتى الصغيرة منها.

لذلك علينا ألا ننخدع بما تم إنشاؤه من مؤسسات "سيادية" واجهية "كمجلس حكم" أو "وزراء" ولكن من دون مجلس وزراء، فهؤلاء جميعا ليسوا أكثر من موظفين. خاصة أن "مجلس الحكم" مثلا الذي سُمي من قبل سلطة الاحتلال لا يستطيع أن يتخذ قرارات، بل أن يرفع توصيات إلى الإدارة المدنية توافق عليها أو لا توافق. كما أن "الوزراء" رغم كل ما قيل عنهم فهم يأتمرون بأمر مستشاريهم الأميركيين، حيث عين لكل "وزير" مستشار أميركي على الأقل يملك الكلمة الأخيرة في كل ما يتعلق بسياسة الوزارة.

علما بأن هناك وزارات مهمة جداً يعتبر ميدان عملها من أهداف الاحتلال الرئيسية كوزارة النفط، فالنفط العراقي كان وسيظل هدفاً رئيسياً من أهداف الاحتلال ولا يعقل أن يترك بيد العراقيين، وكذلك إعمار العراق، فالشركات الأميركية ذات العلاقة باليمين الأميركي الحاكم تنتظر بوجل -إن لم تكن قد بدأت فعلاً- الاستحواذ على عقود النفط وكذلك عقود إعادة الإعمار. ويعد السوق العراقي أحد الأسواق المهمة للصناعة الأميركية ومنتجاتها الزراعية والصناعية.

والحديث عن استقلالية ولو نسبية أمر محل نقاش قدر تعلق الأمر بمجلس الحكم الانتقالي وبمجلس الوزراء، وسيكون الدستور الذي سيصدر في ظل الاحتلال محل رقابة شديدة من جانب الإدارة الأميركية التي تريد أن تجعل من العراق "منارة للديمقراطية يهتدي بها في ظلام المنطقة". كما أن الأشخاص الذين يتحملون المسؤولية اليوم في العراق جاء معظمهم مع القوات الأميركية وتربطهم بالاحتلال روابط خاصة جدا وعلاقات سياسية تفرض عليهم سلوكاً معيناً يأخذ بنظر الاعتبار الأهداف الأميركية في العراق والمنطقة، وهذا الأمر ينطبق على معظمهم أشخاصاً وأحزاباً سياسية.

لذلك سنشهد في المرحلة المقبلة احتمالات تغيير أشخاص ومناصب، لكن من غير المحتمل حدوث تغيير جوهري في العلاقة مع المحتل في ظل بقاء الأمور على حالها. وبانتظار انتخابات حقيقية فإن الإدارة الأميركية ستكون بحاجة إلى بعض الوقت كي تضمن لأصدقائها من العراقيين الذين جاؤوا مع قواتها وقدموا لها خدمات جلية لتسهيل احتلالها -من الذين كانوا يعيشون في الولايات المتحدة وأوروبا وإيران وغيرها من دول العالم- انتخابهم في المرحلة المقبلة، خاصة أن معظمهم قد قضى فترات طويلة تجاوزت عقودا خارج العراق ويحملون جنسيات البلدان التي جاؤوا منها ويعملون فيها، فهم بحاجة إلى تسويق لدى الشعب العراقي الذي لا يعرف معظمهم.

ولكن هذا لا يعني أن جميع هؤلاء، سواء الذين دخلوا مع القوات العسكرية الأميركية البريطانية من الكويت أو الذين حضروا لاحقاً، سوف يستمرون في مساندتهم للاحتلال خاصة بعد أن يكتشفوا أن المحتل جاء ليبقى، وأنه يقوم باتخاذ إجراءات تتنافى مع الأهداف المعلنة وهي تحرير العراق وإشاعة الديمقراطية وحقوق الإنسان وتخليص العراق من النظام السابق، كإهانة العراقيين وإشاعة روح الفوضى واللاأمن وعدم تحقيق الوعود بالرفاهة والعمل وسيادة القانون. فإذا ما استمر الحال على ما هو عليه فستتغير مواقف على مستوى الأشخاص والجمعيات والمجموعات والأحزاب وهو أمر طبيعي جداً في العمل السياسي خاصة في وضع مضطرب كوضع العراق تحت الاحتلال.

2-انتهاء حكم صدام وحزب البعث:
إن من أهداف الاحتلال المعلنة هو تغيير النظام السياسي في العراق ممثلاً بالرئيس السابق وعائلته، وكذلك القضاء على الحزب الذي استخدمه واجهة طوال فترة حكمه. وفي حقيقة الأمر لم يبقَ للنظام السابق كرئيس وحزب ما يسمح للعراقيين بالتمسك به أو الدفاع عنه بعد كل الأخطاء الكبيرة التي وقعت وآخرها تسليم الوطن المحتل من دون مقاومة إلى الأجنبي والاستسلام له حتى لو كان هذا الأمر غير مقصود.

3- وحدة العراق:
يعتبر العراق منذ بداياته الأولى في العصور السومرية والبابلية والآشورية والأكادية وحدة جغرافية وسكانية رغم اختلاف قومياته وأديانه، وقد استمر هذا الواقع في العهد العباسي والعثماني وكذلك الدولة العراقية الحديثة. وبسبب كون العراق منطقة حدودية مع إيران وتركيا إذ إنه يشكل الطرف الشرقي للوطن العربي، فإن امتداداته العرقية قد تتسع لتشمل خليطاً من الشعوب الحدودية، وهكذا فإن العراق متعدد الأعراق والقوميات ففيه العرب والأكراد والتركمان وغيرهم من الأقليات القومية كأعراق ثابتة، وهناك أعراق مختلطة.. هذه الازدواجية أو التعددية لم تؤثر في وحدة الوطن على مر التاريخ رغم وجود أزمات وحروب تركت بصماتها وآثارها على وحدة الشعب والإقليم، وخاصة منذ بداية الحكم الوطني عام 1921.

كما لم تؤثر التعددية الدينية والطائفية في وحدة العراقيين، لكن الطائفية السياسية كانت تلعب دائماً دوراً سلبياً خاصة بسبب التدخلات الأجنبية، فإيران مثلاً كانت تعتبر نفسها مسؤولة عن شيعة العراق رغم رفض شيعة العراق لمثل هذه الوصاية، فقد دافع العراقيون كلهم شيعتهم وسنتهم عن وطنهم في الحرب العراقية الإيرانية بغض النظر عن أسباب الحرب.

وحدة العراق رغم عوامل التوحد التي تستند إليها وتعتبر من الثوابت، فإنها اليوم غدت مهددة بسبب الاحتلال، ويبدو أن نظام الحكم الانتقالي الحالي يقوم على هذا الأساس من خلال نظام الحصص الذي تم اعتماده في تشكيلة مجلس الحكم الانتقالي وتعيين الوزراء. ورغم الرفض الواضح لذلك من بعض أركان "مجلس الحكم" فإن هذا الرفض لم يحجب التقسيمات التي باتت معروفة، فلكل قومية حصة ولكل طائفة حصة، ومن غير المعروف ما إن كان الدستور سيكرسها أم لا.

صحيح أن لبعض دول الجوار الإقليمي والعربي مصلحة آنية ممكنة أو محتملة في تكريس نظام "الحصص" على أساس طائفي أو عرقي، فذلك هو الطريق الوحيد من أجل ألا تقوم للعراق قائمة وفي ذلك مصلحة للجميع عدا العراق، لكن على الأمد البعيد سوف يكون مثل هذا التوجه خطراً على وحدة عدد كبير من بلدان المنطقة العربية وغير العربية عدا البلدان الصغيرة الموحدة التي ترغب في إبعاد المخاطر عنها، فقد ترغب في أن يكون العراق مجزأ إلى دويلات وبما يضعفه إلى الحد الذي لا يعود يشكل فيه خطراً عليها.

إن التأكيد على الفدرالية يعني بالضرورة تكريس تقسيم العراق أو جعله مشروعا دائما للتقسيم حيث يبقى التهديد بالانفصال وسيلة ابتزاز قائمة سواء لتحقيق أهداف سياسية أو اقتصادية على حساب المصلحة الوطنية العليا. إن الحفاظ على الهوية الطائفية والهوية القومية يمكن أن يتم من خلال دستور ديمقراطي وإدارة حديثة تحفظ للجميع خصوصياتهم دون حاجة إلى فدرالية.

فالفدرالية للدولة الموحدة تاريخيا توجه أساسا نحو التقسيم والتجزئة ورهان على المستقبل من أجل ضمان الاستقلال للدويلات التي سيتكون منها الاتحاد الجديد على أنقاض الدولة المركزية السابقة، أما الفدرالية التي تتكون من دول مستقلة فهي مشروع لتوحد جديد في المصالح وتوجه نحو ضمانة للمستقبل لجميع الدويلات في إطار الدولة الجديدة. ولذلك فإن الخيار الفدرالي العراقي هو خيار انفصالي تجزيئي.