مظاهرات في الجزائر

شفيق شقير

تتخذ الحالة الأمازيغية أبعادا متباينة تختلف من بلد إلى آخر وخاصة بلدان المغرب العربي، ولكن يبقى المثال الجزائري هو الأظهر في بعده السياسي.

فقد شقت الأحزاب الأمازيغية في الجزائر طريقها الخاص وصاغت أفكارها الخاصة، فاتشحت بالنزعة اليسارية وبالثقافة الفركفونية، ولعبت دورا اعتراضيا جذريا على النظام الجزائري برمته بما يمثله من بعد لغوي عربي سواء في الثقافة أو الانتماء، وقد يصل الاعتراض إلى المرجعية الدينية نفسها أي الإسلام والذي من المفترض أنه يجمع بين العرب والأمازيغ.

ويمكن الجزم بأن "التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية"، و"جبهة القوى الاشتراكية" إضافة إلى "تنسيقية العروش" هي التشكيلات السياسية الرئيسية التي تمثل "الأمازيغية السياسية" الجزائرية، ولكن لا يعني هذا أنها تمثل كافة الأمازيغ، لأن هناك بعدا أمازيغيا في الأحزاب الأخرى القائمة على أسس وطنية أو دينية، كما أن هناك حضورا أمازيغيا في الدولة وكافة أجهزتها العسكرية والأمنية والسياسية وغيرها.

وهذه القوى الثلاث تجتمع في مطالبتها باللغة الأمازيغية لغة رسمية إلى جانب العربية وعدم الاكتفاء بجعلها لغة وطنية كما هي الحال الآن، كما أنها توجد بكثافة في منطقة القبائل الأمازيغية، وهي تضم ولايتي بجاية وتيزي وزو إضافة إلى أجزاء من ولايات أخرى محاذية (بومرداس، البويرة، السطيف، برج بوعريريج).

مع الإشارة إلى أنها تجتمع مع قوى وطنية أخرى في مطالبها التي تتعلق بالديمقراطية وبناء الدولة الحديثة، ولكنها تتميز في تاريخها السياسي وطبيعة بنائها الثقافي عن غيرها وحتى بعضها عن بعض أحيانا.

جبهة القوى الاشتراكية:

حسين آيت أحمد
أسست عام 1963 على يد حسين آيت أحمد وهو أحد القادة التاريخيين لثورة التحرير الجزائرية، ووقفت في وجه الحزب الحاكم رافضة نظام الحزب الواحد، فحكم على زعيمها آيت أحمد بالإعدام ثم عفي عنه.

 واختار زعيمها آيت أحمد النفي الطوعي الذي استمر من عام 1989 حتى عام 1992، تاريخ خروجه مجددا من الجزائر إلى منفاه الاختياري.

لم يمنع وجود آيت أحمد خارج البلاد -معظم الوقت- الجبهة من تصدر العمل السياسي في منطقة القبائل حيث تعتبر الجبهة أكبر الأحزاب الموجودة في المنطقة.

وحتى على الصعيد الجزائري العام جاء ترتيب الجبهة في الانتخابات التشريعية عام 1991 في المركز الثالث بعد الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وجبهة التحرير الوطني.

ويتبنى الحزب العلمانية ويدعو إلى الاعتراف بالفرنسية والأمازيغية لغتين رسميتين إلى جانب اللغة العربية.

ويتسم نهج زعيمه بالاعتدال بالنسبة إلى بقية الأطراف الموجودة في منطقة القبائل، حيث كان من الذين التحقوا بما عرف بالربيع البربري عام 1988 ولكنه كان يدعو الأمازيغ إلى الهدوء والتعقل. ورفض إيقاف المسيرة الانتخابية عام 1991 رغم فوز الجبهة الإسلامية للإنقاذ بمعظم المقاعد، كما وقف ضد تدخل الجيش في الحياة السياسية.

ويذكر أن الجبهة قاطعت مؤخرا الاستفتاء على "ميثاق السلم والمصالحة الوطنية" الذي أقر بأغلبية كبيرة.

التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية:
يترأسه سعيد سعدي منذ تأسيسه عام 1989، وكان قبل ذلك قد انضم مع آيت أحمد إلى الحركة الثقافية البربرية، ثم أنشأ حزبه الخاص "التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية" والذي  يعتبر نفسه الممثل لطموحات ومطالب الأمازيغ في الجزائر.

يطالب التجمع بإقامة دولة جزائرية علمانية، ودعا عام 1991 إلى وقف الانتخابات التشريعية ووقف في وجه التيار الإسلامي -المعتدل منه والمتشدد- في أحداث الجزائر.

وتقدم رئيس التجمع سعيد سعدي للانتخابات الرئاسية عامي 1995 و2004 ولم يفز في أي منهما، وقاطع حزبه الاستفتاء على ميثاق السلم والمصالحة.

تأخذ بعض الأطراف السياسية على التجمع ارتباطه الوثيق بفرنسا خاصة من الناحية الثقافية، ويأخذون عليه المغالاة في مناهضته للقوى الإسلامية، وأن ممارسته السياسية تخلق تناقضات بين العربية والأمازيغية.

الحكم الذاتي:
ورغم أن التجمع يحتضن الأمازيغية كأيديولوجيا ثقافية له دون العربية، فإنه لا يتبنى أية فكرة انفصالية عن الجزائر، ولكن خرج من رحمه فرحات مهني وهو محترف للغناء القبائلي وناشط بارز تبنى ثقافة الانفصال، أو بالتحديد إقامة حكم ذاتي في منطقة القبائل.

وكان مهني قد نشر عام 1998 مع المفكر الأمازيغي سالم شاكر نصا يدعو إلى إقامة حكم ذاتي برلماني في منطقة القبائل، مطالبا الأمم المتحدة بتنظيم استفتاء لسكان المنطقة بشأن تقرير مصيرهم.

وأسس مهني لاحقا (عام 2001) حركة عرفت باسم "الحركة من أجل الاستقلال الذاتي لمنطقة القبائل الجزائرية". إلا أن هذه الدعوة لم تلق استجابة ذات أهمية في الجزائر وإن شهدت تفاعلا من بعض النخب الأمازيغية في فرنسا.

تنسيقية العروش:

أعمال عنف في الجزائر
السبب المباشر وراء ظهور تنسيقية العروش عام 2001 هو وفاة الشاب قرماح مسينسا في ثكنة للدرك الوطني (قوة تابعة للجيش)، مما أشعل مظاهرات وأعمال عنف متواصلة قادها ممثلو البربر في منطقة القبائل وخاصة في ولايتي بجاية وتيزي وزو.

وتضم التنسيقية ممثلين عن البلديات والدوائر والعشائر (العروش) في منطقة القبائل، واللافت أن بعضهم كان ينتمي للحزبين الرئيسيين في المنطقة حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية وحزب جبهة القوى الاشتراكية اللذين يفترض أنهما يمثلان قضية الأمازيغ، وهو ما يشير إلى أن ظهور التنسيقية كان في العمق يحمل احتجاجا على هذين الحزبين، خاصة أن بعض زعماء التنسيقية لم يتورع عن اتهام الحزبين المذكورين وقادتهما بأنهم أصبحوا من السلطة.

مطالب التنسيقية:
اجتمع أبرز قادة التنسيقية وصاغوا ما عرف "بأرضية القصر" (نسبة إلى البلدية التي حررت بها المطالب) والتي تحمل 14 مطلبا على رأسها هذان المطلبان:

  1. ضرورة رحيل الدرك الوطني عن المنطقة.
  2. الاعتراف باللغة الأمازيغية لغة وطنية ورسمية.

وهناك مطالب تتعلق بفض الاشتباك بين الطرفين السلطة والتنسيقية، مثل الإفراج عن المعتقلين وإيقاف المتابعات القضائية، إضافة إلى بعض الشروط  المتعلقة بالديمقراطية وإحلال العدالة على التراب الجزائري.

وقد تحقق المطلب الأول كليا بينما تحقق المطلب الثاني جزئيا حيث اعترفت السلطة باللغة الأمازيغية لغة وطنية ولكن رفضت الاعتراف بها كلغة رسمية إلى جنب اللغة العربية.

انقسام التنسيقية:
اتهمت بعض الأطراف الجزائرية التنسيقية وحركة "التمرد" التي قادتها بأنها من صنيعة الحزب الاشتراكي للعمال (التشكيل اليساري التروتسكي)، الذي حل بموجب الدستور لعدم استيفائه الشروط القانونية، وأنه وجد في التنسيقية صيغة عمل له.

وبغض النظر عن هذا الاتهام فإن مسار الأحداث من عام 2001 إلى الآن أنهك التنسيقية وجعلها جماعات عدة لكل منها هدفها وأسلوبها الخاص في العمل، خاصة وأنها شعبوية وقليلة التنظيم وتضم أحيانا الشيء ونقيضه، فبمجرد الإعلان عن الحوار انشقت التنسيقية قسمين بارزين:

  1. الطرف الأول هم الذين قادوا حوارا مع السلطة وتزعمهم شاب يدعى سليم عليواش.
  2. الطرف الثاني هم الذين استمروا في معارضتهم للسلطة وتزعمهم بلعيد أبريكا.

وعند مجيء الانتخابات الرئاسية الأخيرة التي فاز فيها الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، انقسمت التنسيقية حيث دعا الناشط في التنسيقية حكيم قاسمي سكان المنطقة إلى التصويت للمرشح الذي يثقون فيه، بينما التزم جناح أبريكا الدعوة إلى مقاطعة الانتخابات.

ويعتبر أبريكا قائدا للجناح المتشدد في التنسيقية، ويعتبره أنصاره الأكثر التزاما بمطالب الأمازيغ في منطقة القبائل، واللافت أن التنسيقية ومنها جناح أبريكا لم تدع الأمازيغ إلى مقاطعة الاستفتاء على السلم والمصالحة، بل تركت لهم الخيار.

وعلى العموم لا يبدو أن الانشقاقات في التنسيقية ستتوقف، فعند كل مفترق سياسي يخرج ناشط بمبادرة فردية دون مراعاة للسياق الواحد الذي تجتمع عليه التنسيقية.
________________
الجزيرة نت

المصادر:
1- أرشيف الجزيرة نت
2- Institut Européen de Recherche sur la Coopération Méditerranéenne et Euro-Arabe
http://www.medea.be/?page=2&lang=fr&doc=73
3- موقع جبهة القوى الاشتراكية
http://www.ffs-dz.com/
4- موقع التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية
http://www.rcd-algerie.org/
5- الخليج الإماراتية، 9 أغسطس/آب 2005، انفصالي جزائري يدعو إلى حكم ذاتي لمنطقة القبائل.
6- صحيفة الحقائق الصادرة في لندن، 12 أكتوبر/تشرين الأول 2005
7- جريدة الشرق الأوسط، 30 سبتمبر/أيلول 2005