قبل هجمات الحادي عشر من سبتمبر /أيلول 2001 شهدت العلاقات العربية الأميركية تقلبات سياسية كالتدخل الانتقائي الاقتصادي والعسكري للولايات المتحدة بمسرح العالم العربي الذي لم يكن قد استفاق من تداعيات حرب الخليج الثانية (أو ما سمي بحرب تحرير الكويت) وفشل المساعي الدبلوماسية التي انطلقت من مؤتمر مدريد بهدف تسوية النزاع العربي الإسرائيلي، وانكشاف حقيقة اتفاق أوسلو بوصفه مناورة إسرائيلية للالتفاف على انتفاضة الشعب الفلسطيني وإقامة سلطة فلسطينية عاجزة وتابعة تؤمن احتياطا أمنيا فلسطينيا لإسرائيل يخفف من تكلفة وأعباء إدارتها المباشرة للاحتلال.
 
 
 

"
تتعرض الحكومات العربية "الصديقة" لأميركا لحملات التشهير والعداء والتحريض من جهات مختلفة تشهر عداءها للعرب وللمسلمين، وزاد ذلك ما تلفظ به الرئيس بوش نفسه بتعبير "الإسلام الفاشي"
"

تميزت حقبة ما قبل هجمات الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول بتلاعب إسرائيلي مسنود أميركيا على مفاوضات المسارين المنفصلين الفلسطيني من جهة والسوري اللبناني من جهة أخرى، باستخدام المناورات حول الإيحاء بإمكانية تقدم مسار على آخر لانتزاع تنازلات من الأطراف العربية... ورغم الحماس المتأخر للرئيس الأميركي السابق كلينتون عشية انتهاء ولايته ورغبته في أن يسجل إنجازا أو اختراقا يدونه في محفظة التاريخ، فإنه اصطدم بالتعنت الإسرائيلي ونفاد الوقت الذي أضاع اليسير والثمين منه في مواجهة كونغرس جمهوري متعطش للإطاحة به على خلفية فضيحة أخلاقية عرفت بفضيحة مونيكا.
 
ورغم بقاء ثوابت السياسة الأميركية في العالم العربي على الأهداف الثلاثة:
  1. تأمين تدفق النفط بأسعار زهيدة
  2. أمن إسرائيل
  3. استقرار أنظمة الحكم العربية الصديقة للولايات المتحدة التي تقدم تسهيلات عسكرية دائمة.
إلا أن وسائل تحقيق هذه الأهداف تنوعت، ومن أبرزها:
  • تكريس التعطيل شبه الكلي لمؤسسات التعاون العربي بما فيها مؤسسة الجامعة العربية
  • تغليب العلاقات الثنائية مع الدول العربية وإبرام الاتفاقات الأمنية والاقتصادية معها دون اعتبار لالتزامات الدول العربية لاتفاقاتها ومعاهداتها المشتركة، وتقديم مغريات إقامة مناطق التجارة الحرة مع الولايات المتحدة بالإضافة إلى الدعم المالي والعسكري، وإبرام صفقات تسليح جديدة
  • إبقاء الحصار على العراق ومحاربة محاولات العراق لكسر الحظر والمقاطعة بالإضافة إلى تعزيز الرقابة والعمليات العسكرية على مناطق الحظر الجوي في الشمال والجنوب.
  • استمرار المقاطعة شبه التامة على بعض الدول العربية العاصية على الطاعة الأميركية والتي تصفها بالراعية للإرهاب مثل سوريا والعراق والسودان إضافة إلى العديد من المنظمات الفلسطينية.
ورغم إقدام تنظيم القاعدة على تنفيذ بعض العمليات العسكرية ضد السفارات أو البوارج الأميركية فإن الإدارة الأميركية لم تكن تضع استهداف تنظيم القاعدة في سلم الأولويات العاجلة، ولكنها حصلت على تعاون أمني واستخباري حول التنظيم من كافة الدول العربية بما فيها الدول التي تضعها على قائمة دعم الإرهاب.
 
حرصت واشنطن في تلك المرحلة على ترويج مقولة الصداقة والشراكة مع بعض الدول العربية المقربة إليها، واستخدمت سياسة الصور التذكارية مع الرئيس الأميركي في المكتب البيضاوي خلال الزيارة السنوية التقليدية لبعض الزعماء العرب كجائزة ترضية لبعض الزعماء العرب الذين تعتمد عليهم في تنفيذ سياستها بالمنطقة، وخاصة زعماء مصر والسعودية والأردن وقطر والمغرب والبحرين والكويت... الخ.
 
إثر هجمات 11 سبتمبر/أيلول تصرفت إدارة بوش الابن مع الدول العربية بما يجانب كل ادعاءات الصداقة والشراكة، خاصة بعد انكشاف هوية الفاعلين وتوجيه الاتهام لعرب معظمهم سعوديون، حيث انتقلت مباشرة إلى إطلاق الاتهامات وتوجيه التهديدات ولم تفرق بين الحكومات الصديقة أو العاصية. وخيّر الرئيس بوش هذه الدول وغيرها إما أن تكون مع الولايات المتحدة أو ستكون في خانة الإرهاب.
 
ومع مرور الذكرى الخامسة على هذه الهجمات لا تزال الحكومات العربية "الصديقة" للولايات المتحدة منشغلة في تنشيط حملات الدفاع عن نفسها أمام السيل المتدفق من حملات التشهير والعداء والتحريض التي تطلقها دون هوادة أجهزة الإعلام الأميركية، ومؤسسات وكتّاب وسياسيون وزعماء دينيون يشهرون عداءهم للعرب وللمسلمين، ولا تساعد الإدارة في تخفيف أو كبح جماح هذه الحملات الظالمة والمغرضة عبر إطلاقها التصريحات المليئة بالشحن السياسي والأيديولوجي وكان آخرها ما تلفظ به الرئيس بوش نفسه بتعبير "الإسلام الفاشي" الذي يروّجه غلاة التشدد اليميني المحافظ والديني في الولايات المتحدة.
 
 
"
بعد خمسة أعوام على الحرب على الإرهاب تصر أميركا على تجاهل الإرادة الشعبية العربية ويساعدها في التمادي تعاون أغلب الحكومات العربية
"
لم يخل خطاب للرئيس بوش الابن من تذكير الشعب الأميركي بأن أميركا في حالة حرب مع الإرهاب، حتى أن البنتاغون بعدما أجهد منظريه في البحث عن توصيف دقيق لطبيعة الحرب المفتوحة التي تشنها الولايات المتحدة في عدة مناطق من العالم العربي والإسلامي، تفتقت العبقرية عن عبارة "الحرب الطويلة".
 
يبدو أن البنتاغون استعار منطق الحروب السابقة التي خاضتها الولايات المتحدة وخاصة الحرب الباردة  التي استغرقت حوالي نصف قرن على الوضع الراهن، ليبرر استمرار الإنفاق العسكري والأمني على هذه الحرب التي لا تهتم هذه الإدارة برسم حدود جغرافية أو زمنية لها.
 
عشية الذكرى الخامسة لهجمات 11 سبتمبر/أيلول تنتشر كالفطر التحذيرات الأمنية والإعلانات المفاجئة للكشف عن خلايا تخطط لأعمال إرهابية بصورة خاصة في بريطانيا وأميركا وبعض الدول الأوروبية، ويبدو أن أجهزة الأمن في العديد من هذه الدول تتخوف من احتمال استغلال هذه الذكرى لتنفيذ هجمات جديدة، وتحاول تحقيق غرضين من هذه الإعلانات والتحذيرات:
  1. تأكيد جهوزيتها ويقظتها كوسيلة رادعة لمن يفكر بشن مثل هذه العمليات.
  2. تبرير الميزانية الضخمة التي تنفقها الدول على أجهزتها الأمنية، عدا التوظيف السياسي في المنافسات الداخلية خاصة من قبل بوش وبلير حيث وصلت شعبيتهما إلى الحضيض.
ولو حاولنا إجراء جردة حساب سريعة على مصير هذه "الحرب الطويلة على الإرهاب" التي شنها الرئيس بوش منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2001 لوجدنا أنها تتعثر في كل المواقع التي حددتها ساحات مفترضة للحرب على الإرهاب، بما فيها العراق الذي شنت الحرب عليه بحجة أسلحة الدمار الشامل المزعومة أصلا.
 
تواجه الولايات المتحدة حرب استنزاف حقيقية في كل الجبهات التي تدخلت عسكريا مباشرة أو غير مباشرة فيها من أفغانستان إلى العراق والصومال والسودان، وأخيرا لبنان الذي انتقل بقدرة قادر من ساحة الحرية و "ثورة الأرز" المدعومة أميركيا إلى جبهة للصراع بين قوى الإرهاب والحرية حسب تصريحات بوش الأخيرة.... كما أن استمرار زعماء القاعدة وخاصة بن لادن والظواهري في تحدي الولايات المتحدة عبر تصريحاتهم المهددة تذكر العالم بأن المتهمين الرئيسيين وراء هذه الهجمات لا يزالان طليقين، أما الفشل الأكثر خطورة والذي لا يتم الحديث عنه فهو العجز حتى الآن عن معرفة من يقف وراء هجمات الجمرة الخبيثة البريدية في الولايات المتحدة.
 
النجاح الوحيد الذي يمكن تسجيله للإدارة الأميركية هو النجاح النسبي لحملة العلاقات العامة والدعاية التي تضخها للشعب الأميركي، لإرعابه عبر التحذيرات الأمنية الموسمية والتي تسهم في التعبئة العنصرية والعدائية ضد العرب والمسلمين الأميركيين.
 
قدمت إدارة بوش إستراتيجيتها في محاربة الإرهاب بعد الحادي عشر من سبتمبر/أيلول بوصفها جزءا عضويا من إستراتيجية كبرى تعتمد الوسائل العسكرية والسياسية والاقتصادية النشطة على المسرح الدولي، بعيدا عن سياسة الاحتواء التي طبعت سياستها تجاه الاتحاد السوفياتي في الحرب الباردة. 
 
وتتعرض هذه الإستراتيجية للانتقادات الشديدة في الداخل والخارج ليس بسبب المستنقع العراقي الذي تتخبط فيه أميركا حاليا بحرب استنزاف مكلفة بشريا وماديا، بل في طبيعة الخطاب السياسي والإعلامي الذي انتهجته منذ البداية، والمتهم بأنه خطاب ترويجي دعائي وتبريري تنقصه الدقة والوضوح في تحديد طبيعة العدو الذي تواجهه. ويؤدي ذلك إلى غموض الأهداف وغياب المقاييس والمعايير للحكم على النجاح والفشل.
 
ولا يقتصر الأمر هنا على غياب تعريف عالمي متفق عليه لموضوع الإرهاب، وتجنب الولايات المتحدة التعامل مع المقترحات المتعددة والمزمنة من أطراف عربية وإسلامية ودولية تدعو إلى أن تتولى الأمم المتحدة التوصل إلى فهم وتعريف موحد يستند العالم إليه في الحكم على المنظمات والأفراد والدول، فيما إذا كانت تمارس الإرهاب أو الدفاع المشروع عن النفس والوطن.
 
ويتساءل المنتقدون في أميركا وخارجها: كيف يمكن فهم أن تعلن الحرب على ظاهرة أو فكرة أو حالة أو ممارسة تطلق عليها صفة الإرهاب دون أن تحدد بدقة هوية من يقف وراءها؟!
 
وبعد خمسة أعوام على هذه الحرب، تصر إدارة بوش على عنادها بتجاهل الإرادة الشعبية العربية التي لا تتفق مع مقاربتها الأمنية والعسكرية ونظرتها للمقاومات الثلاث العراقية والفلسطينية واللبنانية بوصفها إرهابا أو تمردا.  ويساعدها في التمادي التعاون الوثيق الذي تقدمه أغلب الحكومات العربية دون مساءلة أو احتجاج، حتى أن بعضها ترك لها أن تستبيح السيادة الوطنية في مطارداتها العسكرية والأمنية. 
 
ولكن لا يشفع لهذه الحكومات عند واشنطن "خدماتها الجليلة" التي تقدمها على مختلف الصعد السياسية والمالية والأمنية والعسكرية، لدرجة أنه لم تعد منافذ حدودها البرية والبحرية والجوية سوى محطات تشغيل إنذار مبكر للولايات المتحدة الأميركية.
 
 
"
لا يمكن شراء الصداقة من موقع الاسترضاء والضعف، فأميركا قد تصادق العرب مضطرة أو عن قناعة، عندما يخرج العرب من دائرة انعدام الوزن والاستباحة، ويدخلون في دائرة القرار الموحد والإرادة المستقلة المستندة إلى الحد الأدنى من صون الحق والكرامة
"
لقد كشفت تصرفات الولايات المتحدة بعد هجمات 11 سبتمبر /أيلول الغطاء عن حقيقة وطبيعة العلاقات العربية الأميركية بوصفها علاقات ود وحب من طرف واحد (الحكومات العربية) وأزالت أي لبس يكتنفها رغم التكاذب المتبادل أحيانا بإطلاق نعوت الصداقة والشراكة والتحالف.
 
قدمت الحرب الإسرائيلية الأميركية على لبنان مؤخرا دليلا إضافيا وساطعا على الشريك والحليف الإستراتيجي الحقيقي والدائم لأميركا في منطقة العالم العربي هو إسرائيل، ويكفي أن يقدم الطرفان الإسرائيلي والأميركي الذريعة المشتركة بأنهما في معركة واحدة ضد "الإرهاب العربي والإسلامي". وترديد واشنطن الممل والمخزي معا بأن ما تقوم به الآلة الحربية الإسرائيلية من تدمير منظم للبنية التحتية المدنية اللبنانية ومن مجازر ضد المدنيين ليس سوى "حق إسرائيل بالدفاع عن النفس".
 
والحق يقال: قد يطلق بعض المسؤولين الأميركيين العنان أحيانا لعبارات الصداقة والشراكة مع بعض الدول العربية، عندما يكون الأمر مناسبا لحملة العلاقات العامة الضرورية لتبرير الحصول على تسهيلات لوجستية أو عسكرية، أو تعاون أمني، أو لإرسال إشارات لبعض الدول بهدف تعميق الحساسيات والمنافسات بينهما على استرضاء واشنطن.
 
لقد تكيفت معظم الحكومات العربية على المزاج الأميركي الذي يتجاهل المبادرات العربية كما حصل في مؤتمر قمة بيروت عام 2002، رغم أن هذه المبادرة تضمنت بنودا طالما رغبت واشنطن في إلزام الأطراف العربية بها مثل التطبيع الكامل مع إسرائيل.  ويساهم بعض الزعماء العرب في تكريس التجاهل الأميركي عندما يحرصون على كسب الود المنفرد لواشنطن والتركيز على العلاقات الثنائية معها، خلال زياراتهم ولقاءاتهم مع المسؤولين الأميركيين، ويخضعون لقبول استبعاد بحث العلاقات العربية الأميركية في جدول الاجتماعات الرسمي.
 
وتستمر واشنطن في المقابل بسياستها الانتقائية في معالجة ملفاتها وفقا لضرورات مصالحها ومنافعها الخاصة، فتارة تركز على القضايا الثنائية وتارة تتعامل مع العالم العربي ككتلة واحدة ترسل طلباتها وإملاءاتها على شكل الأوامر الجماعية.
 
ولن تستقيم آلية التعامل العربي في شؤون وشجون العلاقات العربية الأميركية مع واشنطن طالما أن الدول العربية مجتمعة عاجزة عن تكريس صيغة الحد الأدنى الملزم لكل طرف عربي، بالتخلي عن أوهام التعامل على أساس المقايضة بالأولويات العربية أو على حسابها لمصلحة العلاقات الثنائية.
 
ومن أغرب الأمور التي راجت الأعوام الأخيرة الاستخدام المفرط لكلمة الشراكة في قاموس التداول السياسي العربي، فأضحت هذه الكلمة عرضة للترديد الببغاوي دون أن ننسى إلحاقها بكلمة "إستراتيجية" لتصبح عبارة "شراكة إستراتيجية" أو حوار إستراتيجي، بمثابة المفتاح السحري، ولكن الواهم لوصف علاقة التبعية مع الإمبراطورية الأميركية المتسلطة.
 
ربما استفاقت بعض الحكومات العربية مؤخرا إلى حقيقة أن مرجعية ما يسمى العملية السلمية المنحصرة في واشنطن لم تقد إلا إلى خارطة أوهام وحملات انتقام وتدمير تارة بالذراع الوكيلة الإسرائيلية وأخرى بالذراع الأصلية الأميركية. ويتوجب البحث عن مرجعية دولية حقيقية قد تبدو ولو شكلا محايدة مثل الأمم المتحدة أو ما يتفق على وصفها "بالشرعية الدولية" و "المجتمع الدولي".
 
وقد يكون من دروس التجربة السابقة للتعاون العربي الرسمي الاقتناع بأن الصداقة ليست بضاعة يمكن شراؤها، فلم تنفع كثيرا في نيل استحقاقها كل حملات العلاقات العامة، عبر الشركات المتخصصة التي تجني مئات الملايين من الدولارات عمولات من الحكومات الطامحة لها.  فهذه الصداقة لم تتحقق أو تنفع في أوقات الشدة رغم مئات المليارات التي أودعها العرب حكومات وأفرادا في دورة الاقتصاد الأميركي على شكل ودائع واستثمارات وأسهم ومشتريات أسلحة ومنتجات، ورغم كل القواعد والتسهيلات الممنوحة لواشنطن، ورغم بيع البترول العربي، السلعة الرئيسية للطاقة في العالم وعصب اقتصاده بأسعار زهيدة...
 
ورغم كل أشكال التعاون في حرب واشنطن على "الإرهاب".... كل هذه الرزمة من المكاسب الأميركية وغيرها لم تكف لشراء صداقة أميركا، إذ لا يمكن شراء الصداقة من موقع الاسترضاء والضعف والالتحاق... قد تصادق أميركا العرب مضطرة أو عن قناعة، عندما يخرج العرب منفردين أو مجتمعين من دائرة انعدام الوزن والاستباحة، ويدخلون في دائرة القرار الموحد والإرادة المستقلة المستندة إلى الحد الأدنى من صون الحق والكرامة، وحتى ذلك الوقت سيبقى حديث الصداقة والشراكة مع أميركا مجرد خداع للنفس وترديد للأوهام أو بحث ساذج في تفسير الأحلام.
_______________