مسيرات خلال الحملة الحملة الانتخابية الرئاسية 2003

بقلم/ عبد الودود ولد الشيخ

تستعد موريتانيا لأن تعيش في 7 نوفمبر/ تشرين الثاني 2003 انتخابات رئاسية، يفترض فيها أن تحسم سباقا مفتوحا بين الرئيس الحالي العقيد ولد الطايع الذي ستمضي عليه وشيكا 17 سنة وهو في الحكم، وبين 5 مرشحين ثلاثة منهم على الأقل يتمتعون حسب المراقبين بولاء مجموعات معتبرة من الناخبين المحتملين. والثلاثة هم:

  • أحمد ولد داداه أخو الرئيس الراحل المختار ولد داداه ووزير سابق في حكومته، وهو الذي هزم رسميا خلال اقتراع رئاسي سابق تم عام 1992.
  • والثاني هو محمد خونا ولد هيدالة العقيد السابق الذي حكم البلاد من 1979 إلى 1984 قبل أن يطيح به ولد الطايع.
  • أما الثالث فهو مسعود ولد بلخير الذي شغل سابقا منصب وزير في حكومة ولد الطايع ويشكل وجها من وجوه حركة الأرقاء السابقين "الحراطين" التي تنزع إلى المطالبة بحقوق هذه الشريحة.

والسؤال يبقى هل بإمكان هذه الانتخابات أن تحدث تغييرا فعليا على رأس هرم السلطة الموريتانية؟

يحق لنا أن نشك في حدوث هذا التغيير وذلك لأسباب تتعلق في الأساس بطبيعة البنى الاجتماعية في موريتانيا وتتعلق أيضا بنمط الثقافة السياسية السائدة وكذلك الوضعية الدولية الراهنة.

تأثير البنيات الاجتماعية التقليدية
الثقافة السلطانية
محور الشر الأخف

تأثير البنيات الاجتماعية التقليدية "المصاغة من جديد"

لافتات لمناصري حملة ولد الطايع

إن الحدود الموريتانية الموروثة عن الاستعمار الفرنسي الذي استمر من عام 1902 إلى 1960 تجمع في فضاء ترابي واحد طائفة من المجموعات البشرية المختلفة (أغلبيتها المجموعة العربية ثم المجموعات الزنجية وهي البولارية والسونينكية والولفية)، ويجمعها -رغم اختلافها الإثني- الإسلام وخصوصا المذهب المالكي وكذلك الطرق الصوفية.

وتتصف مختلف المجموعات الإثنية التي تكون المجتمع الموريتاني بشكل ما بخضوعها لنظام هرمي مكون من طوائف يطبع كل طائفة منها التخصص الحرفي المتوارث، كما تمتاز كل طائفة عن غيرها خاصة في مجال الزواج بين هذه الطائفة أو تلك. ومن المعلوم أن هذه الطوائف لم تعرف في تاريخها قبل الاستعمار ظاهرة الدولة كما أنها كانت تعرف نظام الرق (إلى جانب الأرقاء توجد مجموعة الحراطين وهم أرقاء سابقون نالوا حريتهم). ومع حصول تغييرات تمت في فترة الاستعمار وتسارعت وتيرتها مؤخرا تحت ضغط الهجرة المكثفة من الريف إلى المدن، فإن هذه التغييرات التي أصبح لها شأن هام لم تحطم القاعدة التي تقول إن الموريتانيين لا زالوا يولدون وهم "غير أحرار وغير متساوين".

إن الانتماء الإثني والقبلي وكون الشخص من طبقة ما في الهرم التقليدي وتأثير العصبية (وهي عناصر يغذيها في المقابل انحلال الأساس الريفي الذي تقوم عليه) تظل هي الخيار الوحيد في ظل هيمنة القبيلة القوية على مفاصل الدولة.


تحولت موريتانيا إلى "دولة متجر" تتمفصل حول الولاء لنظام هرمي وشبكات قائمة على العصبية القبلية

ورث الموريتانيون عن الاستعمار الفرنسي "شبه بنية دولة"، حيث كان الفرنسيون يديرون عن بعد هذا الفضاء المتسع الذي تغلب عليه طابع البداوة *، وقد لا نجانب الصواب إن قلنا إن هؤلاء البدو لم يكونوا يوما ما بحاجة إلى الفرنسيين. وكان هؤلاء البدو يتهربون عن وعي من دفع الضرائب "العشور" إلى الإدارة الفرنسية ويبتعدون في مجال انتجاعهم ما وسعهم ذلك عن أماكن وجود الإدارة الاستعمارية.

أما زمرة الموظفين الموريتانيين التي كانت تعمل في ظل الإدارة الفرنسية والتي سيؤول إليها تسيير البلاد بعد رحيل المستعمر وستستفيد خلال فترة انتقالية طويلة من تأطير ووصاية الفرنسيين، فكانت تدعي أن شرعيتها تعود إلى كفاءتها رغم ضآلة تلك الكفاءة، وأنها تعود كذلك إلى ولائها للدولة. وقد كان أولئك الموظفون مجموعة من البيروقراطيين الناشئين والمنحدرين في أغلبهم من طبقة "الزوايا"، وتطبع حياتَهم البساطة البدوية مع ترفعهم عن مجتمع التجار غير المتعلمين تعليما عصريا والذي بدأ يتشكل حينها في المدن.

وكانت سنوات الجفاف الشديد الذي عرفته موريتانيا مع بداية سبعينيات القرن الماضي بالإضافة إلى دخول البلاد في حرب الصحراء (من 1975 إلى 1979) عاملين جعلا حياة الريف الموريتانية تعرف اندثارا شديدا، كما أديا إلى تسابق محموم نحو امتلاك الأراضي الصالحة للزراعة (الموجودة أساسا على ضفة نهر السنغال). وقد جعل هذان العاملان موجات الهجرات الريفية نحو المدن تلتهم البنيات التحتية البسيطة التي بحوزة الدولة (المدارس والصحة والتوظيف والعدالة... الخ).

إن التشرذم التدريجي الذي ستعرفه الإدارة الموريتانية وتفشي الرشوة بقوة وانتشار العقلية التجارية النفعية مع انعدام الاستقرار السياسي (حيث توالت عدة انقلابات عسكرية ما بين 1978 إلى 1984) كلها عناصر ستربط إن لم تصهر ما بين البيروقراطية وعالم التجارة. ووفقا لهذا التطور ستتحول موريتانيا جميعها إلى "دولة متجر" تتمفصل حول الولاء لنظام هرمي وتتمفصل كذلك حول شبكات قائمة على العصبية القبلية، وأصبحت الدولة تعتمد على هاتين الركيزتين.

الثقافة السلطانية

إن المشهد الاجتماعي الموريتاني الذي ألمحنا إليه بإيجاز سيعرف تفاقم الهوة العميقة بين أقلية بيدها الحكم وحولها صنائعها من جهة ومن جهة ثانية الأغلبية الساحقة من الموريتانيين الذين يعيشون على دخل يومي أقل من دولار واحد. ولا ينبغي أن نظن أن هذه الفوارق بين أقلية مستفيدة وأكثرية محرومة ستؤدي إلى ثورة أو روح تمردية ضد النظام القائم اللهم إلا خلال الحملة الانتخابية.


يجب أن تظل هذه الانتخابات وسيلة لإثبات كون الرئيس هو حامي الجميع وله الحق في قيادة الرعية، وهو يرى أن سلطته هي المنقذة لهذه الرعية في أعين المجموعة الدولية

إن الثقافة القبلية التي لم تتشبع بعد بمفهوم الدولة والتي تؤسس قيم ومسلكيات أغلب الموريتانيين، تقوم في إطار نظرتها للسلطة على افتراض مزدوج:

  • استقالة مطواعة تقود بسهولة إلى الاستسلام إن لم نقل العبودية.
  • جذور تمردية ترتبط بشكل عفوي مع طبيعة الحياة البدوية وما تعرفه من حروب ذات طابع عصبي بين المتنافسين.

إن هذا الافتراض المزدوج يمكن أن يعبر عنه بعبارة "التجاوز" (dépassement) بالمفهوم الذي يعطيه هيغل لهذا اللفظ في سياق استبدادي يحرم الجميع من السلطة بنمطها السلطاني ما عدا شخص واحد كما هي الحال في موريتانيا وفي غيرها من البلدان العربية، وتبقى الوسيلة الوحيدة للتخلص من النظام هي الانقلاب العسكري.

إن تنظيم الاقتراعات في موريتانيا ليس له سند قوي في التاريخ السياسي للبلاد، فقد كان أول اقتراع ذو دلالة في 10 نوفمبر/ تشرين الثاني 1946 حيث تم انتخاب أول نائب موريتاني في الجمعية الوطنية الفرنسية، ويذكر أنه قد مورست جملة من الإقصاءات على مجموع الناخبين حيث لم يستطع المشاركة في ذلك الاقتراع سوى بعض عشرات الآلاف مع العلم أن سكان موريتانيا يقدرون يومئذ بـ 800 ألف نسمة. فالسكان الموريتانيون الذين ظلت تغلب عليهم البداوة حتى سبعينيات القرن الماضي لا يمكن إخضاعهم لإجراءات تنظيمية كما يخضع لها غيرهم من شعوب المستعمرات الأخرى مثل إنشاء حالة مدنية مستقيمة.

وحتى اليوم ومع استقرار الموريتانيين في المدن فإن أغلبهم، على خلاف ما تصرح به الدوائر الرسمية من إنشاء بطاقة تعريف وطنية غير قابلة للتزوير، لا يصرح بميلاد أولاده ولا بوفاة من يموت من أسرته ولا يصرح كذلك بتغيير عنوانه عندما يغير سكنه. ثم إن طريقة كتابة أسماء الموريتانيين والاتفاق على تسمية أب واحد يشمل الأسرة كلها أمور لم تخضع بعد لمعايير محددة. وكذلك الحال بالنسبة لأسماء الأماكن حيث يولد هؤلاء الأشخاص فهي الأخرى لا تخضع لمعايير دقيقة وموحدة.

وزيادة على انعدام الحالة المدنية فإن هشاشة البنيات الحزبية إن لم نقل عدم دلالتها أمر يجعل الاقتراعات تنافسا بين شخصين وهو تنافس تشوشه الانسحابات المتواترة من جانب هذا المرشح لصالح ذاك، واستبدال المواقع وتحول تلك المجموعة أو أولئك الأشخاص من طرف إلى آخر، وتبقى سيطرة الانتماء الإثني أو القبلي أو الجهوي هي الأكثر حضورا والأقوى في تحديد مسارات تطبعها ظرفية البداوة وتحولها. وقد ظهرت على هذه الأرضية ثقافة التزوير وشحن صناديق الاقتراع التي ظلت في تطور وتوجيه مستمرين. وتعود فائدة هذه الثقافة التزويرية إلى النظام القائم، فهو المؤهل أكثر من غيره إلى إقامتها اعتمادا على إدارة عتيقة وعلى مصادر تمت خصخصة أغلبها، والإدارة وحدها هي التي تمتلكها.

وكما يقال فإن النظام هو "الذي عنده ما يعطي" (أو بإمكانه نزع ما يريد عند الحاجة) وعلى هذا الأساس فمن غير اللائق ومن غير المفيد عدم التقرب إليه. وتصبح المسألة أكثر حساسية في كل التجمعات الحضرية والمجموعات المحلية (قبائل وأفخاذ...) التي يفترض أن تكون تحت قيادة أحد الوجهاء (شيخ قبيلة أو شيخ طريقة صوفية...) التي بإمكان النظام أن "يعاقبها" بشكل جماعي إن لم تصوت لصالحه.

ونحن هنا إنما نعطي شكلا صوريا لما يتم، ذلك أن هذه الانتخابات وإن كانت خالية من أي رهان حقيقي فإنها تجند طاقة كبيرة وتمنح فرصة للمبارزات والتنابز بالألقاب، كما أنها تسمح بصرف مبالغ ضخمة وبالترويح عن النفس حيث يجد منطق النظام القبلي القائم على الانشطار والانصهار أرضيته الملائمة. فتبرز الصراعات المحلية وتتشكل أحلاف جديدة وتطفو على السطح ولاءات "سلطانية" على أنقاض ولاءات سابقة. إلا أنه ينبغي أن نعرف أن هذا الإخراج ينبغي أن يظل تحت رقابة "مدير الأعمال" الرئاسي. فكل هذه الانتخابات يجب أن تظل وسيلة لإثبات كون الرئيس هو حامي الجميع وله الحق في قيادة الرعية، وهو يرى أن سلطته هي المنقذة لهذه الرعية في أعين المجموعة الدولية.

محور الشر الأخف

في المعادلة الانتخابية الموريتانية يلعب تأثير التدخل الخارجي دورا هاما في الحوار الداخلي ويشكل هذا التدخل معطى هاما في السياسة الموريتانية. ونعني هنا أن موريتانيا دولة ترتبط بشكل بالغ بالمؤسسات المالية الدولية (البنك الدولي، صندوق النقد الدولي... الخ) وترتبط كذلك بالإعانات التي تتلقاها بشكل ثنائي أو دولي وخاصة من طرف الدول الأوروبية.

لقد أبدى النظام الحالي في تعاطيه مع السياسة الخارجية "لباقة" لم ترق للجميع. فقد كان الرئيس العراقي السابق صدام حسين وخاصة خلال حرب الخليج الثانية حليفا مفضلا لموريتانيا وخاصة خلال أزمتها مع السنغال 1989، ثم فجأة تحول النظام الموريتاني إلى معسكر المنتصرين في حرب الخليج ليحظى بـ"العفو" بل زاد على ذلك حين أقام علاقات دبلوماسية مع إسرائيل ضاربا عرض الحائط بمشاعر أغلبية الموريتانيين.

وكانت هجمات 11 سبتمبر/ أيلول 2001 والحرب الأخيرة ضد العراق سببا في تقوية انتماء موريتانيا إلى "محور الخير" في الوقت الذي تشن أميركا حملة لتخويف كل من يقاوم هيمنتها في العالم العربي والإسلامي. إن المساندة الخارجية تشكل بالنسبة للنظام الحالي ضرورة خاصة وأنه من السهل اتهام منافسيه بأنهم من "محور الشر" طالما أنهم يرفضون العجرفة الإسرائيلية التي تحميها أميركا.

ولختام هذه الملاحظات السريعة نقول إن حظوظ الانتخابات التي تتشكل الآن بموريتانيا في إحداث تغيير تعتبر ضئيلة، فلن ينجح سوى الرئيس الحالي. إلا أن هذه الانتخابات قد لا تساهم في المقابل في إعطاء النظام شرعية ما، كما أنها لن تغذي الحلم في التخلص من النظام "السلطاني" بواسطة الأسلوب التقليدي الذي جربه محاولو الانقلاب الفاشل في يونيو/ حزيران 2003.
______________
باحث موريتاني في جامعة ستراسبورغ – فرنسا
* - ظلت عاصمة الإدارة الفرنسية بموريتانيا موجودة في مدينة سان لويس السنغالية حتى 1958 حين تحولت العاصمة إلى نواكشوط. المترجم.
(ترجمة سيدي أحمد ولد أحمد سالم: قسم البحوث والدراسات - الجزيرة نت.)