هل ستنتهي معركة الدستور بمجرد إجراء الاستفتاء عليه؟ وهل انتهت مهمة لجنة الصياغة التي شكلتها الجمعية الوطنية برئاسة الشيخ همام حمودي (قيادي في المجلس الإسلامي الأعلى وكتلة الائتلاف) والتي أضيف إليها 15 عضوا قيل إنهم يمثلون أو يعبرون عن تطلعات "السنة"، وذلك بعد زيارة وزيرة خارجية الولايات المتحدة كوندوليزا رايس المفاجئة إلى بغداد في أواسط أيار/مايو 2005.
 
 
 
الدكتور حسين الشهرستاني نائب رئيس الجمعية الوطنية قال إن الأمم المتحدة تسلّمت النسخة الأخيرة النهائية يوم 14 أيلول/سبتمبر، أي بتأخير شهر واحد عن الموعد القانوني المقرر لإنجاز مشروع الدستور الدائم 15 آب/أغسطس حسب قانون إدارة الدولة الانتقالي.
 
وقيل لتبرير التأخير إنه جاء تلبية للرغبة في المزيد من التشاور لإحداث التوافق المنشود داخل لجنة الصياغة. لكن هذا التوافق ظل غائبا بل إن التباعد والافتراق قد اتسعت شقتهما بين الأطراف المعنية وداخل المجتمع، خصوصا بتفاقم الاحتقان الطائفي والإثني وضعف بل وانعدام الثقة بين المكونات المختلفة، ناهيك عن تصاعد أعمال العنف والإرهاب، سواء من جانب القوات الأمريكية أو قوى الحرس الوطني أو الجماعات الإرهابية.
 
ويقتضي الاجراء اللاحق بعد تسلم الجمعية الوطنية مسودة الدستور وتسليمها إلى الأمم المتحدة لتقوم بطبع خمسة ملايين نسخة منها وتوزيعها على الجمهور للاطلاع عليها ومناقشتها قبل إجراء الاستفتاء الشعبي عليها، إجراء الاستفتاء يوم 15 تشرين الأول/اكتوبر 2005 طبقا لقانون إدارة الدولة الصادر عن سلطة الحاكم المدني الأمريكي في العراق بول بريمر في 8 آذار/مارس 2004، ومتطلبات قرار مجلس الامن الدولي 1546 الصادر في حزيران/يونيو 2004 عشية ما سميّ نقل "السيادة " إلى العراقيين.
 
وإذا حصلت الموافقة على مشروع الدستور بالاستفتاء فسيتم التحضير لإجراء انتخابات عامة في موعد أقصاه يوم 15 كانون الأول/ديسمبر 2005، أما إذا لم ينجح الدستور بالاستفتاء أي بعد رفضه من جانب ثلثي الناخبين في ثلاث محافظات، فستحل الجمعية الوطنية وتجرى انتخابات لجمعية وطنية جديدة في موعد أقصاه 15 كانون الأول/ديسمبر، وهذه تأخذ على عاتقها خلال عام واحد إنجاز مشروع دستور جديد.
 
"
غرق الدستور في شكليات وتفاصيل غير ضرورية وشروحات كان يمكن تنظيمها بقانون

"
نص مشوش ومرتبك

تناولت المسودة الكثير من التفاصيل غير الضرورية وغرقت في الجزئيات وخضعت لإرادة أطراف مختلفة فجاءت مشوشة ومرتبكة.

هكذا إذن ورغم المسيرة الماراثونية، فإن معركة الدستور ستبقى مستمرة قبل الاستفتاء 
وبعده وفي كلا الاحتمالين، فالدستور الحالي (أي المشروع) المؤلف من 139 مادة بحاجة إلى وقفة للمناقشة من حيث المباني والمعاني، خصوصا أنه تناول الكثير من التفاصيل غير الضرورية بل غرق أحيانا في جزئيات وفرعيات ليس مكانها الدستور وربما ليس هناك مبرر لذكرها، ناهيكم عن شروحات كان يمكن تنظيمها بقانون لاحقا.
 
ولكن حسب ما يبدو فإن كل طرف أراد أن يضع بصماته وربما صورته على الدستور، فجاء هذا الأخير مشوشا ومرتبكا في بعض الأحيان، بل إنه حمل خليطا من المفاهيم والأفكار غير المتجانسة والمتعارضة دون وحدة موضوع أو اتفاق مضمون، وانعكس ذلك على لغة الكتابة، فجاءت في بعض الأحيان ضعيفة المبنى ومتناقضة المعنى خصوصا في الديباجة إضافة إلى جهة دلالاتها.
 
قد يعود الأمر إلى سعة لجنة الصياغة وتعدد مشارب أعضائها وعوامل الجذب والشد، ناهيكم عن الضغوط الأمريكية المباشرة وغير المباشرة على بعض الأعضاء. ورغم تسليم المسودة فقد بقيت بعض القضايا العقدية عالقة أو محل خلاف حيث جرى ترحيلها إلى ما بعد قيام الجمعية الوطنية الدائمة (أي لدورة انتخابية أو أكثر كاملة) مثل قضية الأقاليم والفيدراليات (غير إقليم كردستان) وقضية كركوك وتوزيع الثروة والمياه وقضايا أخرى. وحتى القضايا التي تم الاتفاق عليها فإن لكل فريق تفسيراته، ولعله ينظر إليها من زاويته مما سيثير إشكالات لاحقا خصوصا في ظل تعاظم الاحتقان الطائفي والتوتر الإثني.
 
أما مسألة الهوية العربية فقد ظلت محل خلاف أساسي ولم تساعد التسوية الأولية بإقرار كون العراق عضوا مؤسسا وفاعلا في جامعة الدول العربية في حسم الأمر، وكذلك صلاحيات الإقليم الكردستاني بما فيها موضوع إيجاد أقسام في السفارات والبعثات الدبلوماسية للأقاليم والمحافظات، إضافة إلى الخلاف حول تثبيت مسألة اجتثاث "البعث" الصدامي وغيرها.
 
 
القراءة القانونية والسياسية للدستور تكشف سوءاته وحسناته خصوصا أن الكثير من المخاوف والشكوك أخذت تبرز ليس في العراق فحسب، بل في المحيطين العربي والإسلامي على نحو رسمي وحكومي أو عبر هيئات وجهات رسمية أو شعبية، عبر عنها مؤخرا الأمير سعود الفيصل وزير خارجية المملكة العربية السعودية، وقبله عمرو موسى الأمين العام لجامعة الدول العربية وعبد الرحمن العطية الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي.
 
وإذا كان ثمة مواد إيجابية أو متقدمة تضمنها
"
تضمن مشروع الدستور مواد ومبادئ إيجابية متقدمة لكنها ضاعت وسط الألغام الكثيرة التي احتواها المشروع

"
الدستور قياسا بالدساتير السابقة أو حتى مقارنة
بالدساتير العربية، كعدم سن قانون يتعارض مع مبادئ الديمقراطية أو الحقوق والحريات الواردة في الدستور، أو تأكيد أن الشعب مصدر السلطات وشرعيتها، وتداولية السلطة سلميا وإخضاع القوات المسلحة لإدارة السلطة المدنية، والحقوق والحريات العامة والخاصة، ومنع التعذيب، واستقلال القضاء وتعزيز دور المجتمع المدني وغيرها، فإن هذه المبادئ ضاعت من خلال الألغام الكثيرة والقنابل غير الموقوتة التي احتواها مشروع الدستور.
 
لقد احتوى الدستور على الكثير من المواد ذات البعد التقليدي والتي تتجه صوب "تديين" المجتمع أو "أسلمة " العراق وربما "تطييفه"، مما يثير التباسا كبيرا حول علاقة الدين بالدولة من خلال ما ورد من عدم سن أي قانون يتنافى مع أحكام ثوابت الإسلام، والدور المراد تثبيته عبر كلام عمومي عن مكانة المرجعيات كما ورد في الديباجة.

ولعل الأخطر في ذلك هو ما يتعلق باحتمال وصول أصحاب الاتجاهات الدينية إلى المحكمة الدستورية العليا، التي من اختصاصها البت في دستورية القوانين، ففي ذلك مقاربة "لهيئة تشخيص مصلحة النظام" الإيرانية، وهي الخطوة الأولى التي تعبد الطريق لولاية الفقيه!


 
تناقض مسبق
مشروع الدستور الذي أعطى دورا مهما للديمقراطية والحقوق عاد فسحبها من خلال نصوص مناقضة بإعطاء دور ومكانة للدين (الإسلامي) وعدم جواز سن أي قانون يتعارض مع أحكام ثوابته. ولعل الأمر سيكون مثار خلاف خصوصا أن التناقض حاصل لا محالة، فلمن ستكون الغلبة يا ترى؟ وكيف السبيل للتخلص من أصابع المفسرين والمؤولين في ظل اجتهادات ومذاهب وتحريم وتأثيم وغير ذلك، فالمشكلة ليست في الإسلام كتعاليم سمحة بل في القراءة الضيقة لنصوصه في محاولة لتوظيفها لخدمة هذا الطرف السياسي أو ذاك.
 
اللغة التي حكمت بعض مواد مشروع الدستور كانت لغة إنشائية وخطابية متحمسة وليست لغة قانونية، بل هي أقرب إلى البيان السياسي وهذا ما تضمنته الديباجة، وكما يقال فإن المكتوب يقرأ من عنوانه، فقد استعرضت الديباجة أحداث الماضي "المأساوية"، وهي مسألة غير مألوفة في الفقه الدستوري وفي صياغة الدساتير بشكل عام.
 
وقد عبرت اللغة المستخدمة عن توازن القوى داخل الجمعية الوطنية وكأن الدستور استحقاق انتخابي وليس استحقاقا تاريخيا، باعتباره عقدا اجتماعيا -سياسيا يعبر عن تطلعات المجتمع ويعكس تطوره وينظم سلطاته ويحدد شكل نظامه السياسي والاجتماعي وحريات وحقوق الأفراد، وصلاحيات الهيئات وعلاقاتها مع بعضها. وانعكس التوازن القلق في الصياغة والمعاني فجاء بلغة تفريقية بدلا من اللغة الجامعة والتوحيدية.
 
"
كُتب الدستور بلغة إنشائية خطابية غير موحدة واستغرق في هموم الماضي ومآسيه لكنه تجاهل قضية الاحتلال وخروقاته لحقوق الإنسان

"
تجاهل قضية الاحتلال
لكن مشروع الدستور الذي غاص في الحديث عن "مواجع القمع الطائفي" و"عذابات القمع القومي" و"فجائع شهداء العراق" واستباحة المدن المقدسة والجنوب في الانتفاضة الشعبانية، وذكر المقابر الجماعية والأهوار والدجيل وحلبجة وبرزان والأنفال والكرد الفيليين والتركمان وأهالي المنطقة الغربية، لم ينبس ببنت شفة إزاء الوضع المأساوي الراهن الذي يعيشه الشعب العراقي خصوصا بوجود الاحتلال وخروقاته لحقوق الإنسان.
وكان الأجدر به أن يحدد موقفه من إنهاء الاحتلال أو إجلاء القوات الأجنبية عبر جدول زمني واستعادة السيادة والاستقلال كاملين. لقد سكت مشروع الدستور عن ذلك واستمر في اللغة المفخمة والتمجيدية باستثارة الضغائن والكراهية، وبما لا يشجع على الوحدة الوطنية.
 
الدولة والحسينية
وهكذا تحدث عن "قياداتنا الدينية" وإصرار "مراجعنا العظام" وزعمائنا ومصلحينا وأصدقائنا ومحبينا، ولعله نسي أنه أمام دولة عراقية عريقة مضى على تأسيسها المعاصر ما يزيد عن 80 عاما، دولة ذات طابع مدني ودواوينية ومراتبية وبيروقراطية متواصلة ومستمرة رغم محاولات القطع.
 
الدولة تختلف عن "الحسينية"، وهذه الأخيرة مكان ديني للعبادة والصلاة واستذكار واستلهام المُثل النبيلة التي ضحى من أجلها الحسين. وبالطبع لا يمكن أن تتحول "الحسينية" إلى دولة، كما لا يمكن أن تحل لغتها محل لغة الدولة أو حتى تقاربها.
 
إن معركة الدستور حتى لو اجتازت مرحلة "العبور" بالاستفتاء الشعبي فإنها ستبقى مستمرة ولعلها ستتصاعد ارتباطا بالوضع السياسي وفي ظل غياب التوافق الوطني والوحدة الوطنية وبوجود الاحتلال، ناهيكم عن التأثيرات السلبية التي سترتبها صياغات مشوشة ومرتبكة.