شفيق شقير

سبقت حرب النكسة عام 1967 حربان وأعقبها ثلاث أخرى، وذلك بالأخذ بالاعتبار قاعدة معلومات كوسيمو لتصنيف الحروب، مع الإشارة إلى أن بعض الأزمات العنيفة سقطت في بعضها خسائر فادحة في الأرواح والأرض بما لا يحصل عادة بالحروب. والجامع بين الحروب آنفة الذكر أن السبب الأساسي لنشوبها هو ظهور الكيان الإسرائيلي وسط المنطقة العربية.

حروب ما قبل هزيمة 67 
حروب ما بعد هزيمة 67

حروب ما قبل هزيمة 67

حرب 1948
أول حرب كانت للعرب بعد ولادة الدولة العربية الحديثة، حرب عام 1948، والتي اعتبرها العرب "نكبة" فسموها حرب النكبة، ويطلقون عليها أيضا حرب فلسطين، أما الإسرائيليون فسموها "حرب الاستقلال".

وقد نشبت عقب إعلان قيام دولة إسرائيل على أرض فلسطين يوم 15 مايو/ أيار 1948 حيث قامت قوات خمس دول عربية (مصر وسوريا والأردن ولبنان والعراق) بدخول فلسطين لمنع قيام الدولة العبرية على أرض فلسطين، واستمرت العمليات العسكرية حتى يناير/ كانون الثاني 1949 بعد أن سيطرت إسرائيل عمليا على الأجزاء التي أعطاها إياها قرار التقسيم 194 وأكثر منها.

وفي ذاك التاريخ ولدت مسألة اللاجئين بخروج أكثر من 400 ألف فلسطيني من ديارهم، ليبدأ الصراع العربي الإسرائيلي.

حرب 1956

"
النصر السياسي عام 1956 الذي ساهم في دفع الثقة بالقدرة على المواجهة في مصر والمنطقة العربية من ورائها أصبح مستهدفا من إسرائيل ومن أكثر من طرف دولي، وانتكس في حرب عام 1967
"

الحرب العربية الثانية، وتعرف دوليا باسم "حرب السويس" وتسمى في العالم العربي "العدوان الثلاثى".

أما سببها فهو تأميم الرئيس المصري جمال عبد الناصر قناة السويس، إثر رفض البنك الدولي –بإيعاز أميركي– تقديم قرض لمصر لبناء السد العالي مما أدى إلى قيام كل من فرنسا وإنجلترا بالتنسيق مع إسرائيل، بشن هجوم شامل على مصر بدأ يوم 29 أكتوبر/ تشرين الأول 1956 بدخول القوات الإسرائيلية إلى سيناء، وتدخلت فرنسا وإنجلترا بذريعة التدخل لحماية الملاحة في منطقة القناة واحتلت بورسعيد.

ولكن الضغط الدولي عموما والسوفياتي خصوصا -حيث إن الأخير هدد باستعمال القوة لرد الغزاة- إضافة إلى المقاومة المصرية، كلها أدت إلى إنهاء العمليات يوم 6 نوفمبر/ تشرين الثاني، ثم انسحاب بريطانيا وفرنسا من بورسعيد يوم 22 ديسمبر/كانون الأول 1956، ثم انسحاب إسرائيل يوم 6 مارس/آذار عام 1957 من سيناء إلى ما وراء خط هدنة 1949، وتحقق مصر انتصارا سياسيا بفشل العدوان في تحقيق أهدافه برغم الخسارة العسكرية.

ولكن هذا النصر الذي ساهم في دفع الثقة بالقدرة على المواجهة في مصر والمنطقة العربية من ورائها، أصبح مستهدفا من إسرائيل ومن أكثر من طرف دولي، فانتكس في حرب عام 1967 بهزيمة الجيوش العربية وأطلق على هذه الحرب حرب "النكسة"، أي النكسة بعد النصر، وهي الحرب الثالثة بين العرب وإسرائيل.

حروب ما بعد هزيمة 67

إن مما يجمع بين الحروب العربية الإسرائيلية عموما وما بعد حرب 67 خصوصا أن أهم نتائجها كان المزيد من قضم مساحة العالم العربي لإسرائيل، أو إقرار إسرائيل على بعضها.

أما ما تتميز به حرب 67 خاصة عما قبلها وسرى على ما بعدها، فهو كثرة الجدل حول معنى الهزيمة والنصر، حتى أن اسم "النكسة" اشتق من هذا الجدل المبكر حيث أن هناك من رأى في معاني "النكسة" ولو لغة ما هو دون الهزيمة.

واستمر هذا الجدل مع كل الحروب التالية، واستمر التساؤل حتى حرب يوليو/ تموز الأخيرة في لبنان، هل هزمنا في الحرب؟ هل خرجنا من الهزيمة؟ هل انتصرنا؟، ولكل جوابه.

حرب 1973
الحرب العربية الإسرائيلية الرابعة، والأولى بعد حرب 67، تعرف عربيا باسم حرب السادس من أكتوبر/تشرين الأول أو العاشر من رمضان، بينما تطلق عليها إسرائيل "حرب يوم كيبور" (أو عيد الغفران). فقد قامت القوات المصرية والسورية في إطار خطة عسكرية مشتركة، بشن هجوم مفاجئ ضد القوات الإسرائيلية في سيناء والجولان، تحطمت على إثره خطوط الدفاع الأولى الإسرائيلية.

وتمكنت القوات المصرية من تثبيت مواقعها على مسافة 15-20 كلم شرق قناة السويس، وتقدمت القوات السورية إلى عمق هضبة الجولان إلا أنها تراجعت إلى خطوط 5 أكتوبر/ تشرين الأول مرة أخرى، ثم تداخلت أوضاع القوات بصورة درامية على الجبهة المصرية حيث استطاعت قوات إسرائيلية النفاذ -من خلال ثغرة سميت ثغرة الدفرسوار- إلى غرب قناة السويس ومحاصرة القوات المصرية شرقها، الأمر الذي ساهم في توقف إطلاق النار في الأيام الأخيرة من أكتوبر/ تشرين الأول، لتبدأ في أعقابها مفاوضات فض الاشتباك والتي انتهت بتوقيع اتفاقية الفصل بين القوات يوم 17 يناير/كانون الثاني 1974.

والمفاوضات التي أعقبت هذه الحرب فتحت الباب أمام التحول التاريخي في مصر بتوقيع معاهدة سلام مع إسرائيل عام 1979، والخروج من الصراع العسكري مع إسرائيل.

فيما هدأت الحدود السورية الإسرائيلية منذ ذلك الوقت حتى اليوم، ولم تشهد أي أزمات عنيفة فضلا عن الحروب، فيما استمر التوتر العسكري المحدود بين لبنان وإسرائيل متداخلا مع الحرب الأهلية اللبنانية.

وكان سلاح النفط قد استعمل في هذه الحرب لأول وآخر مرة في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، حيث فرضت الدول العربية المنتجة للنفط حظرا على الدول التي ساندت إسرائيل مما تسبب بأزمة طاقة عالمية في سبعينيات القرن الماضي.

ونتائج هذه الحرب برغم الحديث عن "النصر" فيها لم تخفف من حدة آثار هزيمة 67، حيث إن دوي الأخيرة في ذكراها بقي أعلى صوتا من كل الاحتفالات بذكرى "انتصار أكتوبر".

حرب 1982

"
بعد حرب 1982 انتقلت البندقية من يد المقاومة الفلسطينية -التي خرجت من بيروت- إلى يد المقاومة اللبنانية، ثم انحصرت بعد اتفاق الطائف بيد المقاومة الإسلامية التابعة لحزب الله
"

وتعرف باسم حرب لبنان أو غزو لبنان، لقيام القوات الإسرائيلية بغزو لبنان لتدمير قواعد منظمة التحرير الفلسطينية بحسب زعمها، ولقيت مواجهة من القوات اللبنانية والفلسطينية المشتركة، كما شاركت فيها القوات السورية التي انسحبت تحت وقع الضربات الإسرائيلية نحو أراضيها ونحو المناطق اللبنانية القريبة من حدودها.

وانسحبت القوات الإسرائيلية نحو الجنوب اللبناني بعد التوصل إلى اتفاق بشأن خروج "القوات الفلسطينية" من لبنان، وبعد تفاقم أعمال المقاومة ضدها. وكان من أهم نتائج هذه الحرب قيام إسرائيل بتوسيع "الشريط الحدودي" الذي كانت قد احتلته في جنوب لبنان عام 1978 بالعملية التي أطلق عليها اسم عملية الليطاني.

ولم تنفصل هذه الحرب عن مسار الحرب الأهلية اللبنانية حيث وقفت بعض المليشيات اللبنانية وتحديدا في المناطق المسيحية إلى جانب إسرائيل في مواجهة ما كان يطلق عليها اسم القوى الوطنية والفلسطينية التي كانت تتمركز في المناطق الإسلامية غرب بيروت.

وبعد هذه الحرب انتقلت البندقية من يد المقاومة الفلسطينية -التي خرجت من بيروت- إلى يد المقاومة اللبنانية، ثم انحصرت بعد اتفاق الطائف بيد المقاومة الإسلامية التابعة لحزب الله، والتي توجت انتصارها بانسحاب إسرائيل من الشريط الحدودي جنوب لبنان عام 2000، وانكفأت إلى منطقة غير مأهولة بالسكان تسمى مزارع شبعا، وتقع على الحدود اللبنانية السورية ولا زالت غير مرسمة بحسب المعايير الدولية.

حرب تموز 2006
سمتها إسرائيل رسميا بعد انتهائها بالحرب اللبنانية الثانية واشتهرت إعلاميا بحرب تموز، ووقعت يوم 12 يوليو/تموز إثر قيام المقاومة الإسلامية الذراع العسكري لحزب الله بعملية عسكرية عبر الحدود اللبنانية أدت لمقتل ثمانية جنود وأسر جنديين إسرائيليين، وسمى حزب الله العملية بالوعد الصادق في دلالة على صدق أمينه العام حسن نصر الله في خطف جنود لمبادلتهم مع المعتقلين اللبنانيين في السجون الإسرائلية.

وكان رد إسرائيل العسكري عنيفا جدا معتبرة فعل حزب الله حربا من لبنان عليها، فقامت قواتها بعبور الحدود اللبنانية لأول مرة منذ انسحابها عام 2000. فيما قام سلاح الطيران بقصف الجنوب اللبناني واستهدف بشكل مكثف ضاحية بيروت الجنوبية التي تمثل الخزان البشري لحزب الله، واستهدف الجسور والطرق في معظم المناطق اللبنانية بذريعة قطع سبل إمداد المقاومة في الجنوب.

أما المقاومة الإسلامية فقامت بقصف صاروخي لمنشآت ومواقع عسكرية ومدنية حيوية في إسرائيل ووصل مداها إلى حيفا في العمق الإسرائيلي، وهدد الحزب بأن يستهدف تل أبيب نفسها إذا قصفت العاصمة بيروت.

ورغم التفوق العسكري لإسرائيل فإن قادتها فشلوا في تحقيق أهدافهم التي أعلنوها أثناء الحرب وهي استعادة الجنديين ووقف الصواريخ والقضاء على حزب الله، وانتهت الحرب بالقرار الدولي رقم 1701 الذي صدر يوم 15 أغسطس/آب وجاء في بعضه الدعوة لانسحاب إسرائيل إلى ما وراء الخط الأزرق، وابتعاد المقاومة وانسحابها إلى ما وراء نهر الليطاني وانتشار الجيش اللبناني وقوة أممية مكانها، وهو ما حصل.
________________
الجزيرة نت

المصادر:

1- أرشيف الجزيرة نت
2-
قاعدة بيانات كوسيمو أحد المصادر الشهيرة لتصنيف الحروب والأزمات، ووفق قاعدة البيانات التي أعدتها للأزمات والحروب ما بين عامي 1945 و1999 فقد وقعت بين العرب وإسرائيل خمس حروب كبرى، وإذا أضيف إليها حرب 2006 الأخيرة في لبنان فهي ست حروب. وقد أطلقت الجزيرة عليها اسم الحرب السادسة في تغطياتها الإخبارية.
http://www.hiik.de/kosimo/kosimo1.html.en 
3- انظر الحروب الآنفة الذكر في الموسوعة السياسية والعسكرية لفراس البيطار، والموسوعة السياسية لعبد الوهاب الكيالي
4- موقع وزارة الخارجية الإسرائيلية، الحرب اللبنانية الثانية 2006.
http://www.altawasul.net/MFAAR/this+is+israel
/history/important+events/operation
+in+the+north+12072006.htm#casualties
5- موقع الأمم المتحدة، نص القرار 1701.
http://daccessdds.un.org/doc/
UNDOC/GEN/N06/465/01/PDF/N0646501.pdf?OpenElement