إعداد: قسم البحوث والدراسات

هل تحولت العلاقة بين إيران وإسرائيل إلى صراع لا بد فيه من منتصر يبقى ومنهزم يزول؟ أم أن التهديد الذي تقول إسرائيل إن إيران تمثله أمر مرحلي ومبالغ فيه ويمكن أن يتحول إلى تعايش وتعاون كما حدث من قبل أثناء حكم الشاه وبعيد اندلاع الثورة الإسلامية نفسها، وكما هو الحال مع تركيا الآن؟

التقرير التالي محاولة لإلقاء الضوء على طبيعة العلاقة من خلال اعتبار إسرائيل تشكل خطرا على الأمن القومي الإيراني.. وهل يمكن للاحتلال الأميركي للعراق أن يضيف جديدا لنظرية الأمن القومي الإيراني.

العلاقة بين عهدين
تطوير القدرات العسكرية
دعم حزب الله
رعاية "الإرهابيين"
العداء على أساس ديني

العلاقة بين عهدين

مثل العام 1979 تغييرا جذريا في كل شيء بإيران. ففيه سقط نظام حكم الشاه محمد رضا بهلوي وسقط معه كل ما كان يمت بصلة إلى تلك الفترة. وحلت محلها ثورة رفعت شعارات كثيرة وأطلقت العنان لطموحات كبيرة. وكان على رأس هذه القضايا القضية الفلسطينية وعلاقة الجمهورية الإسلامية الوليدة بإسرائيل.

في الأيام الأولى للثورة كانت الأجواء العامة في إيران توحي بعداء مستحكم وقطيعة ثقافية وسياسية مع هذا "الكيان السرطاني" كما شبهتها أدبيات الثورة الأولى. وراحت وسائل إعلام الثورة -ضمن حملة كانت تستهدف فضح أوراق نظام الحكم السابق- تنشط في تعرية العلاقات الحميمة بين الشاه وإسرائيل، وتنشر أسرار صفقات الأسلحة والتعاون المستتر بين الموساد والسافاك، الذي وصل إلى حد "العشق الذي هو ألذ من الزواج" كما وصفه الشاه نفسه. وكانت الحماسة طاغية عبرت عنها شعارات "الموت لأميركا" و"الموت لإسرائيل"، لكن يبدو أن للمشهد صورة أخرى يجري ترتيبها خلف الكواليس.

وفي عام 1988 اندلعت الحرب العراقية الإيرانية واشتد أوارها، وكان عماد تسليح الجيش الإيراني الوليد تلك الأسلحة الأميركية التي ورثتها عن عهد الشاه. ومثلت مسألة تحديث وتوفير أسلحة للحرب هذه القضية معضلة أمام رجال العهد الجديد. فمن أين لآيات الله الذي اعتلوا سدة الحكم بمدد يعينهم على مواجهة ما وصفوه بالشيطان الأصغر "صدام حسين"؟

فهل يتعاونون مع الشيطان الأكبر "الولايات المتحدة الأميركية" كما أطلقوا عليها من أجل القضاء على شيطان أصغر يهددهم في عقر دارهم؟ أم يبحثون عن شيطان أبعد يتعاونون معه لدرء الخطر العراقي؟

وفي تلك الآونة ظهرت إسرائيل على الخط، أو بتعبير أدق أظهرت نفسها كخيار متاح، أو كشر لا بد منه لحل إشكالية التسليح تلك. فبدأ التعاون بأكثر الأشياء إلحاحا فتدفقت قطع غيار الطائرات المقاتلة F/4 من تل أبيب إلى طهران، وعلم الرئيس الأميركي جيمي كارتر بهذا التعاون فأمر بإيقافه.

الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان

وبعد توقف تدفق قطع غيار الأسلحة الأميركية لإيران قليلا، عاد في عهد رونالد ريغان بل اتسع نطاقه بعد أن اقتنعت الإدارة الأميركية بوجهة النظر التي لخصها الأمين العام للخارجية الإسرائيلية ديفد كيمحي لوزير خارجية الولايات المتحدة أليكسندر هيغ بقوله إن المصلحة الأميركية والإسرائيلية تقضي باشتعال الحرب بين العراق وإيران ليضعف كل منهما الآخر، ولا يبقى لديه طاقة تدفعه للاستمرار في عداء واشنطن وتل أبيب. فتطور التعاون الأميركي الإسرائيلي الإيراني حتى افتضح في ما بعد وذاعت أسراره في الفضيحة المعروفة بإيران كونترا.

إيرانيات يرفعن لافتات تندد بالولايات المتحدة وإسرائيل في إحدى التظاهرات

وبعد انتهاء حرب الثماني سنوات دون منتصر، ورجع آيات الله الحاكمون في إيران إلى نقطة البداية التي انطلقت منها شعاراتهم، فأعيدت اللافتات القديمة التي كتبت عليها الموت لأميركا والموت لإسرائيل إلى واجهة المظاهرات والتجمعات الشعبية من جديد. الموت لإسرائيل هذه المرة له من الهواجس والمخاوف الأمنية ما يبرره. فإسرائيل التسعينيات تختلف عن إسرائيل الثمانينيات.

فبعد هزيمة العراق وإخراجه من الكويت عام 1991 فرض عليه حصار سياسي واقتصادي خانق، قضى على البقية الباقية من أمل في استعادة أي مظهر من مظاهر القوة. وبذلك أمنت إسرائيل إلى حد كبير من عدو طالما أثار هواجسها، وزال خطره تماما بعد ما تكفلت الولايات المتحدة بإزالة نظام الحكم فيه بأكمله هذا العام. ولم يبق مهدد للأمن الإسرائيلي سوى إيران وسوريا، وهما الجبهتان المشتعلتان أميركيا وإسرائيليا حاليا. فما الذي يقلق إسرائيل- تحديدا- من إيران في الوقت الراهن؟

تطوير القدرات العسكرية

الصاروخ الإيراني شهاب/3

لا يتوقف الأمر عند حد المنظور الديني للسياسة الخارجية الإيرانية في ما يتعلق بالصراع في فلسطين، فالمخاوف الإسرائيلية تمتد لتشمل برنامج التسليح الإيراني، وبالأخص تطوير منظومة الصواريخ القادرة على الوصول إلى أهداف في قلب تل أبيب.

تزايدت هذه المخاوف أكثر بعد إعلان إيران عن نجاح تجربتها في إطلاق صاروخ شهاب/3 الذي يصل مداه إلى 1300 كيلومتر ويمكنه حمل حوالي ألف كيلوغرام متفجرات ودخول عشرة صواريخ منه إلى الخدمة العسكرية.

كذلك تتابع إسرائيل عن كثب البرنامج النووي لإيران -حتى وإن كان لأهداف سلمية كما تعلن طهران- وتعتبره هاجسا أمنيا لا يمكن غض الطرف عنه.

دعم حزب الله

تمثل قضية دعم إيران لحزب الله كذلك أحد أهم المخاوف الأمنية الإسرائيلية. فحزب الله فصيل مقاوم يتبنى مفاهيم دينية في صراعه مع إسرائيل، وله روابط مذهبية وسياسية متينة مع إيران.

ومن المعروف أن الولايات المتحدة وإسرائيل تصنفان حزب الله على أنه إحدى الجماعات الإرهابية، وتتهم إيران برصد ميزانية سنوية له تقدر بمائة مليون دولار، وبأنها (طهران) لا تزال تواصل تقديم المساعدات العسكرية له لكي يوقع أكبر قدر من الخسائر في صراعه مع إسرائيل.

وتعتبر تل أبيب أن من أهم الأسلحة التي بحوزة حزب الله ومصدرها إيران هي صواريخ أرض أرض المسماة فجر/5. لذلك تعتقد إسرائيل أن وجود حزب بالله على خطوط التماس معها هو بمثابة الذارع الطويلة لإيران في المنطقة وأحد رؤوس الحراب التي توجهها إيران صوبها.

رعاية "الإرهابيين"

لا يتوقف التهديد الإيراني لإسرائيل -كما تزعم الأخيرة- على مساعدتها لحزب الله وفصائل المقاومة الفلسطينية وتطويرها لقدراتها العسكرية وسعيها للحصول على السلاح النووي، وإنما تمتد تلك القائمة لتشمل رعاية طهران "لإرهابيين" -على حد وصفها- يستهدفون المصالح الإسرائيلية في العالم.

وتسوق في هذا المجال نموذجا لواحدة من أهم الشخصيات "الإرهابية" التي ترعاها إيران وهو عماد مغنيه. ويتهم الموساد مغنيه بأنه أحد المسؤولين عن تفجير مقر القوات الأميركية "المارينز" في بيروت عام 1983 الذي أدى إلى مقتل 241 جنديا أميركيا، وبأنه كذلك أحد العقول المدبرة لتفجيرات الخبر في السعودية التي قتل فيها 19 أميركيا. وهذه الاتهامات كان من الممكن ألا تكون خطرة بالنسبة لإيران لولا أن إسرائيل تدعي بأن عماد مغنيه هذا يقيم حاليا في إيران بعد أن ساعدته السلطات هناك على تغيير اسمه وملامح شكله بعملية تجميل أجريت له.

العداء على أساس ديني

المؤتمر الدولي لدعم الانتفاضة الفلسطينية في طهران

تتبنى إيران خطابا دينيا ينظر إلى الصراع الدائر على الأرض الفلسطينية على أنه أبعد من مجرد كونه صراعا سياسيا. فإيران الإسلامية تضفي على هذا الصراع طابعا دينيا يقلق الجانب الإسرائيلي ويثير لديها مخاوف لا تنتهي. هذا المنظور يعني في عرف إسرائيل أن تدميرها تحت لافتات الجهاد مهمة مقدسة وقربة إلى الله، وأن دائرة أعدائها ستتسع باتساع رقعة العالم الإسلامي بأكمله.

ومثل استضافة طهران مؤتمرا لدعم انتفاضة الأقصى في يونيو/ حزيران 2002 علامة مميزة على هذا النهج. فبالإضافة إلى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين القيادة العامة كان ممن حضر المؤتمر حزب الله وحركة المقاومة الإسلامية حماس وحركة الجهاد الإسلامي.

أخيرا تبقى اتهامات كثيرة متبادلة، ومخاوف متعددة لا تنتهي، ولعبة صراع عنيفة كما أن لها أحكامها وقوانيها لها أيضا مفاجآتها التي قد لا يتوقعها أحد.
_______________
الجزيرة نت