ولدت باكستان من رحم الهند لتعطي المسلمين عنوانا قوميا لوجودهم في شبه القارة، وكأنها جاءت لتصيغ الصراع -الذي أقامه الاستعمار على عوده بين المسلمين والهندوس ما أن أطلت بوادر الاستقلال- صياغة الصراع بين دول، والحقيقة أن محطات الصراع ومتغيراته ووجود الدولتين لم تغير جوهره الحقيقي وجزءه المفتعل، الحقيقي هو صراع ديني شاخص دائما في بنية الكيانين لأن الاستقلال قام على أساسه ولن يحل إلا بإعادة رسم ودية للعلاقة بين المسلمين والهندوس في القارة بأسرها، والجزء المفتعل هو مصالح الدول الكبرى وتناقض مصالح الدول الإقليمية، التي تقع ضحية له دائما دول العالم الثالث، مع استثناء وفارقة خاصة تميز صراع شبه القارة، أنه يحمل في طياته الفقر والمرض والتخلف, وأن طرفي الصراع ينفقان من قوت شعبهما ليحافظا على وجود كيانهما.

وبنفس السياق الديني المنفعل والمهيمن انطبعت بروح الصراع -إذا كان للصراع روح- ملامح النخبة من الرؤساء والشخصيات والمفكرين في البلدين، فبورصة البطولة والوطنية والشعبية هبوطا وصعودا مرتبطة بمفرداته، تلك المفردات التي تجسدت كاملة في كشمير.

فكشمير ذات الأغلبية المسلمة كان من المفترض أن تكون جزءا من باكستان، دولة مسلمي شبه القارة بحسب قرار التقسيم، وكان من المفترض أن تحظى بحق تقرير المصير بحسب قرارات الأمم المتحدة، ومن المفترض أنها منطقة متنازع عليها بحسب القانون الدولي، مما يحتم على باكستان والهند التفاوض الجاد بشأنها بناء على هذا الأساس أو إحالتها لمحكمة دولية كي تفصل بالأمر.

فالأمور لم تجر وفق أي من الخيارات السلمية السالفة الذكر، اللهم إلا تلك اللقاءات المحكومة بظروف ومصالح آنية تثقل كاهل القضية بقرارات واتفاقات ووثائق وظفت لمصلحة تعقيد الصراع لا تخفيفه وتحجيمه، وكان وما زال لدى البلدين من الأزمات والمشاكل الداخلية ما يكفي لتعليقها على شماعة الصراع وبالتالي تأجيجه بمبرر وبغير مبرر. وإذا أضفنا إلى ذلك ما تختزنه الذاكرة من حروب اندلعت بين البلدين، التي ما زالت ثاراتها وراياتها حاضرة ورافدا للخيال العسكري الهندي والباكستاني لسباق محموم للتسلح، أقلق العالم وأرعبه لأن أي انعدام في ميزان القوى بينهما ولا سيما في الأسلحة التقليدية منها، سيجعل استخدام الأسلحة النووية أمرا متاحا، مما سيعرض البلدين لا بل العالم بأسره لمخاطر كارثة كونية لا سابقة لها.

والآن وبعد الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول وتدويل مكافحة الإرهاب حظيت قضية كشمير، التي هي جوهر الصراع ولبه بحظ وافر من الضغط الدولي ولا سيما الأميركي لاستيعاب الأزمة الأخيرة التي نشبت بين البلدين على إثر العملية العسكرية ضد البرلمان الهندي وما تلاها من تداعيات، والحقيقة أن الضغط قد انصب على الطرف الأضعف فقط باكستان، واستهدف إجبارها على تقديم تنازلات أبرزها الشروع في تفكيك خريطة الأحزاب الكشميرية بما يحد من التسرب الإرهابي تحت عباءتها -كما هو في المفهوم الأميركي- إلى المنطقة، وبما يرضي الطرف الأقوى الهند وبما يتناسب مع المعادلة الإستراتيجية الأميركية المقبلة للمنطقة، والتي بدأت بأفغانستان ولم تنته فصولها بعد.