قمة المؤتمر الإسلامي التاسع بالدوحة

لا مراء في أن القمة الإسلامية التاسعة التي عقدت في الدوحة منتصف نوفمبر/تشرين الثاني 2000م اكتسبت أهمية بالغة، وذلك لعدد من الاعتبارات والمتغيرات الإقليمية والدولية، إضافة إلى التحديات التي تواجه العالم الإسلامي، ومن ذلك ما يلي:
أولاً: أنها أول اجتماع لقادة الدول الإسلامية على أعتاب الألفية الثالثة من الميلاد، ومن ثم تواجهها تحديات جسيمة في عصر العولمة وتكنولوجيا المعلومات والتكتلات الاقتصادية الكبرى. وبعبارة أخرى فإنها ستواجَه بجملة من القضايا والمتغيرات الجديدة التي تفرضها طبيعة المرحلة الراهنة في تطور النظام الدولي. كل ذلك يفرض ضرورة إعادة النظر في مسألة إصلاح المنظمة بما يؤدي إلى تفعيل دورها في قضايا تضامن وتنمية العالم الإسلامي.

فشل "كامب ديفد" الثـانية، والاستعداد لدخول الألفية الثالثة، وما صاحب ذلك من تحولات دولية خطرة؛ يعطي مـؤتـمر القمــة الإسلامية التاسعة أهمية بالغة.


ثانياً:
أن المنظمة بحاجة إلى إعادة تقويم خبرتها السابقة في مجال الأمن الجماعي والتسوية السلمية للنزاعات بين الدول الأعضاء، فالاتجاه العام الذي سيطر على موقف المنظمة هو الابتعاد عن النزاعات العربية والإفريقية وتركها للمنظمات الدولية المعنية مثل الأمم المتحدة، ومنظمة الوحدة الإفريقية، وجامعة الدول العربية. ولعل حالة الحرب العراقية الإيرانية تؤكد هذا الاتجاه، والشيء ذاته ينطبق - بل وبدرجة أكثر وضوحاً - على مسألة الاحتلال العراقي لدولة الكويت.

ثالثاً:
دخلت القضية المحورية التي ارتبطت بنشأة منظمة المؤتمر الإسلامي وتطورها -وهي قضية فلسطين والقدس الشريف- منعطفا هاما وخطيراً، وبخاصة بعد أن جاءت نتائج اجتماعات "كامب ديفد الثانية" مخيبة للآمال، واندلاع انتفاضة الأقصى، ومعنى ذلك أن الدبلوماسية الإسلامية الجماعية لا تزال مطالبة -أكثر من أي وقت مضى- بالتفكير في مستقبل التسوية السلمية للقضية الفلسطينية، وذلك على ضوء أمرين هامين ومتلازمين: أولهما يشير إلى استمرار تفاقم الخلل في التوازن الاستراتيجي لصالح إسرائيل، وثانيهما يتمثل في تكريس حقائق إسرائيلية جديدة على أرض الصراع مع استمرار الهجرة اليهودية من الخارج، وحركة الاستيطان اليهودي في الأراضي الفلسطينية، والمحاولات الصهيونية الدورية لتهويد مدينة القدس.

رابعاً
: فرضت التحولات التي شهدها النظام الدولي خلال العقدين الأخيرين من القرن العشرين آثاراً وانعكاسات هامة على مستوى التفاعلات والعمليات التي تثور -بدرجة أو بأخرى من الكثافة- على مستوى النظم الفرعية في العالم الإسلامي، ومن ذلك:
- قضية التحول الديمقراطي والإصلاحات السياسية التي شهدتها بعض الدول الإسلامية.
- قضايا الأمن ولاسيما التسلح النووي، والقيود المفروضة من قبل النظام الدولي على تسلح الدول الإسلامية بأسلحة الدمار الشامل.
- الأنماط الجديدة من الصراعات الإقليمية وسبل إدارتها، مثال ذلك الصراعات في القرن الإفريقي، وشمال القوقاز، والبلقان.
- قضية الروابط مع النظام الرأسمالي العالمي في ظل هيمنة نموذج اقتصاد السوق، وهنا يطرح التساؤل حول موضوع النموذج الإسلامي في التنمية.

وليس خافيا أن كل هذه التحولات والتغيرات تحتاج إلى وجود تفكير استراتيجي إسلامي واضح المعالم، يتجاوز الخلافات الجزئية وينظر في تحديات البقاء والوجود التي تجابهه.

ورغم كل ما تواجهه منظمة المؤتمر الإسلامي من انتقادات ومثالب، فإن قدرتها على الصمود وسط التغيرات والتطورات المتلاحقة التي عصفت بالنظام الدولي تعد من الأمور الإيجابية التي تحسب لها، فمع القمة الأخيرة في الدوحة تكون القمة الإسلامية قد التأمت في تسع دورات، بالإضافة إلى القمة الاستثنائية التي عقدت في إسلام آباد عام 1997م بمناسبة مرور نصف قرن على تأسيس جمهورية باكستان الإسلامية.

مؤتمرات القمة الإسلامية السابقة

 المؤتمر

 مكان الانعقاد

تاريخ الانعقاد

عدد الدول المشاركة

 ملاحظات

 الأول

 الرباط

22-25/12/1969

25

 رد فعل
لحريق المسجد الأقصى

 الثاني

 لاهور

22-24/2/1974

36

 استهدفت
صون القضايا الإسلامية

 الثالث

 مكةالمكرمة
والطائف

25-28/1/1981

38

دورة فلسطين
والقدس الشريف

 الرابع

 الدار البيضاء

16-19/1/1984

42

عودة مصر إلى المنظمة

 الخامس

 الكويت

26-28/1/1987

44

دورة التضامن الإسلامي

 السادس

 دكار

9-11/12/ 1991

45

 دورة القدس الشريف والوئام والوحدة

 السابع

 الدار البيضاء

13-15/12/ 1994

49

 دورة الإخاء والانبعاث

 الاستثنائي

 إسلام آباد

23/3/1997

54

 مرور نصف قرن
على قيام باكستان

 الثامن

 طهران

9-11/12/ 1997

53

 دورة غزة
وحوار ومشاركة


كما أن وزراء خارجية الدول الأعضاء في المنظمة عقدوا 27 اجتماعاً، كان آخرها الاجتماع الوزاري الذي عقد في كوالالمبور أواخر يونيو/ حزيران من عام 2000.

قضايا أمام المنظمة
انشغلت المنظمة في اجتماعاتها المختلفة بجملة من القضايا المحورية والأساسية التي تهم العالم الإسلامي، وسنعرض في هذه الدراسة أبرز هذه القضايا، وذلك من خلال التعرف على الجهود المختلفة التي بذلتها المنظمة في سبيل التوصل إلى تسوية سلمية لهذه القضايا، وذلك على النحو التالي:

1 – فلسطين

الدبلوماسيـة الإسلامية الجماعية مطالبة -أكثر من أي وقت مضى- بالتفكير في مستقبل التسوية السلمية للقضية الفلسطينية.

مثلت القضية الفلسطينية وتطوراتها المختلفة محور نشاط منظمة المؤتمر الإسلامي منذ إنشائها، ولعل ذلك يتسق مع حقيقة نشأة هذه المنظمة ذاتها والذي جاء كرد فعل إسلامي لواقعة الاعتداء على حرمة المسجد الأقصى المبارك من جانب حفنة من المتطرفين اليهود في 21 أغسطس/ آب 1969. وقد اختص ميثاق المنظمة قضية فلسطين بهدف مستقل عندما ذكر في مادته الثانية فقرة (أ/5) ما نصه: "تنسيق العمل من أجل الحفاظ على سلامة الأماكن المقدسة وتحريرها، ودعم كفاح الشعب الفلسطيني ومساعدته على استرجاع حقوقه وتحرير أراضيه". ولعل ذلك يعكس بجلاء مدى الأهمية الكبرى التي أولتها الدبلوماسية الإسلامية الجماعية للقضية الفلسطينية.

ويمكن التمييز في سياق نشاط المنظمة وجهودها تجاه القضية الفلسطينية بين مستويين أساسيين: أولهما قضية القدس الشريف، وثانيهما القضية الفلسطينية في عمومها، لاسيما ما يتعلق بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وهو ما سنورده بشيء من التفصيل.

مسجد قبة الصخرة في القدس

أ/ قضية القدس الشريف: ليس بخافٍ أن منظمة المؤتمر الإسلامي ما فتئت تنظر إلى قضية القدس باعتبارها جوهر القضية الفلسطينية ومحور الصراع العربي الإسرائيلي، ويمكن التدليل على هذا الموقف من خلال أمرين هامين: الأول يرتبط بالطبيعة العقدية لمنظمة المؤتمر الإسلامي، حيث جعلت - كما سلف القول - من بين أهدافها المحافظة على حرمة الأماكن المقدسة في فلسطين. في يرتبط الثاني بحقيقة أن قضية القدس قد مثلت -باتفاق الباحثين- الموضوع الأساسي الذي اتفقت عليه كلمة الدول الأعضاء دوماً، ولو على المستوى الرسمي.

وقد اتسم موقف المنظمة على صعيد التحرك الدبلوماسي بالقوة والتأكيد على الحقوق العربية والإسلامية المشروعة في الأماكن المقدسة في مدينة القدس، بل لا نجافي الحقيقة إذا قلنا إن جميع المؤتمرات الإسلامية التي عقدت في إطار المنظمة -سواء على مستوى قادة الدول أو على مستوى وزراء الخارجية- قد أشارت في بياناتها الختامية إلى قضية القدس. وكمثال ذلك فقد تضمن نص البيان الختامي للقمة الإسلامية الأولى في الرباط عام 1969م، أن حكومات الدول الإسلامية وشعوبها قد "عقدت العزم على رفض أي حل للقضية الفلسطينية لا يكفل لمدينة القدس وضعها السابق لأحداث يونيو/ حزيران 1967م".

كما أن القمة الإسلامية الثالثة المنعقدة في مكة المكرمة والطائف عام 1981م، جاءت تحت شعار دورة فلسطين والقدس الشريف. وقد اشتمل البيان الختامي لهذا المؤتمر على نص خاص بالقدس الشريف، تم التعبير عنه في البندين 14 و15 على النحو التالي:
- الالتزام بتحرير القدس العربية لتكون عاصمة للدولة الفلسطينية.
- استعمال جميع القدرات الاقتصادية والموارد الطبيعية للدول الإسلامية من أجل إضعاف الاقتصاد الإسرائيلي، وإيقاف ما تحصل عليه إسرائيل من دعم مالي واقتصادي وسياسي، والعمل على تغيير المواقف السياسية الدولية في صالح الشعب الفلسطيني ودعم منظمة التحرير الفلسطينية.

واستمر هذا الموقف العام للمنظمة ثابتا وراسخا في جميع مؤتمرات القمة الإسلامية التالية، ففي البيان الختامي للدورة الثامنة لمؤتمر القمة الإسلامي المنعقدة بطهران في ديسمبر/ كانون الأول 1997م، تم التأكيد على إدانة استمرار احتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية والعربية الأخرى، ومن بينها القدس الشريف والجولان السوري وجنوب لبنان. كما أدينت الممارسات الإسرائيلية الهادفة إلى تغيير الوضع السكاني والجغرافي لمدينة القدس.

أما على صعيد التحرك التنظيمي والمؤسسي فقد اتجهت جهود المنظمة صوب إنشاء عدد من الأجهزة التي استهدفت تحقيق التعاون والتنسيق مع الجهات والمنظمات الدولية الأخرى صاحبة الشأن، ويأتي في مقدمة هذه الأجهزة لجنة القدس وصندوق القدس.

ب/ القضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي: ظلت قضايا الصراع العربي الإسرائيلي بتداعياتها المختلفة تمثل دوما أحد الموضوعات الرئيسية على


ظلت المؤتمرات الإسلامية تشير إلى قضية الجهاد لتحرير القـدس والأراضـي الفلسطينية المحتلة، إلا أن أعوام التسعينيات شهدت تحـولا ملحـوظـا في موقف منظمة المؤتمر الإسلامي.

قائمة أعمال منظمة المؤتمر الإسلامي، لاسيما على مستوى القمة والمستوى الوزاري، ويمكن إبراز موقف المنظمة في هذا الخصوص من خلال الإشارة إلى الأمور التالية:
- دعم حركة المقاومة الفلسطينية والتأكيد على شرعية منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني.
- قبول منظمة التحرير الفلسطينية عضوا كامل العضوية في منظمة المؤتمر الإسلامي في فبراير/ شباط 1974م أثناء انعقاد القمة الإسلامية الثانية في لاهور، وبهذا الموقف تكون المنظمة قد سبقت جامعة الدول العربية التي لم تمنح منظمة التحرير الفلسطينية هذه الصفة إلا في عام 1976م.
- رفضت المنظمة دوما الحلول السلمية المنفردة مع إسرائيل، وهو ما دفعها إلى تجميد عضوية مصر في أعقاب قيامها بتوقيع اتفاقية سلام مع إسرائيل عام 1979م. على أن عودة مصر إلى المنظمة عام 1984م لم تمنع الأخيرة من التأكيد على موقفها الرافض لمبدأ الحلول الانفرادية مع إسرائيل.

ومن الملاحظ أن المنظمة منحت خلال الستينيات والسبعينيات دعماً مادياً لإعلان الجهاد المسلح لتحرير الأراضي العربية المحتلة في فلسطين، فقد قرر المؤتمر الوزاري الثالث (1973م) إنشاء صندوق لدعم الثورة الفلسطينية، وخصصت  مساعدات مالية وعينية سنوية لدعم نضال الشعب الفلسطيني. وما فتئت المؤتمرات الإسلامية اللاحقة على اختلاف مستوياتها تشير إلى قضية الجهاد المقدس لتحرير القدس والأراضي الفلسطينية المحتلة، بيد أن أعوام التسعينيات شهدت تحولا ملحوظا في موقف المنظمة اتساقاً مع التطورات التي شهدتها عملية التسوية السلمية للصراع العربي الإسرائيلي، حيث أكدت على ضرورة إيجاد حل سلمي عادل وشامل للقضية الفلسطينية.

وعلى سبيل المثال فقد رحب مؤتمر القمة الإسلامية السابع المنعقد في الدار البيضاء عام 1994م بالاتفاقات التي تم عقدها في إطار "مسيرة السلام"، استناداً إلى قرارات الشرعية الدولية ومبدأ الأرض مقابل السلام. وفي المؤتمر الوزاري للمنظمة الذي عقد بكوالالمبور في يونيو/ حزيران 2000م تم الإعلان في ختام المؤتمر عن "نداء القدس" الذي يؤكد أن قيام الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف؛ يشكل القاعدة الأساسية لإحلال السلام الدائم في الشرق الأوسط، كما أكد المؤتمر على دعمه الكامل لعملية السلام في الشرق الأوسط، وتنفيذ جميع الاتفاقات في هذا الإطار والتي انطلقت على أسس مؤتمر مدريد ومبدأ الأرض مقابل السلام وقراري مجلس الأمن (242 و338). ودعا بيان المؤتمر دول العالم الإسلامي إلى الاعتراف بدولة فلسطين عند الإعلان عنها على الأراضي الفلسطينية، وتقديم جميع أشكال الدعم للشعب الفلسطيني.

2 – قضية جامو وكشمير

لاجئون شردتهم الحرب

على الرغم من أن ميثاق منظمة المؤتمر الإسلامي لم يشر إلى مفهوم الأقليات الإسلامية، فإن الفقرة أ/6 من المادة الثانية تؤكد على "دعم كفاح جميع الشعوب الإسلامية في سبيل المحافظة على كرامتها واستقلالها وحقوقها الوطنية". ومع ذلك فإن المنظمة تتبنى سياسة مزدوجة إزاء قضية كشمير بالغة الحساسية بالنسبة للدبلوماسية الإسلامية الجماعية، حيث إنها تثير مسألة التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وربما يفسر ذلك إحجام المؤتمر الوزاري الإسلامي الثامن عن تأسيس إدارة خاصة بالأقليات المسلمة.

صحيح أن المؤتمر الوزاري اللاحق الذي عقد عام 1978م قد وافق على تأسيس هذه الإدارة، ولكن تحت مسمى آخر هو "إدارة الجاليات المسلمة في الدول غير الأعضاء"، تكون مهمتها توفير البيانات والمعلومات والإحصاءات عن هذه الجاليات، وتنظيم الاتصالات بها ورعاية شؤونها، في إطار احترام ارتباطها بالدول التي تنتمي إليها.

والملفت للنظر حقا أنه بينما اهتمت منظمة المؤتمر الإسلامي منذ إنشائها بقضايا الأقليات والجاليات المسلمة في العالم مثل مسلمي الفلبين وقبرص، فإنها لم تظهر الاهتمام نفسه بأوضاع مسلمي الهند عامة إلا في وقت متأخر نسبياً. ومن المعلوم أن الأمم المتحدة تعترف بحق شعب جامو وكشمير في تقرير المصير منذ عام 1948م، إلا أن الهند ضربت بقرارات الشرعية الدولية عرض الحائط، وادعت بأن كشمير جزء لا يتجزأ من الأراضي الهندية وعملت على تكريس احتلالها للأراضي الكشميرية.

وليس خافياً أن نزاع جامو وكشمير يشكل جوهر القضية التي تؤدي دوما إلى توتير العلاقات الهندية الباكستانية، وهو الأمر الذي دفع بكلا البلدين إلى إجراء تجارب نووية.

وقد أبدت اجتماعات القمة الإسلامية اهتماما واضحا بقضية كشمير منذ بداية التسعينيات، ففي المؤتمر الوزاري الإسلامي التاسع (1991) تمت الدعوة إلى إيجاد تسوية سلمية للنزاع في جامو وكشمي،ر طبقا لما أصدرته الأمم المتحدة من قرارات ذات صلة، ولما نصت عليه اتفاقية "شِملا" بين الهند وباكستان. وقد ندد المؤتمر بالحملات الواسعة النطاق والموجهة ضد حقوق الإنسان في شعب كشمير، ودعا إلى احترام هذه الحقوق بما فيها حق تقرير المصير.

ويلاحظ من صياغة هذا البيان الختامي أن المنظمة تتبنى سياسة مزدوجة إزاء هذه القضية الحساسة، حيث إنها ناشدت في نفس الوقت الحكومة الهندية بالسماح للجان حقوق الإنسان والمنظمات الإنسانية بزيارة جامو وكشمير. وإذا أخذنا بعين الاعتبار حقيقة أن باكستان تتمتع بعضوية منظمة المؤتمر الإسلامي، فقد أعربت المنظمة عن استعدادها لإرسال بعثة مساع حميدة لتخفيف حدة التوتر بين البلدين.

وتجدر الإشارة إلى أن وثائق منظمة المؤتمر الإسلامي لا تشير أبداً إلى شعب جامو وكشمير إلا باعتباره شعبا مسلماً فقط، وربما يُعزى ذلك إلى أمرين هامين: أولهما ينبع من خصوصية المشكلة التي لا يمكن اعتبارها فقط مشكلة أقلية مسلمة في دولة ذات أغلبية غير مسلمة، أضف إلى ذلك أن الإقليم تم ضمه إلى الهند باستخدام القوة المسلحة، وهذا يعطي سكانه - بغض النظر عن انتمائهم الديني- حق تقرير المصير. في حين يرتبط الأمر الثاني بطبيعة مرحلة ما بعد الحرب الباردة حيث تسعى المنظمة إلى اعتبار قضية جامو وكشمير ذات طابع إنساني عام، وهو ما يستتحق دعم المجتمع الدولي.

وظل موقف المنظمة إزاء القضية الكشميرية ثابتا، فالمؤتمر الوزاري الإسلامي الحادي والعشرين أولى القضية اهتماماً بالغاً، حيث قدم السكرتير العام تقريراً مطولا عن الموقف في جامو وكشمير انتهى المؤتمر إلى إقراره وتأييده. ومع ذلك  لم يطرأ جديد على موقف المنظمة سوى أنها واصلت مساعيها الهادفة لدعم حق تقرير المصير للشعب الكشميري بموجب قرارات الأمم المتحدة.


تعاملت المنظمة مع قضية كشمير من جانبين: حق تقرير المصير، وانتهاكات حقوق الإنسان
وبهذا الخصوص برز دور فريق الاتصال بشأن جامو وكشمير الذي استحدثته الدورة الاستثنائية السابعة للمؤتمر الإسلامي لوزراء الخارجية المنعقدة بإسلام آباد في سبتمبر/ أيلول 1994م، فقد عقد فريق الاتصال هذا عددا من الاجتماعات على المستوى الوزاري على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك، وعلى هامش دورة لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة بجنيف، وذلك بغية لفت أنظار المجتمع الدولي إلى الانتهاكات الواسعة النطاق التي تقوم بها السلطات الهندية في جامو وكشمير، وللإعراب عن تأييد الكفاح الكشميري من أجل الحصول على حق تقرير المصير على أساس قرارات مجلس الأمن الدولي. وقد أكد مؤتمر القمة الإسلامي الثامن الذي عقد في طهران في ديسمبر/ كانون الأول 1997م جميع أحكام القرارات الإسلامية بشأن جامو وكشمير، ودعا في هذا الصدد إلى إيجاد تسوية سلمية لمسألة جامو وكشمير تتفق مع قرارات الأمم المتحدة ذات العلاقة، على نحو ما اتفق عليه في اتفاق "شملا".

وأيا كان الأمر فإن جهود منظمة المؤتمر الإسلامي ركزت على المشكلة الكشميرية من جانبين متشابكين هما:
- الاستمرار في حرمان شعب كشمير من حقه الأساسي في تقرير المصير بموجب قرارات الأمم المتحدة.
- تعريف الرأي العام العالمي بالانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان في كشمير.

واتساقا مع ما تقدم يمكن القول إن إصرار منظمة المؤتمر الإسلامي على القيام بدور فاعل في تسوية المشكلة الكشميرية، من خلال مساعيها الدبلوماسية الحميدة في الوقت الذي تؤكد فيه على مسؤولية الأجهزة الدولية ذات العلاقة بالمشكلة؛ إنما يعكس رغبة المنظمة في العمل ضمن إطار المنظومة الدولية الجديدة في مرحلة ما بعد الحرب الباردة.

3 – قضية أفغانستان

إحدى ضحايا الألغام في أفغانستان

وضِعت القضية الأفغانية على جدول أعمال منظمة المؤتمر الإسلامي منذ غزو القوات السوفييتية للأراضي الأفغانية في ديسمبر/ كانون الأول 1979م وتنصيب حكومة مؤيدة لها في كابول. واستنادا إلى المادة الثانية الفقرة (أ/6) من الميثاق عملت المنظمة على حماية استقلال وكرامة الشعب الأفغاني، وعليه فقد عقد في إسلام آباد في يناير/ كانون الثاني 1980م أول اجتماع وزاري إسلامي استثنائي لمناقشة قضية الغزو السوفييتي لأفغانستان.
ويتضح الموقف العام للمنظمة كما أظهرته هذه الدورة غير العادية، من خلال الإعلان عن:
- إدانة الاعتداء العسكري السوفييتي على الشعب الأفغاني، والمطالبة بانسحاب كل القوات السوفييتية من أفغانستان فورا دون قيد أو شرط.
- تجميد عضوية أفغانستان في منظمة المؤتمر الإسلامي، ومطالبة الدول الأعضاء بالامتناع عن الاعتراف بالنظام غير الشرعي في أفغانستان وقطع العلاقات الدبلوماسية معه.
- وقف كل أشكال المساعدات والدعم للحكومة الأفغانية حتى يتم انسحاب القوات السوفييتية بالكامل من أفغانستان.

وعلى الرغم من جهود المنظمة غير المنكرة في إدانة العدوان السوفييتي على أفغانستان، وتشكيل لجنة من الأمين العام ووزيري خارجية باكستان وإيران للبحث عن سبل تسوية الأزمة الأفغانية خلال المؤتمر الوزاري الحادي عشر المنعقد بإسلام آباد في مايو/ أيار 1980م، فإن تباين مواقف الدول الأعضاء إزاء الاتحاد السوفييتي دفع إلى أمرين:
أولهما: لم تتبن المنظمة أي قرار بقطع العلاقات الدبلوماسية مع الاتحاد السوفييتي، وإنما اقتصر الأمر عند حد الإدانة والاستنكار.
ثانيهما: لم يتم الاعتراف بالمجاهدين الأفغان، ولم يتم منحهم حق تمثيل أفغانستان طوال فترة الاحتلال السوفييتي.

وبعد الانسحاب السوفييتي من أفغانستان استمرت القضية الأفغانية على أجندة القمة الإسلامية والمؤتمرات الوزارية، للتأكيد على دور المجاهدين الأفغان في إعادة إعمار البلاد وعودتها إلى مكانتها الدولية السابقة. كما استمرت المنظمة في تركيز جهودها على تعزيز السلام والاستقرار، من خلال تشجيع الوحدة والوفاق والمصالحة بين جميع شرائح المجتمع الأفغاني.

وإزاء تعقد الموقف في الأزمة الأفغانية دعت المنظمة أمينها العام لمراقبة تطور الأوضاع في أفغانستان، والقيام بمساعيه الحميدة متى طلب منه ذلك.

ومن جهة أخرى أكدت المنظمة على حق الشعب الأفغاني في اختيار حكومته دون أي ضغط أو إكراه أو تدخل خارجي، وأكدت القمة الإسلامية الثامنة المنعقدة بطهران على جميع القرارات السابقة التي تم اتخاذها بشأن أفغانستان، وأعرب المؤتمر عن قلقه العميق إزاء استمرار الصراع الدموي بين الإخوة الأفغان، مركزا على ضرورة تشجيع المصالحة الوطنية والتقارب، وتكوين حكومة ذات قاعدة عريضة، وحل

لم تتبن المنظمة أي قرار بقطع العلاقات الدبلومـاسية مع الاتحاد السوفييتي بسبب احتلاله أفغـانستان، وإنما توقف الأمر عند حد الإدانـة والاستنكار.

المجموعات المسلحة وتكوين جيش وطني وقوة للشرطة.

ودعا المؤتمر إلى احترام سيادة أفغانستان ووحدة أراضيها واستقلالها وهويتها الإسلامية، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية. كما أكد المؤتمر على ضرورة إنشاء صندوق تحت رعاية المنظمة لمساعدة الشعب الأفغاني.

وعليه يمكن القول إن الموقف العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي من القضية الأفغانية يتمثل في الآتي:
- التأكيد على عدم اللجوء للحل العسكري للأزمة الأفغانية، ودعوة كافة الأطراف إلى الوقف الفوري وغير المشروط لإطلاق النار.
- دعوة جميع الدول للتوقف فورا عن إمداد جميع أطراف النزاع في أفغانستان بالأسلحة والذخائر.
- إنشاء صندوق تحت رعاية المنظمة لمساعدة الشعب الأفغاني.
- التعاون الوثيق مع الأمم المتحدة من أجل تحقيق تسوية سلمية في أفغانستان.

4 – منطقة البلقان
من المعلوم أن البلقان ليست منطقة إسلامية صرفة، وإنما تشتمل على كيانات وجاليات إسلامية كبيرة مثل البوسنة وكوسوفا وألبانيا، فضلا عن الأقليات المسلمة في مقدونيا واليونان وبلغاريا. وفي ظل النسيج الإثني والديني والقومي بالغ التعقيد في منطقة البلقان والذي ترك بصماته على تاريخها وسياستها في أوربا، وشكل علاقاتها مع الدول الأخرى والقوى المجاورة؛ فإن القضايا التي أثارتها التفاعلات الدولية في المنطقة انقسمت إلى قسمين أساسيين، يرتبط أولهما بمشاكل الهوية والانتماء القومي، في حين يتعلق الثاني بمشاكل إعادة ترسيم خريطة البلقان في ظل تفكك اتحاد الجمهوريات اليوغسلافية السابق.

أ/ حالة البوسنة والهرسك: أظهرت منظمة المؤتمر الإسلامي اهتماما ملحوظا

من ضحايا الحرب في البوسنة

بقضية البوسنة والهرسك حتى قبل العدوان الصربي عليها في أبريل/ نيسان 1992م. ففي المؤتمر الوزاري العشرين في أغسطس/ آب 1991م سمح لممثل الجماعات المسلمة في يوغسلافيا بالتحدث أمام المؤتمر لشرح الموقف. على أن هذا الاهتمام الإسلامي بقضية البوسنة والهرسك اتخذ مضمونا سياسيا فعالا بعد ذلك، حيث بحثت هذه القضية في مؤتمرات متتالية واتخذت بصددها قرارات عديدة، فقد قرر المؤتمر الاستثنائي لوزراء الخارجية الذي عقد في إستانبول سنة 1992م إنشاء لجنة تعنى بشؤون البوسنة والهرسك، كما قرر المؤتمر إقامة برنامج مشترك بين المنظمة والبنك الإسلامي للتنمية من أجل توفير مساعدات إنسانية وإعمارية للشعب البوسني وحكومته، وناشد الدول الأعضاء والمؤسسات الإسلامية ومحبي الخير تقديم تبرعات سخية لهذا الغرض، وأوصى الدول الأعضاء بتخصيص يوم للتضامن مع الشعب البوسني، وتنظيم حملات خاصة لجمع الأموال على المستوى لصالح هذا الشعب.

ومن الملاحظ أن منظمة المؤتمر الإسلامي طالبت الأمم المتحدة مرارا بضرورة اتخاذ كافة التدابير اللازمة – بما فيها العسكرية – لحماية استقلال وسيادة جمهورية البوسنة والهرسك وردع العدوان الصربي عليها، بما يعني أن المنظمة الإسلامية أكدت على دورها في توفير الدعم الأخلاقي والدبلوماسي لشعب البوسنة. وتأكيداً على هذا الدور خصص البنك الإسلامي للتنمية برنامجا للمساعدة في إعمار البوسنة، كما  تم تشجيع الدول الأعضاء على تقديم المساعدات الإنسانية والاقتصادية والقانونية والدفاعية للبوسنة والهرسك، وعلى الرغم من هذه الجهود الإنسانية والدبلوماسية التي قامت بها المنظمة، فإن ثمة ملاحظتين أساسيتين تبرزان في هذا السياق:


ساهمت المنظمة في قبول عضوية البوسنة والهرسـك لدى الأمم المتحدة، وتبني فرض حظر اقتصادي على جمهوريتي الصرب والجبل الأسود.

أولاهما
أنه لا يمكن التقليل من أثر الدعم الدبلوماسي الذي وفرته منظمة المؤتمر الإسلامي لقضية البوسنة والهرسك، إذ أفضى ذلك إلى قبول البوسنة عضواً في الأمم المتحدة، وساعد من  جهة أخرى في تبني مجلس الأمن قرار فرض الحظر الاقتصادي على جمهوريتي الصرب والجبل الأسود.
الثانية
تتمثل في استعداد المنظمة لتوفير المساعدة العسكرية استنادا إلى خبرة التدخل العسكري في أزمة الخليج الثانية وذلك تحت غطاء الشرعية الدولية.

بيد أن  نقطة التحول الأساسية في جهود المنظمة جاءت أثناء انعقاد المؤتمر الوزاري الإسلامي الحادي والعشرين في أبريل/ نيسان 1993م، حينما تم توجيه انتقاد لاذع للجهود الدولية الرامية لتسوية مشكلة البوسنة، لا سيما تقاعس المنظمات الدولية عن استخدام القوة العسكرية ضد القوات الصربية، بالإضافة إلى قيام الأمم المتحدة بفرض حظر على الأسلحة التي تستوردها حكومة البوسنة.

وبعد إقرار اتفاق دايتون للسلام في نوفمبر/ تشرين الثاني 1995م والذي أنهى الحرب رسميا في البوسنة، ظلت القضية البوسنية على أجندة اجتماعات المؤتمر الإسلامي، وذلك للأمور التالية:
-  التأكيد على الوحدة الإقليمية والسيادة لدولة البوسنة والهرسك ضمن حدودها المعترف بها دوليا.
- دفع عملية التنفيذ الفعال والبناء والحيادي لاتفاقية دايتون للسلام.
- حث المجتمع الدولي على تنفيذ برنامج الإعمار الشامل للبوسنة، وذلك لضمان نجاح العملية السلمية.
- التأكيد على أهمية حماية حرية الحركة في كل أنحاء البلاد، وعودة اللاجئين والمشردين إلى ديارهم.
- اتخاذ التدابير اللازمة لإلقاء القبض على جميع المتهمين بجرائم الحرب.

ومن الجلي أن الموقف العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي ظل ثابتا إزاء تدعيم المسيرة السلمية في البوسنة، وإقامة دولة ذات سيادة وديمقراطية ومتعددة الأعراق والأديان.

ب/ الوضع في كوسوفا: لا

لاجئون من كوسوفو قبل عودتهم إلى الوطن 

تطرح مشكلة كوسوفا التي تفجرت أواخر عام 1997م سعي أقلية قومية تطالب بالاستقلال والانفصال فقط، وإنما تعبر أيضاً عن نزاع معقد وطويل الأمد بين أكبر شعبين في غرب البلقان: الصرب والألبان. وكانت كوسوفا التي يبلغ عدد سكانها 2,1 مليون نسمة 90% منهم من المسلمين الألبان؛ تتمتع بحكم ذاتي في يوغسلافيا طبقا لدستور 1974. على أن تنامي النزعة القومية الصربية المطالبة بـ"توحيد صربيا الكبرى"، نجح في إلغاء الحكم الذاتي لكوسوفا عام 1989. وفي المقابل فإن الألبان الذين يطرحون شعار "كوسوفا جمهورية" ردوا على الإجراء الصربي بإعلان الاستقلال والجمهورية عام 1990، ومنذ ذلك الحين نشأت وضعية بالغة التعقيد في هذا الإقليم.

وأدرجت قضية كوسوفا على جدول أعمال مؤتمر القمة الإسلامي الثامن، حيث أدان المؤتمر -وبكل شدة- أعمال القمع والتمييز العنصري وانتهاكات حقوق الإنسان التي تقترفها سلطات جمهورية يوغسلافيا الاتحادية -وعلى نطاق واسع- ضد الشعب الألباني الأعزل. ودعا المؤتمر المجتمع الدولي إلى اتخاذ التدابير اللازمة لوضع حد لانتهاكات حقوق الإنسان ضد الألبان في كوسوفا فورا، وإلغاء التشريعات التمييزية خاصة تلك التي طبقت منذ سنة 1989.

وتابعت منظمة المؤتمر الإسلامي بدأب واضح مفاوضات السلام حول كوسوفا والتي عقدت في مدينة رامبويه الفرنسية خلال شهري فبراير/ شباط ومارس/ آذار 1999، وأيدت مشروع السلام الذي اقترحته القمة والقاضي بقيام حكم ذاتي لإقليم كوسوفا.
وبعد قرار حلف شمال الأطلسي توجيه ضربات عسكرية جوية ليوغسلافيا في مارس/ آذار 2000، دخلت قضية كوسوفا منعطفا جديدا، إذ لم تعد قضية أقلية مسلمة راغبة في الانفصال وحسب، وإنما أصبحت ترتبط ارتباطا مباشرا بالأمن الأوروبي برمته، وبالتوازنات الإقليمية والعالمية في مرحلة ما بعد الحرب الباردة.

وأياً كان الأمر فإن منظمة المؤتمر الإسلامي أولت كوسوفا ومنطقة البلقان اهتماما خاصا، فإضافة إلى كونها على أجندة اجتماعات المنظمة دوماً، نجد أن فريق الاتصال المنبثق عن المنظمة والخاص بمنطقة البلقان، ما فتئ يسعى حثيثا من أجل تعبئة الجهود لتحقيق السلام والأمان في كل من البوسنة وكوسوفا.

5 – قضية العراق

الحصار يحرم أطفال العراق من أبسط حقوقهم
إن متابعة جهود منظمة المؤتمر الإسلامي في تسوية النزاع العراقي الكويتي والآثار المترتبة على غزو العراق للكويت في أغسطس/ آب 1990، تظهر التقليد الذي سيطر على المنظمة منذ إنشائها والذي يقضي بعدم تدخلها النشيط في النزاعات العربية البينية. ولا أدل على ذلك من أنه حينما وقع الغزو العراقي الشامل للتراب الكويتي، كان المؤتمر التاسع عشر لوزراء خارجية الدول الإسلامية منعقداً في القاهرة، وقرر تأجيل جلساته بغرض إتاحة الفرصة للوزراء العرب للتشاور ومناقشة الحدث، لاسيما وأن أمين عام جامعة الدول العربية كان حاضرا في هذا المؤتمر. يعني ذلك أن منظمة المؤتمر الإسلامي ارتأت إحالة قضية الغزو برمتها إلى جامعة الدول العربية بحسبانه نزاعا بين دولتين عربيتين.

وعلى كل حال فقد أصدر المؤتمر الوزاري الإسلامي التاسع عشر بياناً خاصا بالوضع بين الكويت والعراق، أدان فيه "العدوان العراقي على الكويت" وطالب بالانسحاب الفوري للقوات العراقية من الأراضي الكويتية، والعودة إلى مواقع ما قبل العاشر من محرم سنه 1411هـ الموافق لـ 2 أغسطس/ آب 1990م، والالتزام بمبادئ ميثاق منظمة المؤتمر الإسلامي، وبصفة خاصة ما نصت عليه من ضرورة تسوية النزاعات بين الدول الأعضاء بالطرق السلمية.

ومن الأمور الجديرة بالاهتمام أن المنظمة تراجعت منذ اندلاع حرب الخليج في 17 يناير/ كانون الثاني 1991 لتؤيد الخيار العسكري لتحرير الكويت، إذ لم يتحمس الأمين العام لأي من المبادرتين الإيرانية والباكستانية الراميتين لوقف إطلاق النار من خلال مبادرة سياسية في إطار منظمة المؤتمر الإسلامي، ويرى بعض الباحثين أن المنظمة تقاعست عن استخدام الأدوات المنصوص عليها في ميثاقها لتسوية النزاعات بين الدول الأعضاء، وأنها عوضا عن ذلك انحازت لوجهة نظر أحد طرفي النزاع.

ويُظهر تتبع جميع القرارات الإسلامية ذات الصلة بالقضية العراقية أن منظمة المؤتمر الإسلامي أكدت على أمرين اثنين: أولهما ضرورة قيام العراق بتنفيذ القرارات الصادرة عن مجلس الأمن الدولي بشكل كامل، لا سيما ما يتعلق منها بإطلاق سراح المعتقلين الكويتيين. أما الأمر الثاني فيتمثل في تحمل العراق مسؤولية الأوضاع الصعبة التي يعاني منها الشعب العراقي، حيث إن ذلك راجع  إلى عدم التزامه بقرارات الشرعية الدولية.

وقد أورد تقرير الأمين العام المقدم إلى الدورة السادسة والعشرين للمؤتمر الإسلامي لوزراء الخارجية في بوركينا فاسو في الفترة من 24 - 28 مايو/ أيار 1999 طبيعة الالتزامات العامة والخاصة الواجبة على العراق بمقتضى قرارات الأمم المتحدة، حيث تشتمل على ما يلي:


أدانت المنظمة النظام العراقي منذ البداية وحملته المسؤولية كاملة لعدم الامتثال لقرارات مجلس الأمن الدولي. أما الآثار التي خلفها الحصار الغربي على العراق والمأساة الإنسانية التي يعيشها الشعب العراقي، فإنها لم تثـر سوى قلـق وأسف مؤتمرات القمة الإسلامية
- مراعاة عدم انتهاك الحدود الدولية.
- الالتزامات المتعلقة بالأسلحة.
- إعادة المعتقلين الكويتيين في العراق إلى الكويت وإطلاق سراح غيرهم من الدول الأخرى.
- التزام العراق بتعويض الكويت والدول الأخرى عن الأضرار والخسائر التي لحقت بها نتيجة الغزو والاحتلال غير المشروع للكويت.
- تسديد الديون العراقية مع خدمة الديون. 
- إعادة الممتلكات التي نهبتها القوات العراقية أثناء غزوها واحتلالها الكويت.
- تقديم كشف شهري باحتياطي الذهب بالعملات الأجنبية.
- عدم ارتكاب أعمال الإرهاب الدولي أو مساندتها.
- دور مجلس الأمن بالنسبة للمدنيين العراقيين.

وأيا كان الأمر فإن الدبلوماسية الإسلامية الجماعية في إطار منظمة المؤتمر الإسلامي لم تقم بدورها المنشود في سبيل التغلب على آثار الغزو العراقي للكويت، وإعادة الاستقرار والأمن للنظام الإقليمي في المنطقة، فمنذ البداية أدانت المنظمة العراق وحملته المسؤولية كاملة، بالامتثال الكامل لقرارات مجلس الأمن الدولي. أما الآثار التي خلفها الحصار الغربي على العراق والمأساة الإنسانية التي يعيشها الشعب العراقي، فإنها لم تثر سوى قلق وأسف مؤتمرات القمة الإسلامية. وربما يطرح ذلك إشكالية فعالية المنظمة والتحديات التي تواجهها في مرحلة ما بعد الحرب الباردة.

6 – قضية الشيشان
لا يخفى أن انفراط عقد الاتحاد السوفييتي قد أعاد للذاكرة الإسلامية وعيها بالشعوب المسلمة في شمال القوقاز، وكانت حرب الشيشان الأولى (94 - 1996) تعبيرا عن أزمة التفكك التي أصبح يعاني منها الاتحاد الروسي وريث الاتحاد السوفييتي المنهار. على أن الأزمة ظهرت مرة أخرى عام 1999، حينما لجأت روسيا لاستخدام القوة العسكرية لمواجهة ما تسميه "الحركات الانفصالية" في كل من داغستان والشيشان.

الشيشان: التشرد بعد الحرب

وعلى الرغم من أن الحرب الشيشانية ليست أمرا عفويا أو طارئا، حيث إنها تأتي في سياق الميراث التاريخي للمقاومة الشيشانية الرافضة للهيمنة الروسية، فإنها تطرح في مرحلتها الحالية إشكاليات تتعلق بطبيعة البيئة الإقليمية حول القوقاز والبيئة الدولية، لاسيما ما يتصل منها بدور الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، إضافة إلى الشأن الداخلي الروسي.

والمتتبع لموقف منظمة المؤتمر الإسلامي سواء في مرحلة الحرب الأولى (94-1996) أو الحرب الثانية (99 - 2000)، يلاحظ أنه يتسم بعدم الوضوح، وأنه ينزع إلى التأكيد على الجوانب الإنسانية للحرب في الشيشان. ففي أثناء الحرب الأولى اقتصر موقف المنظمة على مجرد إصدار بيان للإعراب عن قلق المسلمين في العالم من تطورات الأوضاع في الشيشان، والأمل في أن تؤخذ في الاعتبار الحقوق الإنسانية لمسلمي الشيشان

وقد طالبت المنظمات والهيئات الإسلامية في روسيا بتفعيل دور منظمة المؤتمر الإسلامي باعتبارها الأوْلى من المنظمات الدولية الأخرى، غير أنها لم تتحرك بإيجابية إلا في شهر ديسمبر/ كانون الأول 1999 حينما أرسلت وفدا إلى موسكو برئاسة كمال خرازي وزير الخارجية الإيراني وعدد من الوزراء في الدول الإسلامية لبحث الوضع في الشيشان. وقد صرح خرازي بأن المسألة الشيشانية هي قضية داخلية وتتعلق بوحدة أراضي روسيا التي يحترمها العالم الإسلامي، مؤكدا على أن منظمة المؤتمر الإسلامي يمكن أن تقدم المساعدة لدى البحث عن السبل السياسية وليس العسكرية لحل الأزمة الشيشانية.

وتم تأكيد الموقف السابق لمنظمة المؤتمر الإسلامي من المسألة الشيشانية في الدورة السابعة والعشرين لاجتماع وزراء الخارجية، والتي عقدت بكوالالمبور خلال الفترة من 27 - 30 يونيو/ حزيران 2000، إذ أشار البيان الختامي للمؤتمر على أن الحل السياسي والتفاوض هو السبيل لإحلال سلام دائم في القوقاز، ومن ثم يتعين على الحكومة الروسية إجراء مفاوضات مع السلطة الشرعية في الشيشان، استناداً إلى الاتفاق المبرم بين الطرفين عام 1996. كما طالب المؤتمر الحكومة الروسية بتوفير الرعاية اللازمة للاجئين في المخيمات شمال القوقاز، والمساعدة على إعادة الإعمار والتنمية في الشيشان، مع إبداء استعداد الدول الإسلامية لتقديم المساعدة في إيجاد حل سياسي، واستعدادها كذلك لتقديم المعونة الفنية والاقتصادية إذا طلب منها ذلك.

ويلاحظ أن مواقف الدول الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي إزاء المسألة الشيشانية هي جد متباينة، إذ رفضت بعض الدول -مثل مصر والسعودية وقطر- الاتهامات الروسية بأنها تقدم مساعدات للمقاتلين في الشيشان، وأكدت أنها تركز على الجانب الإنساني في القضية، على أن بعض الدول الأخرى التزمت الصمت تماما إزاء تطور الأوضاع في الشيشان.

وثمة اعتبارات مصلحية حكمت مواقف دول إسلامية أخرى، فإيران بحاجة إلى الخبرة الروسية في مجال الطاقة النووية بعد أن توقف تعاونها مع الصين، أما تركيا التي تضم بين جنباتها الآلاف من أبناء القوقاز، فقد قامت بجمع المساعدات وتوفير الدعم للشيشان خلال فترة الحرب الأولى، لاسيما أن موسكو كانت تدعم في ذات الوقت حزب العمال الكردستاني، على أن الأمر قد


هل يظل موقف المنظمة من قضية الشيشان مقتصرا على الأسـاليب السيـاسيـة والدبلوماسية، أي انتقاد العنف الروسي وآثاره على الأبعاد الإنسانية لمشكلة اللاجئين؟!
تغير خلال الحرب الشيشانية الثانية بعد توقيع البلدين على اتفاق تعاون مشترك، وهو الأمر الذي أدى إلى تأكيد قطع تركيا دعمها للمقاومة الشيشانية.

والملفت للنظر حقا أن المواقف الإسلامية غير الرسمية كانت أكثر وضوحا وأسرع تبلورا من المواقف الرسمية، وتنوع التعبير عنها ما بين مساندة معنوية وأخرى مادية. بيد أن السؤال الذي يظل مطروحا هو: هل يظل موقف منظمة المؤتمر الإسلامي مقتصرا على الأساليب السياسية والدبلوماسية، أي انتقاد العنف الروسي وآثاره على الأبعاد الإنسانية لمشكلة اللاجئين؟

خاتمة
يذهب فريق من الباحثين إلى القول بأن أداء منظمة المؤتمر الإسلامي على مستوى التطبيق العملي اقتصر على وجه العموم على مجرد نظر الموضوعات محل الاهتمام ومناقشتها وإصدار توصيات عامة بشأنها، أي أنها شكلت منبراً للحوار والنقاش بين قادة العالم الإسلامي.

بيد أنه مما يحمد للمنظمة أنها ساعدت بشكل أو بآخر على بلورة مواقف إسلامية مشتركة إزاء عدد من القضايا الملحة التي تواجه العالم الإسلامي، ويمكن أن نذكر في هذا السياق القضية المحورية "فلسطين والقدس الشريف"، كما أنها أسهمت في خلق تضامن إسلامي في مواجهة الاحتلال السوفييتي لأفغانستان.

وعلى صعيد آخر ما فتئت المنظمة تثير الاهتمام بقضايا ومشكلات الأقليات والجاليات الإسلامية في العالم، من خلال التعريف بأعداد المسلمين ومشكلاتهم وتحديد أوجه حمايتهم وفقا للمواثيق والأعراف الدولية. وقد توصلت المنظمة إلى مدونة سلوك لمكافحة الإرهاب، وهي اتفاقية تمثل نموذجا يحتذى به على الصعيدين الإقليمي والدولي.

وعلى الصعيد الاقتصادي فإن الطبيعة السياسية الغالبة على المنظمة أدت إلى ضعف الاهتمام بقضية التعاون الاقتصادي بين الدول الإسلامية، ومع ذلك فإن المنظمة سعت جاهدة لوضع قواعد قانونية ومؤسسية تفصيلية لدعم وتنظيم العلاقات الاقتصادية بين الدول الأعضاء، ومن ذلك على سبيل المثال:
- توقيع الاتفاقية العامة للتعاون الاقتصادي والفني والتجاري (1977).
- توقيع اتفاقية تنشيط الاستثمارات وحمايتها (1981).

وعلى المستوى المؤسسي يمكن الإشارة إلى البنك الإسلامي للتنمية، والمؤسسة الإسلامية للعلوم والتكنولوجيا، واللجنة الإسلامية للشؤون الاقتصادية والثقافية والاجتماعية، والغرفة الإسلامية للتجارة والصناعة وتبادل السلع..

أما على الصعيد الثقافي فقد اهتمت المنظمة بوضع بعض الأطر التنظيمية مثل: المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة "إيسيسكو"، ووكالة الأنباء الإسلامية الدولية "إينا"، واللجنة الدائمة للتعاون الثقافي والاجتماعي، إضافة إلى ذلك تم إنشاء أربع جامعات إسلامية في النيجر وأوغندا وبنغلاديش وماليزيا.

على أية حال فإن عملية إصلاح منظمة المؤتمر الإسلامي ترتبط بالإرادة السياسية للدول الأعضاء، إذ إن هذه الدول وحدها تستطيع أن تجعل من المنظمة أداة فعالة لتحقيق التضامن الإسلامي ودعم العمل الإسلامي المشترك. ولعل هذه المسألة أصبحت بمثابة خيار استراتيجي، على قيادة العالم الإسلامي مواجهته في ظل التحديات والمتغيرات التي تفرضها طبيعة المرحلة الراهنة في النظام الدولي الجديد، ويمكن ذلك من خلال تنمية التعاون الاقتصادي وإقامة تكتل إسلامي اقتصادي دولي، وتفعيل الدور السياسي للمنظمة، وإيلاء قضية الأمن الجماعي في العالم الإسلامي أهمية محورية.. فهل يمكن أن تكون قمة الدوحة خطوة على هذا الاتجاه الصحيح؟ ذلكم هو التحدي!!