وليد الزبيدي

يرتبط الحديث عن الخيارات المستقبلية للمقاومة العراقية بمسألتين أساسيتين هما الكيفية التي بدأت بها هذه المقاومة، والبرنامج السياسي لها، ولا شك أن تسليط الضوء على هذين الجانبين ليس بالأمر السهل بسبب غياب أية بيانات أو منشورات تتحدث عن البدايات الأولى للمقاومة العراقية التي يمكن الاستناد إليها في رصد هذا الجانب، كما أن حالة الغموض الذي يبدو أنه غموض متعمد في طرح التفاصيل الدقيقة للبرنامج السياسي للمقاومة العراقية، تشكل عقبة أخرى تقف أمام الباحث والدارس.

لكن سنحاول تناول موضوع الخيارات المطروحة أمام المقاومة العراقية من خلال ما يجري على أرض الواقع، ابتداءً من الأيام الأولى للاحتلال الأميركي للعراق الذي بدأ مع شروع القوات الأميركية والبريطانية في الزحف على الأراضي العراقية من الجنوب، وانتهاءً بالتأريخ الرسمي للاحتلال، وهو التاسع من أبريل عام 2003، وهو اليوم الذي وصلت فيه دبابات المار ينز إلى قلب العاصمة العراقية، وتحديداً أمام باحة فندق فلسطين، لتُسقط تمثال الرئيس العراقي صدام حسين، أمام حشود الإعلاميين، الذين تم تجميعهم في هذا الفندق، بعد أن تعرضت بعض أماكنهم للقصف من قبل القوات الأميركية.



بداية مبكرة

"
بدأت المقاومة العراقية المسلحة في وقت مبكر بعد الغزو وانقسم العراقيون بين من يرى أهميتها وبين من يعتقد ضرورة المقاومة السلمية فقط

"
تعود بدايات المقاومة المسلحة في العراق إلى وقت مبكر من عمر الاحتلال، فبعد دخول الأميركيين بغداد بأيام، وقع أول هجوم تسبب في قتل جندي أميركي في منطقة الاعظمية ببغداد، وتقول مصادر هيئة العلماء المسلمين، إن أول هجوم استهدف القوات الأميركية، حصل في منطقة يثرب قرب الضلوعية (80 كلم شمالي بغداد)، حيث تمركزت القوات الأميركية في قاعدة البكر الجوية.

 لكن الاتساع الكبير في زخم المقاومة بدأ مع أحداث الثامن والعشرين من أبريل 2003، عندما أطلق جنود أميركيون النار على متظاهرين من أبناء مدينة الفلوجة كانوا يتظاهرون احتجاجا على اتخاذ المدارس قواعد للقوات الأميركية في المدينة وسقط عدد من العراقيين بنيران الجيش الأميركي، وسرعان ما تحول مطلب أبناء المدينة من الرغبة في مغادرة أسطح المدارس، لأنها تطل على بيوت العوائل المعروفة بأنها من قبائل عربية محافظة، إلى شرارة أولى للانتقام من جنود الاحتلال، ما لبثت أن انتقلت إلى مدن أخرى في شتى أنحاء العراق ولاسيما في منطقة الوسط، مستخدمة أسلحة تدرجت من قذائف RBG7 إلى مدافع الهاون والصواريخ ثم القنابل الموقوتة والسيارات المفخخة والأحزمة الناسفة.

ومثلما انقسمت وسائل الإعلام في تسميتها للأشخاص والمجاميع الذين ينفذون تلك الهجمات، فإن العراقيين انقسموا أيضاً، فالبعض يفاخر بها في أحاديثه ومجالسه، ويرى أنها من أشجع الأفعال التي ينفذها رجال أبطال، لأنها تهدف إلى إخراج المحتل الأميركي، في حين رأى قسم آخر من العراقيين أن إخراج المحتل بهذه الأعمال ليس الهدف النهائي، وإنما الهدف من تلك الهجمات هو العودة بنظام الرئيس صدام حسين، الذي أسقطته القوات الأميركية في حربها ضد العراق، ورغم مرور عامين على الاحتلال فإن هذا الاختلاف بين العراقيين ما زال قائماً.

نقطة التحول الكبرى

قتيل عراقي برصاص الأميركيين في الفلوجة.. دم أشعل فتيل المقاومة
كانت معركة الفلوجة في أبريل عام 2004 نقطة تحول هامة في مسيرة المقاومة حيث أكدت قوتها العسكرية والشعبية من خلال التصدي للآلة العسكرية الأميركية وقوات نخبتها (المار ينز) واستقطاب تأييد شعبي عبر عن نفسه باندفاع مناطق عراقية مختلفة -من الموصل في الشمال إلى ديالى في الشرق وصولا إلى جنوب بغداد ومدن غرب العراق المختلفة فضلا عن التيار الصدري- إلى تقديم مساندة عسكرية مؤثرة للفلوجة من خلال قطع طرق الإمداد الأميركية للقوات حول المدينة ليظهر أن المقاومة أقوى وأكثر تنظيما وانتشارا وتوحدا مما تصوره الأميركيون من قبل، الأمر الذي يبدو أنه كان وراء تغييرات في التكتيك الأميركي العسكري والاستخباري والدعائي في التعامل مع المقاومة العراقية.


في هذه المرحلة ظهرت في ميدان المقاومة، عمليات الاختطاف لكل من يعمل مع قوات الاحتلال، أو يساند هذه القوات، وحققت هذه العمليات وكذلك ضرب الشاحنات، التي تنقل المعدات والمؤن للجيش الأميركي أهدافها، واضطرت الأميركيين إلى الاعتماد على التخزين أو التجهيز من خلال المقاولين المحليين الذين تم استهدافهم أيضاً، ووضعت المقاومة خططاً لقتل كل من يتعاون مع قوات الاحتلال، بعد تحذيره ثلاث مرات عبر منشورات ورسائل.

ومن الملاحظ أن الغالبية العظمى من الشركات العربية والأجنبية، أعلنت انسحابها من العمل مع القوات الأميركية، الأمر الذي يؤكد نجاح المقاومة العراقية، في فرض حصار على الأميركيين الموجودين داخل العراق، ورغم حديثهم عن اعتماد أسلوب النقل الجوي، فإن الخبراء يقولون إن الطائرات لا تستطيع نقل كميات كبيرة من احتياجات الجيش لأنها لا تمتلك المدارج المفتوحة بسبب تعرضها لنيران وصواريخ المقاومين العراقيين.

وما يمكن قوله بهذا الشأن إنه إذا كان حصار الفلوجة الأول في أبريل عام 2004، قد أفضى إلى خروج المقاومة بهذا الحجم فإن اجتياح الفلوجة أواخر عام 2004 وتدميرها بالكامل، قد أفضى إلى عمليات نوعية يومية تستهدف القوات الأميركية باستخدام السيارات المفخخة، ورغم اختلاف التعبيرات الإعلامية، التي تستخدم في وصف الذين يقودون تلك السيارات فإن بروز هذه الظاهرة ووصول عدد العمليات اليومية إلى معدل يصل إلى خمس عمليات يستدعي من القائمين على صناعة القرار في الولايات المتحدة مراجعة حساباتهم والتفكير ملياً في الإستراتيجية الجديدة، في ضوء المقولة المتعارف عليها، التي تؤكد أن الولايات المتحدة إمبراطورية بآلاف الحدود، ونزيد على ذلك أن انتشار وبروز هذه الظاهرة يعطي مؤشراً خطيراً بالنسبة لمستقبل المصالح الأميركية ليس في العراق والمنطقة وإنما في العالم بأسره.

العراقيون.. نوعان من المقاومة
انقسم العراقيون إلى مجموعتين في تعاطيهم مع مفهوم المقاومة، فالقسم الأول طرح موضوع المقاومة السلمية، في حين رأى القسم الثاني أن لا سبيل لإخراج المحتل إلا باستخدام السلاح. واستند أصحاب الرأي الأول في اختيارهم المقاومة السلمية إلى نقطتين رئيسيتين:

  • الأولى: أن الولايات المتحدة، تمتلك قوة هائلة وتفوقاً مطلقاً، وتمكنت من احتلال العراق خلال ثلاثة أسابيع، رغم وجود دولة بجميع أدواتها من جيش وأجهزة أمنية وجهاز حزبي مدرب ومسلح، وأن هذه القوة، لا تمكن هزيمتها بأسلحة بسيطة وبأعداد قليلة من الرجال.
  • الثانية: رأى هذا الفريق أن العراق بإمكانه استثمار وجود أقوى دولة في العالم على أرضه لبناء مؤسسات جديدة، وإعادة إعمار ما دمرته الحرب، وما نهشه الحصار الاقتصادي، الذي استمر أكثر من عقد. وأعلن أصحاب هذا التوجه أن عدم وفاء الأميركيين بتعهداتهم في بناء العراق، سيكون الدافع للجوء إلى خيار المقاومة المسلحة، وتحدث العراقيون في مجالسهم، في الأسابيع الأولى من الاحتلال عن سقف زمني لتبيان حقيقة الموقف لا يتجاوز نصف سنة.

مقاتل من أنصار مقتدى الصدر.. إسهام في المقاومة
أما الفئة الأخرى فقد اختارت المقاومة المسلحة منطلقة من اقتناعات ترى فيها أن هدف المحتل أبعد بكثير من تغيير النظام السابق والسيطرة على النفط العراقي، وأن المشروع الأميركي في احتلاله للعراق، يرتبط بالإستراتيجية الإسرائيلية الأميركية في الهيمنة على العالم وإخضاع العالم الإسلامي لسيطرتها بصورة كاملة، وأن نجاح الأميركيين في العراق، يعني تحقيق الهدف الأكبر في الإستراتيجية البعيدة المدى، ومن الواضح أن هذه الاقتناعات انتشرت بين أعداد كبيرة من العراقيين، الذين يحملون السلاح ضد القوات الأميركية، وقدر عددهم مدير المخابرات في الحكومة العراقية المؤقتة اللواء الشهواني بأكثر من ثلاثين ألف مقاتل مدرب، إضافة إلى أكثر من مائتي ألف شخص يقدمون لهم الإسناد والعون، ويشكل هؤلاء مع عوائلهم البيئة الحاضنة للآلاف من المقاومين العراقيين، الذين ينتشرون في الغالبية العظمى من المناطق العراقية.


الخيارات المستقبلية
من خلال القراءة المقتضبة التي قدمناها يمكن القول إن المقاومة العراقية المسلحة، التي بدأت بعمليات بسيطة وباستخدام أسلحة بسيطة، قد انتقلت إلى قوة ضغط، ليس على الوحدات العسكرية الأميركية المنتشرة في العراق فحسب، بل إن هذا الضغط والتأثير يطال اليوم وبقوة العقول الأميركية، التي تصوغ سياسة الدولة الأولى في العالم، وقد يرى البعض مبالغة في هذا القول، ولكن من يتأمل بعمق في اتجاهات السياسة الأميركية يكتشف بوضوح أن ثمة ارتباكات واضحة في الأداء السياسي الأميركي، لكن قوة هذه الدولة العسكرية وسطوتها الاقتصادية وهيمنتها على وسائل الإعلام، تخفف كثيراً من عملية بروز تلك العيوب التي يمكن القول إنها الثغرات النافذة والمؤثرة في جدار السياسة الأميركية التي أحدثتها المقاومة العراقية.

من هنا يمكن القول إن الغموض الذي يكتنف المقاومة العراقية، وعدم الإعلان عن نفسها، وما يتعلق ببرنامجها السياسي الذي أثير حوله الكثير من النقاش في الأشهر الأولى من عمر المقاومة العراقية، يبدو الآن أكثر وضوحاً بعد مرور عامين من احتلال العراق، من خلال المقارنة بين ثلاث هجمات متباعدة تحصل خلال ثلاثة أسابيع، وعشرات الهجمات النوعية بأسلحة متقدمة وأساليب مبتكرة، رغم جميع الاحترازات والإجراءات التي تتخذها القوات الأميركية، ومن أبرزها محاولة اختراق العراقيين للوصول إلى المقاومين، لكن يكتشف الأميركيون أن اختراق النسيج العراقي المتماسك معضلة، وأن الوصول إلى المقاومين لا يتحقق، وعلى الطرف الآخر فإن المقاومة تزداد وتتسع قاعدتها يوماً بعد آخر.

في ضوء ما قلناه وللوصول إلى مسألة الخيارات المستقبلية للمقاومة العراقية، لابد من طرح سؤال يبدو أنه في غاية الأهمية، فالجميع يعرفون أن سؤالاً واحداً ظل يتردد في الأوساط السياسية والاجتماعية العراقية والعربية، خلال السنة الأولى من الاحتلال، ويقول هذا السؤال هل تتمكن المقاومة العراقية من إخراج قوات الاحتلال الأميركي من العراق؟ أما السؤال الذي يطرح نفسه الآن وبعد أن أثبتت الوقائع والأحداث قوة وتشعب المقاومة العراقية، فإنه يتمحور حول القدرات العسكرية والاستخبارية والإعلامية والإلكترونية الهائلة، التي تمتلكها القوات الأميركية داخل العراق، ويقول السؤال الذي يبدو أن العديد من الأطراف وفي المقدمة منها الإدارة الأميركية لا تريد طرحه بصورة مباشرة، يقول هل تتمكن القوات الأميركية من القضاء على المقاومة العراقية؟

إن طرح هذين السؤالين ضمن فترتين زمنيتين متداخلتين يقود إلى الإجابة عن طبيعة وشكل الخيارات المستقبلية للمقاومة العراقية، إذ يمكن القول إن أولى ملامح الفشل الأميركي في العراق تتمثل في نقطتين أساسيتين:

  • الأولى: اعتراف كبار قادة البنتاغون بأنهم تفاجؤوا بحصول مقاومة بهذا الحجم وهذه القوة وبالشراسة التي يرونها على أرض الواقع.
  • الثانية: التطور المتسارع في الهجمات التي ينفذها رجال المقاومة سواءً من حيث النوع أو التوقيت والانتشار في مناطق مختلفة من العراق، مع إمكانية رصد الجهد الاستخباري الواسع للمقاومة العراقية، الذي يدل على وجود خطط بعيدة المدى، وانتشار تشكيلاتها السرية، في مفاصل حيوية ومهمة في عمق الإدارة الأميركية والجهات المساندة لها، وهذا ما بدأت تعترف به جميع الأطراف المعنية بهذا الأمر.

هل هو اعتراف بما يجري؟

"
الأميركيون قد يضحون بجزء من مشروعهم الكبير في المنطقة والعالم من خلال الحوار مع المقاومة العراقية بعد أن اقتنعوا بعدم إمكانية القضاء عليها عسكريا

"
وإذا ما تأملنا ذلك بدقة فقد نتوصل إلى نقطة في غاية الأهمية تتمثل في فشل الأميركيين في القضاء على المقاومة العراقية، وهذا يقودنا إلى النقطة الأهم وهي هل ستتمكن المقاومة العراقية من طرد قوات الغزو الأميركي. وما هي الطريقة التي تتبعها في تحقيقها لهذا الهدف؟

لا شك أن التسريبات التي جرت مؤخراً عن إجراء الأميركيين مفاوضات مع المقاومة العراقية، قد تجيب على نصف السؤال، فهذا يعني أن الأميركيين بدؤوا في الاعتراف بحقيقة ما يجري، وأنهم قد يضحون بجزءٍ من مشروعهم الكبير الذي أرادوا تنفيذه في المنطقة والعالم الإسلامي وبقية دول العالم انطلاقاً من العراق، من خلال التحاور مع القوة العسكرية التي تقاتل قواتهم يومياً، وتؤثر بقوة على مشاريعهم الاقتصادية والسياسية، وتنطلق الإدارة الأميركية في لجوئها إلى الحوار مع المقاومين العراقيين، من زاويتين:

  • الأولى رسوخ اقتناعها بأن المقاومة التي استمرت عامين وتسجل تصاعداً كبيراً على مختلف المستويات لا يمكن القضاء عليها، وأن المراهنة على إيقافها تعني المراهنة على المستحيل.
  • الثانية أن الدخول في حوار والوصول إلى حلول وسطية في هذا الظرف قد يكونان الأفضل، لأن تطور إمكانات المقاومة العراقية، ووصولها إلى مرحلة إسقاط الطائرات على سبيل المثال يعني أن المقاومين سيتمكنون من احتلال قواعد أميركية بالكامل، ودخول حرب المقاومة مرحلة قتل أعداد كبيرة من الأميركيين وأسر أعداد أخرى.

ويعرف الأميركيون قبل غيرهم أن الحاجز الوحيد، الذي يقف أمام المقاومين العراقيين في تنفيذ تلك العمليات النوعية والكبيرة، هو وجود الطائرات المروحية، التي تسارع إلى إنقاذ الأرتال الأميركية إذا ما تعرضت لهجمات المقاومين، أما إذا امتلكت المقاومة العراقية أسلحة إسقاط هذه الطائرات، فإنها ستنفذ هجمات سريعة وخاطفة، وتكبد الأميركيين خسائر فادحة لن تحتملها الإدارة الأميركية، وعند ذاك ستعلن هزيمتها الكبيرة، خاصة أن المقاومين العراقيين يستخدمون أحد أهم أدوات العولمة في مخاطبة العالم، من خلال تصوير العمليات وتوزيعها على وكالات الأنباء والفضائيات، ومن خلال استخدام شبكة المعلومات الدولية (الإنترنت).

المسألة الأخرى التي أعتقد أن الأميركيين بدؤوا يضعونها في الاعتبار هي مسألة أن تتحول هزيمتهم في العراق إلى حافز قوي، يشجع الكثير من الشباب في البلدان الإسلامية، وحتى في بقية دول العالم على استهداف الأميركيين، بعد أن تبين لهم أن القوة الأميركية العملاقة سرعان ما انهارت أمام إرادة المقاومين العراقيين، وهذا قد يكون المنفذ الأخطر، لانهيار وانحلال الإمبراطورية الأميركية، الذي تنبأ به الكاتب الأميركي الشهير غور فيدال منتصف تسعينيات القرن الماضي.

إلا أن الأمر اللافت هو أن المقاومة العراقية بجميع فصائلها، التزمت الصمت حول موضوع الحوار مع الجانب الأميركي، الذي تم تداوله في وسائل الإعلام، الأمر الذي قد يعني أن قيادات هذه المقاومة تريد أن تحقق هدفها الأساسي، وهو خروج قوات الاحتلال من العراق، دون الخوض في حرب شاملة مع الأميركيين، وقد يكون ذلك تكتيكاً لتحقيق أهداف مرحلية، وربما يحقق ما تسعى إليه المقاومة كلياً.




_______________
كاتب عراقي