ولد عراقي يحمل غصن زيتون ويقف أمام مجموعة من الشعارات الحزبية

هاني إلياس الحديثي

بعد سقوط السلطة والدولة بالشكل الذي خططت له وأرادته الولايات المتحدة في العراق، ظهرت عشرات التكوينات التي أطلقت على نفسها صفة حزب سياسي كحالة طبيعية لمجموعة عوامل أبرزها:

  1. الحرمان المطلق من فرص العمل السياسي في العراق منذ فشل تجربة الجبهة الوطنية والقومية التقدمية أواخر السبعينيات من القرن العشرين.
  2. الإحباط وردود الفعل العنيفة التي سادت الشارع السياسي العراقي إثر سقوط العراق في أحضان الاحتلال الأجنبي الذي لم يكن يخطر على بال.
  3. الفراغ المطلق لأي شكل من أشكال السلطة وسيادة شرعة الفوضى المطلقة التي انطلقت معها كل الإرادات والإرهاصات والانفعالات الفردية والجمعية.
  4. مجيء عدد من القوى السياسية المنظمة في الخارج والمسندة من قبل قوات الاحتلال والتي أطلقت على نفسها صفة قوى المعارضة، إلى جانب قوى أخرى كانت تعمل وفق توجهات وطنية أو إقليمية أو خارجية.
  5. وجود شخصيات وطنية نافذة وقوى خامدة كانت تعمل وتلتقي تحت أطر أكاديمية أو ثقافية أو واجهات أخرى وتنتظر الفرصة المناسبة للظهور على الساحة.

وتأسيسا على ما تقدم اندفع الجميع إلى الساحة للظهور ومحاولة استثمار الواقع وتحت دواع ومقاصد مختلفة ولكن أهمها:

أ- معارضة الاحتلال الأجنبي والسعي إلى التصدي لما يراد تحقيقه على أرض الواقع.

ب - تأييد الاحتلال الأجنبي واعتبار سقوط السلطة والدولة تحريرا للبلاد من طغيان السلطة السابقة.

ج - تحقيق مقاصد زعامية شخصية مدفوعة بتأييد واجهات دينية أو طائفية أو عرقية أو عشائرية، فضلا عن قوى إقليمية مجاورة سعت لأن يكون لها دور في الساحة العراقية خدمة لرؤاها ومصالحها الأمنية والإقليمية.

ولا ينبغي هنا إهمال دور بعض المؤسسات الرسمية أو غير الرسمية التي كانت قائمة في السابق وخاصة ما كان منها جزءا من رأس مال سلطة النظام السابق وسعت إلى توظيفها باتجاهات مختلفة.


الأحزاب والقوى السياسية بدأت أخيرا رفع شعارات المصالحة الوطنية، بيد أن هذه الشعارات يتم توظيفها تبعا لرؤية تلك الأحزاب
وفي ضوء ما تقدم انتشرت واتسعت قائمة الأحزاب والقوى السياسية التي استثمرت كل ما تقدم لإصدار صحفها الخاصة التي زادت أعدادها عن أعداد الأحزاب ليرى المواطن نفسه أمام ما يقارب 150 صحيفة بعضها ينطق باسم منظمات واتحادات هي ذاتها اتسعت وتشعبت بشكل فوضوي ينقصها الدقة في المعلومات والأسلوب والموضوع والإخراج كنتيجة طبيعية لتشرذم وغياب الأهداف الواضحة والثابتة، وهذا ينطبق على الأغلبية الساحقة.

وفي ظل هذه المساحة الواسعة من الاضطراب والتضارب والتناقض، غاب الفعل السياسي المؤثر في التشكيل الجمعي للرأي العام العراقي الذي عصفت به النوائب واهتزت لديه الرؤى في ظل تهشيم واسع النطاق للقيم التي همشت سابقا وهشمت الأن، الأمر الذي جعل من أغلب الأحزاب التي ظهرت مجرد تجمعات كرتونية لا يزيد عدد أعضائها على أعداد موظفي مكاتبها، وقد أدى هذا الأمر إلى تنادي بعض القوى لتحقيق تجمعات سياسية تؤطر كل منها مجموعة من الأحزاب فظهرت التجمعات الغائية مثل التجمع من أجل العراق، والتجمع الجمهوري، والتجمع الإصلاحي، والتحالف الوطني، فضلا عن بدء بروز تجمعات أو مشاريع لجبهات سياسية ومنتديات سياسية وطنية أو قومية. ومن الطبيعي في مثل هذا الحال أن تتآلف أو تتعاون أو تتحد القوى الصغيرة مع قوى أكبر في ظل الاعتمادية المالية وعناصر أو جهات الدعم المالي داخلية كانت أم خارجية مع ظاهرة حب الاحتفاظ بالهوية الذاتية لكل من هذه الأحزاب أو القوى السياسية.

بيد أن الظاهر من مجمل هذه القوى وجود مشتركات أساسية تتجسد في طبيعة الشعارات مثل: عودة السيادة (الاستقلال، الديمقراطية، التعددية، المطالبة بنظام نيابي دستوري، العدالة، التنمية.. إلخ).

وقد تم التعبير عن هذه المشتركات في مؤتمرات كثيرة كانت جلها تعقد تحت شعار "من أجل العراق"، و"نحو عراق ديمقراطي حر وموحد". ولم تخرج المؤتمرات التي عقدتها عشائر العراق التي توزعت بين أعداد كثيرة من العناوين عن تلك الشعارات، الأمر الذي ألحق العشائر بمشكلة السياسة ومعضلاتها.

وهكذا بدأت الإرهاصات الأولية لتجميع الصفوف وكانت خطوة إيجابية ولكنها على ما يبدو لا تزال تعيش أجواء التناقضات والأهواء التي تتطلب زمنا غير قليل من أجل الوصول إلى الهدف.

وفي ظل هذا الواقع المرير والمؤلم والمحبط للذات، ظهرت روابط وجمعيات مهنية وطنية -أكاديمية وثقافية وأدبية وصحفية وغيرها- بعضها تابع لهذا الاتجاه أو ذاك وبعضها يسعى للبقاء مستقلا ولكن عليه أن يتحمل الضغوط النفسية والمالية لأن الجميع غير مستعد للمعاونة من دون مقابل سياسي، ومع ذلك ظهرت روابط لها فاعليتها معتمدة على جهد عشائري وطني مخلص.

’’
الفيصل الحاسم في قوة أي تيار هو الموقف من الاحتلال وعودة السيادة وقوة المنطق المدعوم بالفعل المادي في مقاومة الاحتلال، فضلا عن إمكانية تقديم برنامج وطني عراقي
،،

وليس من الغريب القول إن أصعب ما تواجهه مجمل هذه الاتجاهات معضلة الأمن وغياب السلطة التي أدى غيابها إلى توظيف الفوضى العارمة من قبل عدد من القوى لشن حملة تصفيات جسدية طالت عددا كبيرا من المحسوبين على النظام السابق وراح ضحيتها علماء وأطباء وأساتذة جامعات وقضاة وعسكريون وصحفيون. ولا تزال تلك الحملات مستمرة، الأمر الذي أدى إلى هجرة واسعة لأصحاب العقول.

والإشكالية الأساسية هنا أن الجميع متهمون والجميع يتعرضون لحملات التصفيات، والخاسر الوحيد هو العراق شعبا وتاريخا، ذلك أن لكل فعل رد فعل مما أدى إلى توزيع الدم المسفوح "على القبائل"، خاصة أن بعض الجهات الدينية دعت إلى إراقة دم البعثيين واعتبرته مهدورا تحت شعارات دينية لا تتصل والشريعة بصلة.

إذا علمنا أن عدد البعثيين من أعضاء حزب البعث المنحل يتجاوز خمسة ملايين نسمة من أصل 25 مليون عراقي، الأمر الذي يعني ازدياد بؤر الفقر والعنف التي لا يستقيم معهما أمن ولا استقرار ولا نظام ولا انتخابات، وقد زاد الأمر سوءا تعرض عشرات الآلاف وبحسب أرقام مجلس الحكم 60 ألف موظف إلى الإقصاء من وظائفهم كونهم يمثلون قيادات حزبية. وإذا أضفنا إليهم نصف مليون عسكري وعشرات الآلاف من منتسبي المؤسسات التي تم حلها فإن مليون عراقي قد فقدوا رزقهم مع عوائلهم منذ ما يقارب السنة بموجب ما أطلق عليهم "قانون اجتثاث البعث". هذا هو واقع المجتمع العراقي اليوم فكيف يكون المستقبل؟

لقد بدأت الأحزاب والقوى السياسية متأخرة تدرك حجم الكارثة التي يعيشها العراق فبدأت ترفع شعارات المصالحة الوطنية، بيد أن هذه الشعارات يتم توظيفها تبعا لرؤية تلك الأحزاب والقوى التي لا تريد للبعث المنحل أن ينهض مرة أخرى خشية عودته وسيطرته على الساحة الساحة السياسية.

ولا يبدو أن أمام أغلب الأحزاب السياسية القائمة فرصة طيبة للاستمرار من دون دعم عشائري أو دعم خارجي وربما الاثنين معا، وكلا الدعمين حالة غير مستمرة وإنما هي تتوقف على مجموعة معطيات منها أن الدعم الخارجي يتوقف عند حدود إمكانية الانتشار لدى هذه الأحزاب، في حين يتوقف الدعم العشائري من حيث توفير فرص تأييد اجتماعي على ما تستطيع هذه الأحزاب أن تقدمه من دعم مالي أو دعم معنوي يرجح ثقل مجالس العشائر على غيرها من المجالس المتنافسة فيما بينها.

وأرى أن الحل الوحيد الممكن هو اندماج أعداد مهمة من الأحزاب في تشكيلات موحدة سواء بصيغة الانصهار أو بصيغة جبهوية، خاصة أن أعدادا كبيرة منها تشترك في الأهداف والشعارات ذاتها ولا يحول دون ما تقدم سوى المصالح الشخصية.

ولأجله فإن مستقبل الأحزاب السياسية في العراق يمكن تلخيصه بالتيارات الأساسية ذات البعد التاريخي وهي:

  1. التيارات الدينية السنية منها أو الشيعية وخاصة أحزاب الإخوان المسلمين، والإسلامي، والدعوة.
  2. التيارات القومية التي توزعت بين عدد كبير من الحركات والتي إذا ما توحدت يمكن أن تشكل حزبا أو حزبين قوميين أساسيين.
  3. التيار الماركسي الذي يستفيد من عمقه التاريخي في تواجده المحدود.
  4. ويبقى الحزبان الكرديان الأساسيان: الحزب الديمقراطي والاتحاد الوطني، أكثر الأحزاب انتشارا أو نفوذا في الأوساط الكردية، وإلى جانبهما الجبهة التركمانية.

لا ينبغي تجاهل ما تشكله المقاومة للاحتلال من نفوذ حقيقي عند الرأي العام العراقي والتي تستطيع أن تقدم دعمها لهذه القوى السياسية أو تلك التي يمكن أن تشكل الذراع السياسي الناطق باسمها، وحينها ستجد لها فعلا مؤثرا ومدعوما لتضرب عبر جناحها العسكري هنا وتتحاور عبر جناحها السياسي هناك.

وسيبقى الفيصل الحاسم في قوة أو ضعف هذا التيار أو ذاك هو الموقف من الاحتلال الأجنبي وعودة السيادة وقوة المنطق المدعوم بالفعل المادي في مقاومة الاحتلال، فضلا عن إمكانية تقديم برنامج وطني عراقي يجمع العراقيين تحت برنامج وأهداف مشتركة بعيدا عن تسييس الدين، أو ترجيح لجانب عرقي أو طائفي. فالشعب العراقي يظل يبحث عن المشتركات التي تجمع ولا تفرق، ويبقى الشعب بطبيعته منحازا للفعل الوطني.

ويبقى من المهم ذكره أن ساحة الفوضى العارمة واسعة الانتشار هي حالة استثنائية، ولكنها يمكن أن توفر قاعدة لديمقراطية حقيقية تشهد التعددية الحزبية المؤطرة بدستور دائم ينظم البلاد ويمنعها من العودة إلى عهود الفردية والشمولية.
ـــــــــــ
أكاديمي وباحث عراقي