أيمن الصيــاد


تحت صورة الشيخ جابر الأحمد الصباح، وقف الجنرال تومى فرانكس قائد القيادة المركزية الأميركية ليؤكد خلال مؤتمر صحافى عقده فى الكويت قبل أيام أن قواته "مستعدة لتنفيذ كل ما يطلب منها من مهمات"، فى إشارة إلى قرار ـ يبدو مؤكدا ـ قد يتخذه الرئيس بوش بضرب العراق. وموضحاً أن حجم التدريبات التى تجريها القوات الأميركية فى الخليج هو "الأكبر على مدى 11 سنة"، وأشار الجنرال الأميركى إلى أنه سمع من المسؤولين الخليجيين الذين التقاهم ثناء بالغاً على خطاب بوش.

على الناحية الأخرى من الكرة الأرضية، وبعد ساعات استوجبتها فروق التوقيت، كان الناطق باسم البيت الأبيض آرى فلايشر يقف مهندما بربطة عنق أنيقة، أمام الصحفيين الملولين فى البيت الأبيض، ليعلن أن الجنرال فرانكس سلم بوش خطط الحرب قبل أيام. وأن الرئيس طلب من وزير الدفاع دونالد رامسفيلد أن يطلب خيارات (مبدعة) من قادة الجيش الميدانيين.
خارج القاعة المزدحمة بأكواب القهوة وعلب العلكة الفارغة، كانت شاشات التليفزيون بالبيوت الأميركية مشغولة ـ ساعة الذروة ـ بمتابعة أخبار قضية الأم التى فضحها شريط فيديو وهى تضرب ابنتها (أربعة أعوام) داخل سيارة العائلة.


الولايات المتحدة لم تكتف باستخدام المفتشين فى مهمات تجسسية، بل مارست ضغوطًا كى يقدم هؤلاء على ممارسات يرفضها الجانب العراقى من أجل خلق وضع يبرر التدخل العسكرى المباشر
بين ضجيج التصريحات والتهديدات، ومصطلحات الدبلوماسية الباردة المتلونة فى الاجتماع السنوى للأمم المتحدة، كان المشهد فى رام الله مختلفا ـ ومتوقعا ـ الدبابات تقصف مقر زعيم الفلسطينيين (الذين وعدهم بوش فى خطابه "العراقي" بدولة) وانفجار ضخم يتلوه تصاعد سحابات الغبار والدخان. ومكبرات الصوت تنذر من بالداخل بتفجير ماتبقى من المبنى على من فيه. ويختلط أزيز الدبابات المحاصرة برنين هواتف الرؤساء والزعماء بهتافات الفلسطينيين المحاصرين فى مخيماتهم ومدنهم.. وتأتى التطمينات، لتجد الصحف العربية ماتنشره: "الإسرائيليون أكدوا أنهم لن يقتلوا عرفات"!! ولكن، تنقل وكالات الأنباء الصورة: " يتقدم جندى إسرائيلى فى هدوء وينزع العلم الفلسطينى من سطح المبنى ويزرع مكانه علم إسرائيل". وينسى الجميع ـ ربما ـ أن أوسلو التى تم توقيع اتفاقها فى حديقة البيت الأبيض كانت "مشروع دولة"، وكان مبنى المقاطعة (المجمع الرئاسى للسلطة الفلسطينية فى رام الله / مقر عرفات)، رمز هذه الدولة / المشروع.
***
لاخلاف تقريبا حول أن الإسرائيليين سينتهزون فرصة الدخان الكثيف الذى سينطلق من شاطئ الفرات ليتموا ما بدأه شارون وصرح به علنا "لاوجود لأوسلو". بل إن كتاب الأعمدة الإسرائيليين يطالبون الجيش بالانتهاء "مما بيده الآن" إذ يعتقد الدكتور يوسى أولمرت فى "يديعوت أحرونوت" 17/9/2002: أن "الساعة الأميركية تدق ببطء مقارنة بالساعة الإسرائيلية".. ويطالب الكاتب الإسرائيلى بانتهاز الفرصة التى قد لاتعوض "فمركزية كونية كهذه تبدو وضعا غير طبيعى..إذ إن القوة الأميركية هى شيء خارق"، مذكرا بأن الميل اليهودى إلى العزلة "قادنا على مر الأجيال إلى أخطاء مأساوية فى التعامل مع دول عظمى. لكننا نتواجد اليوم فى الجانب الصحيح للمتراس، إذ إننا حلفاء أعظم دولة فى العالم.. علينا الحفاظ على هذا الكنز بكل ثمن تقريبا..لكن يخطئ أولئك الذين يظنون بأن التحالف مع أمريكا يمنحنا حبلاً طويلاً دونما نهاية ومتسعا غير محدود من الوقت". انتهى كلام أولمرت.
الخلاف إذن داخل إسرائيل ـ إذا كان ثمة من خلاف ـ ينحصر فى الإجابة عن السؤال الآتى: هل نطلق طلقتنا "الأخيرة" الآن، أم ننتظر طلقة واشنطن "الأولي" على بغداد.
***
تتعدد الخطط السرية.. وتتعدد التسريبات "المقصودة". وفى انتظار الخيارات "المبدعة"، يقف جورج دبليو بوش تحت الشعار التاريخى للأمم المتحدة (لاحظ) تحت الشعار التاريخى للأمم المتحدة مهددا المنظمة الدولية بأنه ربما اضطر للتصرف منفردا، ومعددا: "استخدم الأسلحة الكيميائية ضد شعبه.. اجتاح أراضى جيرانه.. صادر الحريات المدنية و"قتل الألوف من مواطنيه". بعض من لائحة الاتهام الطويلة بحق السيد صدام والنظام العراقى.

هكذا قال الرئيس الأميركى. فماذا تقول روزنامة التاريخ؟
* فى سبتمبر 1980، هاجم نظام بغداد إيران، وبعدما واجه صعوبات فى الحرب ـ حسب ماذكرت الصحف الأميركية ذاتها ـ استخدم الأسلحة الكيميائية قبل أن يقتل بالغاز فى حلبجة فى مارس 1985، خمسة آلاف من الأكراد العراقيين. فماذا فعلت واشنطن؟ هل أطلقت وقتها حملة لإيقاف هذا "الطاغية الدموي"؟ على العكس، تحكى أوراق تلك المرحلة كيف قام يومها نحو ستين ضابطًا أميركيا بتزويد القيادة العسكرية العراقية سرًا بـ"المعلومات المفصلة حول انتشار القوات الإيرانية" وكيف كانوا يناقشون معهم الخطط القتالية. وكيف لم يعترض هؤلاء المستشارون على استخدام الغاز "المحظور بموجب اتفاقية جنيف"، والقصة هنا منشورة بتفاصيلها فى نيويورك تايمز قبل أسابيع.

* فى 1983 وبالتحديد فى 20 ديسمبر التقى دونالد رامسفيلد (وزير الدفاع الحالى وأكثر صقور الإدارة الأميركية مطالبة برأس صدام حسين) الرئيس العراقى، فى إطار "مهمة خاصة" كلفه بها وقتها الرئيس رونالد ريجان. والموضوع ذَكرَّت به قبل أيام فقط شبكة CNN بعد أن عثر صحافيوها مصادفة فى أرشيفهم على صور المقابلة.


هل تؤيد فرنسا اتخاذ قرار يتيح توجيه إنذار إلى إسرائيل من أجل احترام قرارات مجلس الأمن كما هى مستعدة أن تفعل تجاه العراق؟
* فى عام 1984 تحكى أوراق العلاقة الأميركية العراقية كيف استأنفت إدارة ريجان علاقاتها الدبلوماسية مع بغداد بعد انقطاعها منذ حرب 1967، ثم سرعان ما شطبت اسم العراق من قائمة الدول المساندة للإرهاب باعتباره "السور الواقى فى وجه الثورة الإسلامية".
* فى يناير 1989، وقّع بوش الأب، بعد أن تولى الرئاسة، تعميمًا ينص على: "أن من شأن العلاقات الطبيعية بين الولايات المتحدة والعراق أن تخدم مصالحنا على المدى البعيد وتدفع فى اتجاه الاستقرار فى الشرق الأوسط والخليج..".
* خلال تلك الفترة صدّرت الشركات الأميركية إلى العراق وبموافقة وزارة الخارجية مواد يمكن استخدامها فى إنتاج الأسلحة الجرثومية. ولمن يريد أن يتأكد أن يراجع تقارير مجلس الشيوخ الأمريكى عام 1994 على الموقع الخاص بـ Znet Commentary .
وفى حين تستهدف الحملة الأميركية رسميا أسلحة الدمار الشامل التى تمتلكها بغداد. فإن خطاب الرئيس بوش الذى نَظَّر لتلك الحملة جاء فضفاضًا ومزدحمًا بالشروط التى قد يستحيل التأكد من تنفيذها، بالضبط مثل حال خطابه الخاص "برؤيته" للحل فى الشرق الأوسط وللتذكير، فإن القرار 687 الصادر عن مجلس الأمن الدولى فى 3 أبريل 1991 طلب نزع أسلحة الدمار الشامل العراقية، ويوضح البند الرابع عشر منه أن هذه الإجراءات "تندرج فى مسار يهدف إلى خلق منطقة منزوعة من أسلحة الدمار الشامل والصواريخ الحاملة لها فى الشرق الأوسط". وللتذكير أيضًا فإن إسرائيل هى الدولة الوحيدة فى المنطقة التى لا تخضع أنشطتها النووية للتفتيش، رغم الثابت من كونها "الوحيدة أيضا" التى تمتلك السلاح النووى وليس فقط إمكانات تطويره.
***
وأياً ما كان الرأى فى جدوى ما أنجزه مفتشو الأمم المتحدة بين 1991 و1998، بغية التأكد من إزالة أسلحة الدمار الشامل العراقية، فإن الثابت ـ أولا ـ أنهم ذهبوا إلى هناك لمهمة محددة، وفقا لقرار الأمم المتحدة. والثابت ـ ثانيا ـ حسب أوراق المنظمة الدولية الرسمية أن المفتشين على مدى تلك السنوات قاموا بجهد ضخم تجاه تدمير البرنامج النووى وكامل ترسانة الصواريخ تقريبا إضافة إلى قسم كبير من الأسلحة الكيميائية. وكانت عملية نزع الأسلحة والانتهاء من الحصار قد وصلت تقريبًا إلى خواتيمها. إلا أن كل شيء انهار فجأة.

وهنا تختلف بالطبع التحليلات والتأويلات. إلا أنه إلى جانب الحديث الكثير جدًا عن المراوغة العراقية، هناك حقائق الحصار والتجويع التى لم يجادل فيها أحد، وهناك من يعتقد أن واشنطن كان لها فى واقع الأمر أهداف أخرى.
فى 30 يوليو الماضى نشرت الفاينانشيال تايمز اللندنية على لسان رالف ايكيوس، مسؤول عمليات التفتيش التى قامت بها الأمم المتحدة فى العراق بين 1991 و1997، أن الولايات المتحدة لم تكتف باستخدام المفتشين فى مهمات تجسسية، بل مارست ضغوطا "كى يقدم هؤلاء على ممارسات يرفضها الجانب العراقى من أجل خلق وضع يمكن أن يبرر التدخل العسكرى المباشر" ويبدو أن هذا ما حدث فى يناير 1998 عندما قررت واشنطن قصف العراق من دون موافقة الأمم المتحدة، يومها رحل المفتشون ليبقى برنامج التسلح العراقى من دون أى رقابة.
هل تسعى الولايات المتحدة حقًا لعودة المفتشين؟ السؤال لم يتجاوزه فقط خطاب بوش الشهير، بل تبدو الإجابة عنه قديمة، لمن يقرأ.. ويراجع يوميات السنوات العشر. وحتى إن اختلفت لغة القراءة، وهذا مفهوم فى يوميات السياسة والدبلوماسية والحرب، فلا خلاف اليوم بعد أن أصبحت الصراحة ـ أو "البجاحة" إن شئت ـ بدلاً من المواراة والتعابير الدبلوماسية، لغة السياسة الأميركية.
لم تعد الولايات المتحدة تسعى إلى عودة المفتشين، وهذا بات مفهومًا. كما لم تعد تهدف فقط إلى إزالة أسلحة الدمار الشامل، وذاك صار معلومًا.
***

كل ما يحدث فى العراق الآن ويعتبره الأميركيون سببًا للحرب، كان يحدث قبل عام 1990 عندما كان صدام حسين أحد أصدقاء النظام الأميركى الخلصاء
ماذا يريد الأمريكيون إذن؟
بوهم التمنى، وإدمان اجترار ذكريات صداقات مشكوك فى صدقيتها، تختلفُ الإجابات ـ نسبيا ـ فى شرقنا الذى هو فى التحليل النهائى ميدانُ المعركة.. والتحولات.
رغم الاختلاف ـ لا التباين ـ يعتقد الجميع، أو يخشون على الأقل ـ أن تكون بغداد نقطة انطلاق لإحداث "جراحة جيو سياسية" فى المنطقة كلها.
ولكل جراحة أعراض جانبية بالضرورة.
أياً ماكان الاختلاف فى الرأى، فإن الثابت أنه بعكس إسرائيل التى يقول غالبية جيرانها أنها تشكل تهديدا لهم، لا يوجد جار واحد للعراق يدعى أنه ـ بحالته الحاضرة ـ يهدده أو يهدد أمنه. والثابت ـ ثانيا ـ أن إسرائيل لا تخفى رغبتها أن يضرب العراق ـ فالحرب تطلق يدها لتطبيق خطوات وخطط موجودة فى أدراجها، كما توفر لها فرصة تنفيذ خطوات ذات مغزى سياسى مباشر.
والثابت ـ ثالثا ـ أن الكلام الأميركي/الإسرائيلى عن استهداف إصلاح القيادة الفلسطينية.. ثم إقامة نظام "ديمقراطي" فى العراق. سيعقبه كلام آخر كثير.
والثابت ـ رابعا ـ أنه تتحكم حاليا عناصر مشكوك فى حيادها بقضايا الأمن القومى والسياسة الخارجية الأميركية فى مناخ تظلله سحابات غامضة من تصورات الأصولية الأميركية المسيحية واليمين الإسرائيلى للعالم، هذا التصور الذى لا يقسم العالم إلى قوى خير وشر فحسب، بل يفرد لإسرائيل مكانة توراتية بين قوى الخير.
***
وأياً ماكان الأمر فإن الأميركيين يراهنون ـ أو لعلهم يثقون ـ فى أن الكلام عن "ردود فعل شعبية لايمكن التحكم بها" مبالغٌ فيه. ويذكر المراقبون بالتخوفات ـ التى ظلت نظرية ـ من آثار ضربة أميركية لأفغانستان "المسلمة" فى شهر رمضان الماضى. الأمر الذى كشفت التجربة عن أنه لم يسفر فى محيط مليار مسلم عن أكثر من تظاهرات غاضبة لم يكن صعبا على الأنظمة "ذات الخبرة" قمعها، أو احتواؤها فى أحسن الأحوال. وفى حين نشرت "النيوزويك" بلغة الأرقام رسما بيانيا يبين كيف استمر الخط البيانى لعدد المظاهرات فى الهبوط المتسارع إلى جانب صورة لسهرات رمضانية لقوم أرهقهم اليأس، وأدمنوا التناسى، وأسكنوا حديث "البنيان المرصوص" فى لوحة مذهبة على جدار من رخام بارد.