منتصر الزيات

"إنَّ العالم يعيش اليوم كله في "جاهلية" من ناحية الأصل الذي تنبثق منه مقومات الحياة وأنظمتـها. جاهلية لا تخفف منها شيئًا هذه التيسيرات المادية الهائلة، وهذا الإبداع المادي الفائق، هذه الجاهلية تقوم على أساس الاعتداء على سلطان الله في الأرض وعلى أخص خصائص الألوهية .. وهي الحاكمية .. إنها تسند الحاكمية إلى البشر، فتجعل بعضهم لبعض أرباباً, إن مهمتنا الأولى هي تغيير واقع هذا المجتمع.

مهمتنا هي تغيير هذا الواقع الجاهلي من أساسه. هذا الواقع الذي يصطدم اصطدامًا أساسيًا بالمنهج الإسلامي، وبالتصور الإسلامي، والذي يحرمنا بالقهر والضغط أن نعيش كما يريد لنا المنهج الإلهي أن نعيش.

إن أولى الخطوات في طريقنا هي أن نستعلي على هذا المجتمع الجاهلي وقيمه وتصوراته، وألا نعدِّل نحن في قيمنا وتصوراتنا قليلاً أو كثيرًا لنلتقي معه في منتصف الطريق. كلا إننا وإياه على مفرق الطريق، وحين نسايره خطوة واحدة فإننا نفقد المنهج كله ونفقد الطريق".

هذه الكلمات التي كتبها الشهيد سيد قطب بدمه في كتابه الأشهر (معالم في الطريق) نقشها أيضا في قلوب الإسلاميين الحركيين على مر العقود المتتابعة منذ تم إعدامه حتى الآن.

رؤية الجهاديين وسيد قطب
الجهاديون والمسار

رؤية الجهاديين وسيد قطب

"
إذا كانت شرائح من النخبة قد أخطأت بأن أحاطت الإسلاميين بمواقف استئصالية، فإن الحركات الأصولية هي الأخرى ارتكبت خطأ مماثلا بالتوسع في العنف وبالغض من شأن النهج الإصلاحي

"

أولئك الذين يكونون مجتمعين أو منفردين الحركة الإسلامية الجهادية على اختلاف فصائلها في مصر, تلك هي المرجعية التي تحكم انطلاقات  "جماعات الإسلام السياسي المعاصرة "أو" الجماعات الجهادية" في التعامل مع حكوماتها, وانسابت هذه الأفكار لتلك المرجعية الجهادية وعبرت الحدود وهاجرت لتجد لها مكانا آمنا في عدة دول عربية, ولتمتزج في دول أخرى بالمرجعية السلفية لتكون منهجا يتمحور حول كل قضية محلية خاص بأولئك الذين يحملون تلك الخلفية الجهادية في هذا البلد أو ذاك.

الظواهري.. المعركة عقائدية
وقد كان الدكتور أيمن الظواهري واضحا وهو يجيب عن سؤال وجهه له الدكتور هانى السباعي: "ما الذي أثّر فيك لتكوّن هذه الجماعة? ما الذي دفعك إلى تأسيس هذه المجموعة, وقد كنتم لا تزالون فتياناً في الثانوية العامة في مدرسة المعادي?

قال إنه تأثر أول ما تأثر بكتابات سيد قطب وحادثة الحكم بإعدامه (1966). تأثر بمشروع هذا الرجل (قطب) من خلال القراءات والكتابات البليغة والوضوح في تشريح الواقع. وذكر الظواهرى في كتابه (فرسان تحت راية النبي).

"لقد أكد سيد قطب مدى أهمية قضية التوحيد في الإسلام وأن المعركة بين الإسلام وأعدائه هي في الأصل معركة عقائدية حول قضية التوحيد، أو حول لمن يكون الحكم أو السلطان لمنهج الله ولشرعه أو للمناهج الأرضية؟".

ومن ثم أوضح الظواهري حقيقة رؤيته لنظام الحكم عند سؤاله في التحقيقات الخاصة بقضية الجهاد: ما الهدف الذي كنتم تسعون عند إنشائكم لهذا التنظيم؟

أجاب: كنا نسعى إلى قلب نظام الحكم بالقوة وإحلال الحكومة الإسلامية محل الحكومة الحالية. وفى إثر إطلاق الجماعة الإسلامية مبادرتها الشهيرة لوقف العنف في يوليو 97 حاورت وكالة الأنباء الفرنسية الظواهري وسألته هل أنتم بالمطلق ضد أية مبادرة لوقف الصراع العسكري بينكم وبين الحكم في مصر؟ قال "سيتوقف الصراع العسكري وكافة أوجه المقاومة الأخرى بين المجاهدين كطليعة للصحوة الإسلامية وبين النظام يوم أن يتخلى النظام عن الحكم للمسلمين".

نستطيع أن نقول أن تلك هي الرؤية التي حكمت إيقاع عمل جماعات التيار السلفي الجهادي في علاقتها بالنظام السياسي, وهى تقوم على عدم الاعتراف للنظام الحاكم بأية مشروعية ومن ثم فهي تندب نفسها للتخلص منه وإقامة حكومة إسلامية بديلة.

عبد الرحمن.. والخروج بالسيف
ولم تكن الرؤية خاصة بأيمن الظواهرى وجماعة الجهاد فقط, بل كانت أيضا رؤية الجماعة الإسلامية التي قادها الشيخ عمر عبد الرحمن المسجون حاليا في أحد سجون الولايات المتحدة الأميركية قبل أن تطلق مبادرتها الشهيرة في يوليو/تموز 97.

وقد ذهبت تلك الجماعة إلى جواز قتال الحاكم الذي يمتنع عن تطبيق شعيرة من شعائر الإسلام, ويؤكد الدكتور عمر عبد الرحمن جواز الخروج على الحكام في مرافعته التاريخية أثناء محاكمته في قضية اغتيال السادات قائلا:

"ولنا أن نتساءل هل لا يصح الخروج على الحاكم وإن كان ظالماً جائراً فاسقاً عاصياً لله؟"

وهل يجب الاستمساك به والإبقاء عليه وإن كان خائنا بائعاً للدين والعرض والأرض؟

أجيبونا يا أصحاب العقول السديدة والفطر المستقيمة، إن كان الخروج على الحاكم في جميع الأحوال جريمة فإنكم يا من أقررتم ثورة يوليو ويا أنصارها ونتاجها وغرسها وثمارها آثمون مجرمون، إذ كيف تنكرون الجريمة وأنتم تفعلونها؟ لم خرجتم على الملك إذن؟ ألم يكن ينطق بالشهادتين؟ ألم يصل الجمعة والعيدين كحكام اليوم؟ إذن فلم خرجتم عليه يا خوارج؟ فأولى بكم أن تتهموا أنفسكم بالخروج على الحاكم، بل كأني بكم تتهمون من قام بثورة يوليو بالخروج على الحاكم، أإذا كان الخروج على الحاكم للوقوع في قوانين الكفر والعمل بها والدفاع عنها أجزتموه، وإذا كان للعودة إلى دين الله وإقامة شرعه أنكرتموه؟

ساء ما تحكمون {إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ}.

لا شك أن تلك الرؤية هي إحدى إشكاليات مأزومية العلاقة بينها وبين الأنظمة العربية, باعتبار أن تلك المنطلقات تؤدي بالضرورة إلى التصادم مع الحكومات في مرحلة من المراحل المتقدمة, لكن مما ساعد في ترويج تلك المنطلقات بشكل واسع في أوساط الشباب السياسات الخاطئة التي مارستها بعض الحكومات العربية في التعامل مع هؤلاء الشباب فضلا عن مجافاة كثير من إجراءات تلك الحكومات لتقاليد الإسلام وأخلاقه.

وإذا كانت شرائح واسعة من النخبة السياسية العربية قد ارتكبت خطأ تاريخيا بأن أحاطت الحركات الإسلامية السياسية بمواقف استئصالية وصل بعضها في تطرفه حد التنكر لفرض الجهاد، فإن الحركات الأصولية هي الأخرى ارتكبت خطأ تاريخيا مماثلا. 

  • بالتوسع في ممارسة العنف حتى وإن بدا في صورة رد الفعل بما يعبرون عنه "بدفع الصائل"، أي الدفاع الشرعي الخاص.
  • وبالغض من شأن النهج الإصلاحي ومن ينتهجونه، إذ لم تر فيه سوى مهرب فرضه الجبن وخوار الهمم.  

الجهاديون والمسار

"
ثمة مشروع ينضج في مصر أو يشهد عملية مخاض يتبناه جهاديون سابقون، ويرمي إلى صوغ برنامج سياسي, يحافظ على سلفية الاعتقاد والمنهج، ويتعايش مع المجتمع بعصرنة وسائله وممارسة الجهاد السياسي بالأدوات المتوفرة

"

ولعل أبرز الإشكاليات التي أحاطت بعلاقة الجماعات الإسلامية السلفية الجهادية بالحكومات تتمثل في تجارب اشتباك تلك الحركات مع بعض الحكومات اشتباكا إيجابيا يقترب كثيرا من التحالف أو الاندماج مثلما حدث في السودان من 92 إلى 96 ثم في أفغانستان من 96 إلى 2001 وبينهما تجربة جبهة الإنقاذ في الجزائر, غير أن هذه التجارب لم تتعرض للفحص الدقيق أو الدراسة المستفيضة حول معطياتها ونتائجها حتى الآن ربما لأن وقائعها مازالت تكتب في بعض فصولها الختامية بعد.

في السودان
وفى التجربة السودانية لم تصل العلاقة لمرتبة الاندماج أو المبايعة واقتصرت على استفادة أطراف العلاقة من بعضهما الآخر في ظروف ولادة كل طرف, فتجربة الترابي كانت في تلك الآونة متطلعة طامحة لتنفيذ مشروعها الأممى ومشروع القاعدة كان قيد البحث بين بن لادن والظواهري بعد خروجهما الأول من أفغانستان إثر تولي حكومة صبغة الله مجددي التي سعت لإخراجهما من هناك.

في الجزائر
وقد أحاط تجربة جبهة الإنقاذ دخان كثيف وشهدت خلطا ومزيجا بين أدبيات جواز استعمال وسائل الديمقراطية وأدبيات شبهة الانقلاب عليها، وعجل الانقلاب العسكري بالتجربة ولم تزل العلاقة غامضة يشوبها التوتر بين الإسلاميين هناك والسلطة رغم كل قوانين الوئام المتتالية.

وإذا كان الخطاب الإعلامي لكل من عباسي مدني وعلى بلحاج متناقضا مع الأخر عاجزا عن تقديم رؤية واحدة للعلاقة بين الحركة والحكومة, فإن الحركات السلفية الجهادية الجزائرية الأخرى قد أنهكتها جولات الكر والفر في الجبال لم تحرز تقدما ملموسا في إمكانية صوغ برنامج متكامل يصلح للبناء عليه أو تقويمه في إطار حركة الإصلاح هناك, مثلما أن لسان السلطة لم يتوحد في الحديث مع تلك الجماعات وبقي يتعامل معها كحالة أمنية دون التطرق لما تحمله من مشروع إسلامي سياسي.

في أفغانستان
وبقيت التجربة الطالبانية تكشف عن ازدواجية العلاقة بين نظام حكم طالبان المؤسس على الحكم بالشريعة الذي يفترض ولاء الجماعات التي احتمت به، وبين خريطة عمل تلك الجماعات التي سعت لاستمرار الثأر من حكوماتها الأساسية في بلدانها البعيدة آلاف الأميال.

ولم تكشف صفحات التاريخ بعد مدى قيام القاعدة بتفجيرات نيروبي ودار السلام عام 98 ثم تفجيرات نيويورك وواشنطن من وراء ظهر حكومة طالبان أو بعلمها, كما لم توضح القاعدة -على وفرة أدبياتها- أسانيدها الشرعية في بقائها خارج دائرة الطاعة لحكومة إسلامية قائمة وفرت لها الأمن والحماية والمناخ الملائم لإطلاق حملة دعاية مبشرة بالإسلام وإمكانية تطبيقه على الأرض في القرن الحادي والعشرين.

في السعودية واليمن
تبقى العلاقة بين الجماعات الجهادية السلفية والحكومات في اليمن والسعودية تشهد حالة من المد والجزر, فبينما تشهد الأولى هدوءا بعد جلبة أثارتها تسلل "القاعدة" إلى أراضيها في إثر تفجير المدمرة الأميركية كول, تشهد الثانية انقلابا في العلاقة بعد فترة طويلة من الهدوء والدفء بل والطاعة.

ولعلي أذكر في هذا الصدد أول زيارة قمت بها للمملكة السعودية بعد الإفراج عنى من قضية الجهاد عام 84 حيث رتب لنا بعض الاخوة لقاء بشباب المجاهدين الذين يترددون على أفغانستان وقتها في أحد المنازل بالمدينة المنورة, واستغربت انزعاج هؤلاء الشباب من كلمات أثناء حديثي اعتبروها نقدا للملك الراحل فهد بن عبد العزيز.

ثم دارت الأيام دورتها حتى وصلت العلاقة بين الجماعات السلفية الجهادية هناك والنظام لدرجة تبني قطاعات منها فتاوى تكفير الحكام هناك، بل ويوزع بحثا شرعيا على شبكة الإنترنت بعنوان "الباحث عن حكم قتل أفراد وضباط المباحث" يستهله كاتبه بعبارة تكشف عن مأزومية تلك العلاقة يقول فيها:

"في صبيحة هذا اليوم الرمضاني تأملت حال الشباب المجاهد مع طواغيت الحكم في الجزيرة العربية ومع جندهم وأعوانهم من المباحث العامة ومكافحة الشغب والشرطة ووو.. فوجدت أن المسألة واضحة بينة لمن بصره الله وهداه إلى منهج التوحيد الحق، ولكنها مشكلة عويصة عند كثيرين".

مصر والمخرج
ثمة مشروع ينضج في مصر أو يشهد عملية مخاض لسنا على ثقة من إتمام ولادته، يتبناه جهاديون سابقون تقطعت صلاتهم التنظيمية، وإن بقي ولاؤهم للفكرة قائما، ويرمي إلى صوغ برنامج جهادي سياسي, يحافظ على سلفية الاعتقاد والمنهج، ويتعايش مع المجتمع بعصرنة وسائله وآلياته وممارسة الجهاد السياسي بالأدوات المتوفرة, والعمل على مكافحة كل محاولات التغريب وطمس الهوية الإسلامية للأمة والتنبه لحملات الغزو الأميركي للمنطقة بتوحد الأمة في المقاومة الاستباقية وإعداد المواطنين وتثقيفهم روحيا ومعنويا وسياسيا وفكريا ودينيا, ومقاومة استبداد السلطة والصدع بمنظومة متكاملة من الحق ورد المظالم.
_______________
محام وكاتب متخصص في شؤون الجماعات الجهادية

المصادر

- معالم في الطريق سيد قطب 
- قصة جماعة الجهاد حوار مع هانى السباعي نشر بجريدة الحياة اللندنية
- الجماعات الإسلامية رؤية من الداخل
- كتاب كلمة حق للدكتور عمر عبد الرحمن
- موقف الإسلام من خصومه للدكتور عمر عبد الرحمن
- الباحث عن حكم قتل أفراد وضباط المباحث لأبي جندل الأزدي