لم تتأخر إسرائيل في إعلان ردها على بيان قمة بيروت العربية الذي جاء سريعا وحاسما في رفض مبادرة السلام العربية التي دعت إسرائيل إلى تبني خيار السلام كإستراتيجية في العلاقة مع العرب إذ أعلن شارون رفضه لها وأمر جيشه باحتلال رام الله ومحاصرة مقر الرئيس الفلسطيني وحظر التجول في كل أرجاء المدينة.

وفي مقابل الموقف الإسرائيلي المتعنت جاءت الردود العربية والدولية ضعيفة وباهتة وغير واضحة المعالم حيث ناشدت العديد من الأنظمة العربية بعضها البعض والمجتمع الدولي بضرورة التمسك بالمبادرة العربية وكأنها لم تسمع كل الرفض الإسرائيلي الميداني لها.

اليوم وبعد أكثر من عقد من الزمان على مؤتمر مدريد وبدء عملية السلام التي ربما جاءت لتحاصر وتنهي الانتفاضة الفلسطينية الأولى التي انطلقت في غزة عام 1987 بات من الصعب التكهن بمصير عملية السلام إذ لم تستطع ثلاث قمم عربية في القاهرة وعمان وبيروت من تهدئة غضبة الشعب الفلسطيني كما عجزت السلطة الفلسطينية وكثير من المحاولات الدولية والإقليمية في تحقيق أي تقدم نحو تفعيل أي اتفاقية وقف إطلاق النار بين الجانبين وكان رفض هذه الاتفاقيات كثيرا ما تنفذه كوادر كتائب شهداء الأقصى الجناح العسكري لحركة فتح أهم الفصائل في جسم السلطة الفلسطينية.

ولو أردنا أن نقيم موقف السلطة الوطنية الفلسطينية وهي تكاد تسقط لابد من تحديد أهداف وجودها التي يعتبر الفلسطينيون أن أهمها هو إقامة دولة ذات سيادة في حين يرى العديد من المحللين أن إسرائيل كانت تهدف من وجود السلطة الفلسطينية هو توفير الحماية والرادع من حركات المقاومة الفلسطينية ضد الوجود الإسرائيلي. وبالنظر إلى الرؤيتين معا نجد أن السلطة الفلسطينية ومن خلفها النظام العربي قد فشلت في تحقيق أي من تلك الأهداف فلم تقم دولة فلسطينية مستقلة ولم تتوقف المقاومة.

كما يمكن أن نلاحظ تذبذب مؤشر السلطة الفلسطينية بين الشارع الفلسطيني الغاضب والمقاوم للاحتلال وبين المطالب الإسرائيلية الملحة على توفير وضع أمني مريح داخل مناطق السلطة مما حدا برموزها إرضاء للغضب الفلسطيني إلى تبني خطابا حادا ورافضا للإجراءات الإسرائيلية القمعية ضد الفلسطينيين في حين لم تتوقف تلك الرموز عمليا عن السعي للجلوس على طاولة المفاوضات واللقاءات الأمنية داخل وخارج فلسطين.

غير أن كل ما سبق لا يمكن أن ينسينا دور النظام العربي متمثلا في الجامعة العربية الذي ما برح ينادي بضرورة السلام كخيار إستراتيجي للعرب لا يمكن التراجع عنه ولم تتبن أشد بياناتهم لهجة أكثر من مطالبة الطرف الإسرائيلي بتبني خيار السلام وإصرار العمل العربي المشترك على مد الأيدي وإعلان مبادرات السلام نحو إسرائيل مما أضعف مواقف السلطة والمقاومة الفلسطينية والنظام العربي.

إن مستقبل السلطة الفلسطينية ورئيسها ياسر عرفات بات في مهب الريح التي إن لم تعصف به اليوم فقد تعصف به غدا ولكن يبقى التساؤل حول إمكانية بلورة تصور عربي فلسطيني عملي جديد وجريء من كل الانتهاكات الإسرائيلية للحقوق العربية والفلسطينية مما قد يبعد احتمالية سقوط السلطة الفلسطينية.