تباينت الدول المستقلة عن الاتحاد السوفياتي فيما بينها في اختيار الطريقة المثلى التي يجب التعامل بها مع ميراث السوفياتية. فمن بين الدول من اختار الحفاظ على شكل أو آخر من أشكال الارتباط بالمنظومة القديمة التي لا يعود عمرها إلى العهد السوفياتي فحسب، بل والماضي القيصري. وهي منظومة تلعب فيها موسكو دور المركز وما حولها يتبع المدار. ومن بين الدول من انتهز الفرصة للفكاك من تاريخ طويل من الهيمنة، ووجد الفرصة سانحة والأيدي الغربية ممدودة، في الوقت الذي وقفت فيه مجموعة ثالثة من الدول حائرة بين المنهجين.

كومنولث الدول المستقلة
"
تشترك دول آسيا الوسطى في أنها ما زالت متحالفة مع موسكو وإن تفاوت ذلك التحالف بين الثبات والتردد
"
وتشترك دول آسيا الوسطى الخمس في أنها جميعا ما زالت متحالفة مع موسكو وإن تفاوت ذلك التحالف بين الثبات والتردد. وحتى أوزبكستان التي خرجت من هذا التحالف بإغراء أميركي عام 2002  سرعان ما عادت إليه حين لم تعجبها قواعد اللعبة، ولم تتحمل النقد الأميركي لانتهاكها حقوق الإنسان بعد قتل القوات الأوزبكية أكثر من 500 متظاهر في أحداث أنديجان 2005.

في البداية مثل كومنولث الدول المستقلة النموذج الذي عولت عليه شعوب آسيا الوسطى لتقديم تحالف يشبه الاتحاد الأوروبي. وقد تشكل الكومنولث قبل شهر من الإعلان الرسمي عن سقوط الاتحاد السوفياتي نهاية ديسمبر 1991. وقد توالت جمهوريات آسيا الوسطى فيما بين عامي 1991 و1994 على التوقيع على هذا الاتفاق الذي رتب التعامل الآمن مع الترسانة النووية الموروثة عن العهد السوفياتي.

ورغم أن هذا الاتحاد كان بمثابة القابلة التي استلمت المواليد الجدد عن النظام السوفياتي فإنه فشل في تحقيق الآمال العريضة التي قدمها بمستقبل جماعي مزدهر بل مثل بابا خلفيا تحاول من خلاله روسيا جاهدة استمرار إشرافها "الشرعي" على جمهوريات آسيا الوسطى "المستقلة".

اتفاقية الأمن الجماعي
ثم عقدت اتفاقية الأمن الجماعي CSTO وتشمل كافة دول آسيا الوسطى إضافة إلى روسيا وأرمينيا وأذربيجان وبيلاروسيا ومولدوفا، وعرفت في مايو/أيار 1992 باسم اتفاقية طشقند، وهدفت إلى إقرار مبدأ الحماية المشتركة والرد الجماعي على أي عدوان تتعرض له إحدى الدول الأعضاء.



وتم تحويلها في مايو/أيار 2006 إلى "بناء دولي متعدد الوظائف" له الحق في إنشاء قوة ردع سريعة، متبعة منهج حلف الناتو في هذا الشأن. وكانت هذه المنظمة قد اقترحت منذ عام 2004 الاتصال بالناتو لترتيب الأمن، خاصة بعد أن استبعد دورها في غزو أفغانستان.

منظمة تعاون آسيا الوسطى
"
لم تحقق المنظمات الكثيرة التي تكونت التعاون بين دول آسيا عموما وآسيا الوسطى خصوصا بسبب الأطماع الدولية وتردد أنظمة الحكم في تلك الجمهوريات بين الانفتاح على الغرب أو الشرق
"
وجاء الدور التالي بتأسيس منظمة تعاون آسيا الوسطى (كاكو CACO) والتي رسمت صورتها الأولى عام 1994 بعضوية روسيا وكافة دول آسيا الوسطى عدا تركمانستان، ولكن مع عدم فاعليتها أدمجت عام 2005 في منظمة أخرى هي يوراسيك Eurasec للتعاون الاقتصادي التي تشمل روسيا وكزاخستان وقرغيزستان وطاجيكستان وبيلاروسيا.

منظمة شنغهاي
أما أحدث أشكال التعاون الإقليمي فيتمثل في منظمة شنغهاي والتي تشكلت في يونيو/حزيران 2000 كتطوير لمجموعة عمل عرفت من قبل باسم "مجموعة شنغهاي" وعقدت عام 1996 في مدينة شنغهاي وضمت روسيا والصين ودول آسيا الوسطى. وهدف الاتحاد إلى مواجهة ما أسمته دول المجموعة بـ "الشياطين الثلاثة" (الحركات الانفصالية والتطرف الديني والإرهاب). وأعدت في سبيل ذلك تدريبات عسكرية مشتركة.

لكن هنا أيضا فشلت موسكو وبكين في مواجهة مخططات الاختراق الخارجي، فحينما اتضح أن الولايات المتحدة تخطط لإبقاء قواتها بالمنطقة لفترة طويلة مقبلة، طالبت بكين وموسكو في قمة شنغهاي في يونيو/حزيران 2005 واشنطن بسحب قواتها من كل من قرغيزستان وأوزبكستان، لكن الولايات المتحدة مانعت واتهمت وسائل إعلامها روسيا والصين بابتزاز حكومات المنطقة وإرهابها لتفكيك القواعد الأميركية.

حاولت المنظمة عام 2006 توسعة نفوذها فوجهت الدعوة لإيران والهند وباكستان للمشاركة في المنظمة بصفة مراقب، واعترضت من جديد الولايات المتحدة. وفي نهاية العام الماضي 2006 أعلنت سعيها لتوحيد القوات الجوية بين الدول الأعضاء كخطوة أولى على طريق تشكيل تحالف عسكري مشترك.

وفي النهاية فإن فشل كثير من أهداف المنظمات السابقة يعود إلى ثلاثة أسباب:
  1. المنهج الذي تتبعه روسيا في تعاملها مع دول آسيا الوسطى الساعي إلى تحقيق مصالحها الإستراتيجية أكثر من سعيه تحقيق تعاون على أرضية متساوية.
  2. التدخلات الدولية المباشرة في دول آسيا الوسطى وبصفة خاصة منذ أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 وإقحام القواعد العسكرية الأميركية وقوات الناتو في دول الإقليم.
  3. عدم امتلاك الإرادة السياسية في ظل تأرجح النظم الحاكمة بين القوى الدولية الخمس الساعية للسيطرة على الإقليم: الناتو، روسيا، الولايات المتحدة، الصين.