نزار السامرائي

ربما يمتد عمر الحراك الطائفي الشيعي لزمن بعيد، بما يعني أن شيعة العراق قد يكونون فرطوا بالفرصة التاريخية الكبرى التي سنحت لمرجعيتهم بالنجف بعد ثورة 30 يونيو/ حزيران 1920 ضد الاحتلال البريطاني، بإضاعة تحويل نتائج ثورة العشرين إلى دور سياسي يمنح تلك المرجعية فرصة التأثير في المسار السياسي بالعراق.

العمل السياسي والطائفية قبل الاحتلال
الاحتلال الأميركي وتوظيف الطائفية
الدستور العراقي الجديد والطائفية
أميركا وتشجيع الطائفية

العمل السياسي والطائفية قبل الاحتلال

"
لم تشر برامج الأحزاب السنية (الحزب الإسلامي العراقي) والشيعية (حزب الدعوة الإسلامية) قبل الاحتلال الأميركي إلى هوية طائفية محددة، إلا أن أيا منهما في واقع الأمر لم يقبل في صفوفه منتمين من الطائفة الأخرى طيلة تاريخه
"
أسس السنة في العراق فرع جماعة الإخوان المسلمين عام 1944 باسم جمعية الأخوة الإسلامية، من قبل الشيخ محمد محمود الصواف والشيخ أمجد الزهاوي، ومارست عملها علنيا منذ تاريخ تأسيسها إلى أن صدر قرار حلها عام 1959 إبان حكم اللواء عبد الكريم قاسم.

ولكن إثر صدور قانون الأحزاب عام 1960 أعلن الإخوان المسلمون إنشاء حزب سياسي باسم الحزب الإسلامي العراقي، فرفض مما حدا بالهيئة التأسيسية لرفع دعوى لمحكمة التمييز في العراق، التي ردت قرار وزارة الداخلية، وبالتالي اعتبر الحزب شرعيا منذ 1960.

وأصدر الحزب جريدة (الجهاد) التي هاجمت سياسات اللواء عبد الكريم قاسم فأغلقت واختفى كوادر الحزب بمن فيهم أمينه العام، الذي اتخذ من السعودية منفى اختياريا له.

ولم يباشر الحزب الإسلامي بعد ذلك أي نشاط سياسي مؤثر على مستوى النخبة السياسية أو الشارع العراقي حتى العام 1991، حين أعاد إياد صالح مهدي السامرائي تأسيسه في الولايات المتحدة وبريطانيا، وهو ما سيكون له دوره في الحياة السياسية في العراق بعد الاحتلال الأميركي عام 2003.

وكان ينمو في النجف تيار شيعي سياسي أخذ طابعا تنظيميا تحت اسم الحزب الفاطمي، غير أنه فقد قدرته على الانتشار لكونه يحمل إيحاءات طائفية واضحة من اسمه، ولذا قام حزب الدعوة الإسلامية على أنقاضه.

ونظر الكثيرون إلى حزب الدعوة الإسلامية على أنه إطار عام لكثير من الحركات السياسية الشيعية التي تبحث عن متنفس لها في العراق، وترك الحزب الفاطمي الكثير من إرثه في العمل السري ونزوعه للعنف، لحزب الدعوة.

وتعرض (الدعوة) لانشقاقات كثيرة، ومع ذلك اختار طريق المواجهة مع النظام ما عرضه نتيجة العنف الذي مارسه لملاحقات أجهزة الأمن، خاصة أن الحزب اختار الانحياز إلى جانب إيران في ظرف كانت علاقات بغداد بطهران تمر بأسوأ مراحلها، بعد إلغاء إيران عام 1970 لمعاهدة العام 1937.

ورغم أن برنامج  كل من الحزب الإسلامي العراقي وحزب الدعوة الإسلامية لم يشر إلى هوية طائفية محددة، لم يقبل أي منهما في واقع الأمر في صفوفه منتمين من الطائفة الأخرى طيلة تاريخه، وهذا يعكس التوجه الطائفي لهما، ولكن يمكن الجزم دون تردد أن الزعامات الدينية الشيعية، وجدت في نشوء تيارات سياسية دينية سنية مثل جماعة الإخوان المسلمين، على أنه سبق لا يجوز للتشيع أن يتأخر عنه.

ومع قيام الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 وصعود شعار تصدير الثورة، حصل تحول في موقف بعض القوى المؤثرة في مرجعية النجف، وحين اندلعت حرب الثماني سنوات بين البلدين جرت معها تغييرات على العمل السياسي في الوسط الشيعي، خاصة بعد انتقال قيادات حزب الدعوة إلى إيران، وتأسيس المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق برئاسة محمود هاشمي شاهرودي عام 1983، الذي يرأس اليوم مجلس القضاء الأعلى في إيران، حينها اختير محمد باقر الحكيم ناطقا باسمه ليحل محل شاهرودي فيما بعد.

وربما كانت الحرب أفضل وعاء وظفته الحركات السياسية الشيعية لنقل البناء الفكري والسياسي لها من فصول الفقه والشريعة إلى الوسط الشعبي، وبلغت ذروة ذلك في ربيع العام 1991، حينما تحولت المزارات والمراقد الدينية إلى محاكم جماعية ولتصدر أحكاما كانت تجد طريقها للتنفيذ الفوري، ولكن التحرك السريع للقوات المسلحة العراقية مكن من استعادة النظام وإن أبقى المشاعر حبيسة عند مشارف إحساس مرير بضياع الفرصة مرة أخرى.

الاحتلال الأميركي وتوظيف الطائفية

"
وضع بول بريمر الأساس المادي لأول محاصصة طائفية مقننة في تاريخ العراق، التي بدت واضحة في تشكيلة مجلس الحكم الانتقالي الذي تم اختيار أعضائه على أساس انحدارهم الطائفي والعرقي
"
عندما اتخذت الحكومة الأميركية قرارا بإسقاط نظام الرئيس الراحل صدام حسين تم توظيف الملف الطائفي باعتباره أقوى أسلحة الانقسام الداخلي، وبدأ الحديث بصوت عال عن حقوق الشيعة المسلوبة في العراق وكان للأحزاب والحركات الشيعية العاملة من إيران دور حيوي في تنامي التوجه الأميركي.

هذه الظروف وما سبقها من فرز طائفي على مستوى العمل السياسي جعلت من الخطاب الأميركي بعد الاحتلال خطابا مستساغا بل مطلوبا أحيانا كثيرة، لأنه حرك كوامن الشعور بالغبن والحيف اللذين لحقا بالشيعة خاصة لدى المتطلعين لأدوار سياسية كبيرة، ودفع بالتالي لتبني أطروحة استرداد الحق المسلوب بأي طريقة متاحة بعد أن أصبحت الفرصة في متناول اليد.

لكن هذا التوظيف لم يجد القبول العام على مستوى الشارع العراقي خاصة القوى الوطنية والقومية التوجه والعشائر العربية، وانطلق الطرق بقوة على أبواب الخلافات الفقهية بين المذاهب الإسلامية، واقتبست الولايات المتحدة من إرث الإمبراطورية البريطانية سياسة فرّق تسد، ووجدت فيها أملها بإحداث شرخ في المجتمع العراقي.

فالاحتلال وبعد أن أخذ شرعية الأمر الواقع المفروض بقوة الوجود العسكري باشر فورا في تحويل أفكاره إلى حيز التطبيق، إذ وضع بول بريمر الأساس المادي لأول محاصصة طائفية مقننة في تاريخ العراق، التي بدت واضحة في تشكيلة مجلس الحكم الانتقالي الذي اختير أعضاؤه على أساس انحدارهم الطائفي والعرقي.

وبعد ذلك فرض قانون إدارة الدولة العراقية المؤقت أول وثيقة دستورية في زمن الاحتلال، لتكرس الفرز على أسس طائفية وتضع اللبنة الأولى على طريق تقسيم العراق.

ومن رحم مجلس الحكم خرجت حكومة إياد علاوي نسيجا على منواله، ثم تواصلت الخطوات والقرارات والقوانين المعززة لهذا التوجه.

الدستور العراقي الجديد والطائفية

وضع الدستور الدائم على المفاهيم نفسها، وتبنت مقدمة الدستور مفاهيم التمييز الطائفي من خلال القدسية التي أضفتها على رموز الشيعة ومراجعهم، كما تبنت شكل نظام الحكم على أنه فدرالي اتحادي.

ومهد هذا الأمر الأرضية للدعوة اللاحقة لإقامة إقليم الوسط والجنوب من قبل أوساط كانت تطرح شعارات طائفية، وتريد له أن يكون إقليما شيعيا خالصا، وجاءت تركيبة مجلس النواب صورة تعكس التركيبة السكانية المفترضة في العراق، رغم أن إحصاء سكانيا لم يجر لتحديد نسبة كل طيف من مكوناته، وكانت هذه الخطوة مقصودة تماما من جانب الولايات المتحدة، لإضافة عامل على أسباب الانقسام الطائفي والعرقي في عراق ما بعد الاحتلال والاقتتال عليها.

صحيح أن الدستور لا ينص على توزيع المناصب السيادية لطائفة معينة، لكن توزيع عدد المقاعد في المجلس النيابي على المحافظات بالنسب المثبتة لها، حدد عمليا الطائفة التي ينتمي إليها رئيس الوزراء وهو بموجب الدستور يشغل منصب القائد العام للقوات المسلحة، وله صلاحية اختيار الطاقم الوزاري، على نحو لا يستطيع معه الطرف الآخر تغيير قواعد اللعبة، بحيث سيبدو وجود ذلك الطرف مجرد ديكور لتحسين صورة المسرح السياسي.

والأحزاب الدينية والطائفية هي التي تضع قواعد الحكم، واستطاعت أن تزيح كل القوى والأحزاب العلمانية، بقوة الفتوى الدينية والشارع المعبأ بهوس شعاراتها، ولهذا رأينا منذ بدء العملية السياسية توجها لدى الأطراف الملحقة بها، لإصلاح النظام الدستوري وبالتالي العملية السياسية برمتها، وتحويل المشاركة فيها إلى شراكة فعالة تأخذ بنظر الاعتبار وضع العراق الخاص وتنوعه المذهبي والعرقي، لاسيما أن كل طيف يرفض الاعتراف للآخر بالتفوق العددي، وبالتالي يرفض أي فرضيات تبنى على أساس وهم التفوق السكاني الذي يراد له أن يعطي مكاسب سياسية على أساس افتراضي.

على ذلك يمكن الافتراض دون تردد أن العراق لا يمكن أن يحكم وفق ما ينتج عن صناديق الاقتراع بمواصفات العملية السياسية السائدة، لأنه سيعني حكم طائفة واحدة وإقصاء الطائفة الأخرى، وهذه وصفة ناجحة للفوضى.

أميركا وتشجيع الطائفية

"
حرص خطاب الاحتلال على الدفع بعجلة الطائفية السياسية بقوة، حتى تغلغلت في المفاصل الصغيرة في بنية الدولة
"
حصل التطابق بين الخطاب الأميركي الذي عمل بقوة على تحويل الانتماء للطائفة إلى انتماء لمذاهب دينية سياسية، ومصلحة الطرف الذي تولى وبدعم أميركي مباشر قيادة السلطة في العراق.

وكي تبدو العملية السياسية وما يترتب عليها من صفحات لاحقة وكأنها انتصاف لحق طائفة مما لحق بها في الماضي، فقد تم اعتماد نظام القائمة المغلقة في الانتخابات النيابية، التي تدعو المقترع للتصويت للقائمة التي تمثل طائفته، دون أن يعرف شيئا عن المرشح الذي يصوّت له ولا المؤهلات التي يحملها أو تاريخه السياسي، ووجد الكثير من المرشحين فرصتهم في الاختفاء وراء لافتات حزبية طائفية، والانتقال من الصفوف الخلفية، إلى واجهة الأحداث دون خبرة سياسية.

واندفعت عجلة الطائفية السياسية بقوة، حتى تغلغلت في المفاصل الصغيرة في بنية الدولة، إذ لم تقف الحالة عند حد تعيين وزير من طائفة معينة، بل تطلق يده تماما لصبغها باللون الطائفي الذي ينتمي إليه، وإلى أدنى المستويات الوظيفية، وحرصت الإدارة الأميركية على هذا التوجه وشجعته سرا، حتى في الوقت الذي كانت تتذمر منه علنا، وتحذر من مخاطر اعتماده طريقا لإدارة دفة جهاز الدولة الذي تعرض نتيجة ذلك لتقويض شامل.

وحصل التقاء على مستوى النخب السياسية الطائفية من الشيعة والسنة، منذ صدور قرار الكونغرس الأميركي بدعم أطراف المعارضة، لتسهيل التحرك المضاد لنظام الرئيس الراحل صدام حسين، فوجدت في الملف الطائفي أقصر طريق يمكن أن يهيئ لها استعادة الفرصة الضائعة، بوصفة للتقسيم كانت جزءا من مشروع بلقنة المنطقة، تارة باسم الشرق الأوسط الكبير، وباسم الشرق الأوسط الجديد تارة أخرى.

والنزعة الطائفية تحاكي أكثر القناعات فعالية عند الأفراد والجماعات، وقد يؤدي توظيفها سياسيا إلى جر المجتمع إلى شفير حرب أهلية، ولكن تجربة السنوات الخمس الماضية سجلت تساميا للعراقيين فوق المحاولات التي بذلت لجرهم للاقتتال الطائفي خاصة بعد تفجير مرقد سامراء في  فبراير/ شباط 2006، لأنهم تعايشوا مع التنوع الطائفي لبلدهم لمئات السنين، وأن مصلحتهم تقتضي استمرار هذا التعايش، لأنه الخيار الذي لا بديل عنه إلا الفوضى وحرب أهلية مفتوحة على كل الاحتمالات.
_______________
كاتب ومحلل سياسي عراقي

شارك برأيك