* بقلم/ دكتور علي خليفة الكواري

أجندة الإصلاح الجذري من الداخل التي نحن بصدد بنائها، في ضوء قضايا الإصلاح التي سوف يتم طرحها ومناقشتها في اللقاء السنوي الخامس والعشرين لمنتدى التنمية، تحددت في ستة بنود إستراتيجية مرحلية.

بنود أجندة الإصلاح
حدود إمكانية التطبيق
آليات تفعيل الأجندة

د. علي الكواري

بنود أجندة الإصلاح

تمثل اليوم ستة بنود –حسب تقديري- قواسم مشتركة بين الأفراد والجماعات التي تنشد التغيير في المنطقة، وتحظى بقبول عام مشترك من دعاة الإصلاح عامة وتنعكس في عرائضهم وخطاباتهم ومجمل أدبياتهم وهي:

  1. تصحيح العلاقة بين السلطة والمجتمع.
  2. تأسيس نظم رسمية للتأمينات ضد البطالة ولضمان حق التعليم والعلاج.
  3. إصلاح الخلل السكاني.
  4. إصلاح الخلل الإنتاجي.
  5. علاج الخلل الأمني في إطار اندماج أقطار مجلس التعاون.
  6. مطلب الديمقراطية وحقوق الإنسان وتفعيل دور المجتمع المدني.

هذه البنود الستة إلى جانب شعار المرحلة الذي يطرحه الدكتور علي فخرو في كلمة افتتاح اللقاء، أصبحت مكان قبول وإجماع أهلي ولا تنكر الحكومات أهميتها من حيث المبدأ، وإن اختلفت حول أولوياتها وترددت أمام متطلبات وضعها موضع التنفيذ. ولكن المعضلة تبقى كيف يتم وضع هذه الأجندة موضع التطبيق، وكيف ننتقل من القول إلى العمل على المستوى الأهلي أولا، وعلى المستوى الرسمي ثانيا عندما يمتلك المحكومون قدرة الحوار والعمل مع حكامهم من أجل وضع بنود أجندة الإصلاح تدريجياً موضع التطبيق.


أجندة الإصلاح الجذري من الداخل مخرج وطني من مسار الضياع الذي تٌدفع إليه مجتمعات المنطقة دفعاً

إن أجندة إصلاح جذري من الداخل هذه، من نوع "السهل الممتنع" كما يقال. فهي منطقية وعقلانية وملحة، وفيها مصلحة للحاكم إلى جانب المحكوم. ولكن إمكانية الانتقال بها من القول إلى العمل عصية على ضوء ما ندركه من واقع، وما نعهده من إرادة وعزيمة ضعيفة للإصلاح. ولذلك فأجندة إصلاح جذري من الداخل، أجندة طموحة بالرغم من كونها مستحقة منذ زمن. وهي اليوم مخرج وطني من مسار الضياع الذي تٌدفع إليه مجتمعات المنطقة دفعاً. كما أنها السبيل لمواجهة المشكلات والإشكاليات المزمنة والمتزايدة والتي أصبحت تهدد استقرار المنطقة وتنذر بتفكيك دولها إذا استمرت تلك الدول في مسارها الخطر.

ومنذ قيام مجلس التعاون اعترف المسئولون في المجلس بهذا المسار الخطر، وكتب الأستاذ عبد الله بشارة عام 1987 في العدد السادس من مجلة التعاون، مؤكداً وجود مطالب إصلاح، تغلق دونها الأبواب. وقال "هناك طرقات على أبواب هادئة، تقليدية (...) تأتى بنداء عن التغيير في القوانين، والمواقف، والالتزامات، وفي المؤسسات، وأهمها في الفلسفات والمنطلقات". وأضاف أن "التحدي الذي يواجه دول الخليج هو قدرتها من عدمها على التجاوب مع هذه الطرقات".

وبعد مرور أكثر من عقد من الزمن أيضا نجد أن "إستراتيجية التنمية الشاملة بعيدة المدى لدول مجلس التعاون (2000-2025)" والتي اعتمدها القادة في اجتماع المجلس الأعلى بدورته التاسعة عشرة في ديسمبر 1998 بأبو ظبي، تؤكد أن "من أبرز التحديات التي تعيشها مسيرة التنمية الوطنية بدرجة أو بأخرى ولما تتخلص منها رغم مرور أكثر من أربعة عقود تنموية بهذه الدول (هي) استمرار هيمنة الموارد الأحادية على مصادر توليد الدخل، وهو ما يعمل على تضييق خيارات التنمية وفرص الكسب،..." (ص11). وتضيف الإستراتيجية مؤكدة ارتباط كافة التحديات بـ "اختلالات بيّنة في التركيبة السكانية بما تتضمنه من تأثيرات سلبية على التجانس الاجتماعي وبواعث المواطنة والولاء، وهي اختلالات قد نجمت عن الاعتماد الكثيف على العمالة الأجنبية، واختلالات سوق العمل، والثبات النسبي لنظم التعليم والتدريب ونظم التوظف والأجور" (ص12) .

وجديرٌ بالتأكيد أن الإصلاح ما يزال هو اليوم مطلبا ملحا، كما كان الإصلاح دائما مطلباً لأهل المنطقة في العصر الحديث، منذ أن انفردت النظم الراهنة بالحكم في إطار معاهدات الحماية والتحالف. فالمطالبة بالإصلاح لم تنقطع على مدى قرن من الزمان، ولكنها مع الأسف أٌجهضت أو تم احتواؤها أمنيا، ولم تتبلور في الغالب وتصبح حركة شعبية مستدامة، حتى تكلل بالوصول إلى توافقات مع الحكومات تتوفر لها مقومات التطبيق على أرض الواقع. ويستثنى من ذلك المرحلتان القصيرتان اللتان شهدتا وضع دستور الكويت لعام 1962م ودستور البحرين لعام 1972م، وكان ذلك لظروف اللحظة الراهنة إضافة إلى الحركة الوطنية في كل من الكويت والبحرين، فضلا عن خروج مثل تلك الدساتير كنصوص، ولكنها عطلت أو تم تجاهل جوهرها عند التطبيق.

ومطالب الإصلاح الوطني اليوم ليست أفضل حظا من سابقاتها، والتي تعرضت خلال العقود الثلاثة الماضية لكثير من أساليب الضبط السلطوي بالترغيب والترهيب فتعطلت، ونال بعضها الإجهاض. ولم تستطع دعوات الإصلاح بعد ، أن تتطور في الغالب لتصل إلى مستوى حركات شعبية فاعلة ومستدامة على المستويات الوطنية أو المستوى الإقليمي. ودعوتنا هذه لن تعدو أن تكون مجرد رغبة تضاف إلى الرغبات التي تقدمت بها العرائض وتناولتها الأدبيات، إن وقفت الحكومات منها وقفة اللامبالاة. وهي في ظني واقفة كذلك، من "أجندة إصلاح جذري من الداخل" مثلما وقفت من دعوات الإصلاح منذ عقدين من الزمن.

حدود إمكانية التطبيق

فما نحن فاعلون؟ ما العمل في هذه المرة من أجل تأمين الحاضر وكسب المستقبل؟ وماذا باستطاعتنا أن نعمل من أجل تزويد أجندة إصلاح جذري من الداخل بتحركات وأدوات وآليات فاعلة ومستدامة نبنيها تدريجياً ونعمل على مراكمتها في ضوء المواقف المعهودة للحكومات والظروف الدولية والإقليمية المحيطة، وفي إطار العمل السلمي الثقافي والسياسي المستدام الذي نؤمن به ومن أجله اجتمعنا لمناقشة الأجندة والتوافق على دورنا في العمل من أجل تحقيقها تدريجياً؟

نموذج بطاقة الاستفتاء على الميثاق الوطني في البحرين

وإذا كانت نبرة المرارة قد طبعت قراءتنا للماضي البعيد منه والقريب، وربما تقود إلى إجابة مختصرة عن إمكانية الإصلاح في الحاضر، يلخصها القول العامي المصري "العمل عمل ربنا"، فنعم بالله والتوكل عليه، ولكن ذلك لن يعفي أهل المنطقة من المسؤولية التاريخية التي يتحملونها اليوم. ولا بديل لهم عن التفاؤل والسعي إلى المشاركة في صنع المستقبل مهما كانت إمكانيات المشاركة ضئيلة وظروفها صعبة ومكلفة. ولا بد أن يكون هذا العمل صريحاً ومستمراً ومتراكماً مهما قلّت فرص تأثيره في البداية. فالإصلاح لا يأتي بالمداهنة وإنما بالمواجهة المتزنة والحوار الجاد والصدق مع النفس ومع الغير.

إن الإصلاح أمر واع وإرادي يتطلب تضحيات آنية وفردية في سبيل مكاسب جماعية ومستقبلية من جميع الأطراف. ولذلك فالإصلاح لا يمكن تهريبه بالتحايل، أو تسوله وإنما يجب التوافق عليه من حيث المبدأ بين الحكومات من ناحية، وبين الأفراد والجماعة التي تنشد التغيير ممثلة في حركة إصلاحية معترف بها من ناحية أخرى.

ومن هنا فإن نمو حركة إصلاحية في كل دولة، وإنشاء منتدى لتعزيز جهود الإصلاح على المستوى الإقليمي، ربما يكونان نقطة البداية في العمل من أجل تفعيل أجندة إصلاح جذري من الداخل. ولعل المنطق البسيط في ذلك هو أن للوضع القائم من يؤطره ويمثله ويتحدث باسمه. ولذلك لا بد أن يكون للأفراد والجماعات الذين ينشدون التغيير من إطار جامع، له قواسمه المشتركة وهناك من يمثله ويتحدث باسمه.

ففي كل دولة عربية نجد أن هناك حزباً للحاكم، ولا يوجد حزب حاكم بالمعنى الصحيح. يؤطر حزب الحاكم هذا، الموالين والمستفيدين من الوضع القائم ويعبئهم وفقاً لمشية السلطة –ما ظهر منها وما بطن- ومصلحتها وتوجهاتها، سواء كان ذلك الحزب ظاهراً أو باطناً ، يسمى حزباً أو تعبر عنه مجموعة أحزاب السلطة أو الإدارة كما يقال، أو لا يحمل اسماً ولا وجوداً رسميا حيث لا يسمح للأحزاب بالوجود، كما هو الحال في دول المنطقة. وحتى يتحول الإصلاح من مجرد رغبة إلى مطلب لا بد أن يكون للإصلاح "حزبه" وأجندته ومن يمثله ويعبئ الناس حول حركته التي عليها أن تتحاور مع الحكومات من أجل تحقيق الإصلاح تدريجياً.

فكيف يكون لأجندة "إصلاح جذري من الداخل" حركة تحملها وتجمع أفراد وجماعات يقفون خلفها حتى يصبح من الممكن أن تتحاور تلك الحركة مع الحكومات حول أهمية الإصلاح وإمكانية وكيفية تحقيقه. هذا سؤال عملي يسهل طرحه وتستحيل الإجابة الفردية عنه، بل يحتاج إلى إعمال جماعي للفكر والتدبير من قبل الحاضرين – في ضوء الواقع والتجربة- حتى يتصل لقاؤنا هذا مع ما قبله من تجارب، ويتواصل به مع ما يمكن أن يتبعه من جهود لتعزيز حركة إصلاحية.

آليات تفعيل الأجندة

وفي سياق البحث عن سياسات وآليات وأدوات لتفعيل أجندة الإصلاح هذه، وفي إطار اللقاء الخامس والعشرين لمنتدى التنمية، يمكننا أن نعيد تلخيص ما سبق أن تم طرحه من تصورات أولية لتفعيل مطالب الإصلاح، وأن ننظر إليها على ثلاثة مستويات متكاملة ومتفاعلة:

  1. مستوى عمل منتدى التنمية
    يجب على منتدى التنمية في ضوء تحليلاته ونقده ودعوته للإصلاح عبر ربع قرن من عمره، أن يقوم بدور في تحويل أقواله إلى أفعال من خلال تحمل مسئولية المبادرة والقيام بالتالي:
    • تكوين لجنة تحضيرية من أبناء المنطقة من الحاضرين لهذا اللقاء ومن غيرهم، وتكليفهم بالتحضير والدعوة إلى مؤتمر من أجل تأسيس منتدى إقليمي دائم لتعزيز جهود الإصلاح في المنطقة عامة: ويمكن أن يطلق على هذا المنتدى اسم "منتدى المصالحة والإصلاح" أو "منتدى الإصلاح من أجل الديمقراطية والتنمية" أو "منتدى الحوار من أجل المصالحة والإصلاح" ، أو أي مسمى مناسب آخر. كما يمكن أن يكون هذا المنتدى مرتبطاً بمنتدى التنمية تنظيمياً أو يكون مستقلاً عنه، أو أن يتحول المنتدى نفسه إلى الاسم الجديد ويكيف أغراضه ويعدل نظامه ويطور إدارته ليقوم بتعزيز جهود المصالحة والإصلاح في المنطقة بعد أن قام بالدعوة إليهما.
      ويمكن أن تتمثل المهمات الرئيسية المرحلية لهذا المنتدى في التالي:
      • البحث بشكل دائم ومنظم عن قواسم وطنية مشتركة بين حكومات المنطقة وشعوبها بشكل عام، وبين الأفراد والجماعات التي تنشد التغيير بشكل خاص، وبين التيار الوطني والتيار الديني بكافة أطياف كل منهما على وجه الخصوص. وسبيل ذلك هو الحوار الموضوعي المسؤول على كافة المستويات وبين جميع الأطراف من أجل زيادة مساحة الفهم المشترك الأفضل بين أبناء المنطقة، والتوصل إلى أهداف وقواسم وطنية جامعة تتحول إلى أجندة للإصلاح متجددة، تدعمها حركة أهلية فاعلة.
      • القيام بالبحث والدراسة والنشر لتوضيح مضمون بنود أجندة الإصلاح والدعوة لها وإيضاح أهمية تبني أجندة إصلاح جذري من الداخل وإمكانية تحقيقها على أرض الواقع. وإلى جانب البحث والدراسة والنشر العادي والإلكتروني إضافة إلى الحديث في أجهزة الإعلام، يمكن للمنتدى أن ينظم الحوارات بين وعبر مختلف الأطراف والتيارات والأطياف من أجل توسيع قاعدة المشاركة في وضع أجندة الإصلاح، والعمل من أجل تحقيقها تدريجياً.
      • القيام بمهمة الدبلوماسية الشعبية من خلال تشكيل جماعات حكماء من ذوي الصدقية لدى الأطراف المتباعدة، وذلك من أجل المساعدة في جهود التقريب وإجراء مصالحات تاريخية بين التيارين الوطني والديني وكذلك بين أطياف كل منهما هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى القيام بالدبلوماسية الشعبية لدى الحكومات وإجراء حوار مع متخذي القرار ما أمكن وعلى جميع المستويات، وذلك من خلال قيام شخصيات عامة ذات صدقية لدى الشعوب والحكومات بالحوار حول أهمية وإمكانية وكيفية البدء بعملية الإصلاح، إضافة إلى تسهيل إمكانية الحوار داخل كل دولة، بين السلطة فيها وبين من ينشدون التغيير. فلا بد من أن يوضع حد للإقصاء والإسقاط والتباعد والتناحر إذا كان لأجندة إصلاح من الداخل أن توضع وتفعل.
      • تنسيق تحركات إقليمية سلمية تعبر عن تبني أبناء المنطقة، أجندة الإصلاح ومطالبتهم بوضعها موضع التطبيق. وفي هذا الصدد ربما يكون القيام باجتماعات وعقد تجمعات شرعية موازية للعمل الرسمي الإقليمي، فرصة للتعبير الأهلي. ومثال ذلك أن يٌعقد اجتماع أهلي في نفس الوقت الذي يعقد فيه المجلس الأعلى لمجلس التعاون اجتماعاته. فمثل هذا الاجتماع الموازي مفيد من حيث لفت النظر إلى أجندة إصلاح جذري من الداخل. ويمكن أن تتوسع هذه الاجتماعات والتجمعات الأهلية، إن أمكن لتكون موازية لكل من اجتماعات المجلس الوزاري والمجالس الوزارية المتخصصة وتكون بذلك وسيلة لإظهار الاهتمام الأهلي بالعمل الرسمي ومتابعة أجندته وقراراته وإبداء الرأي حولها وتقديم بديل لها إذا لزم ذلك. وربما يكون من المفيد ابتداء التفكير في تقديم عريضة تطالب بالإصلاح إلى المجلس الأعلى لمجلس التعاون، تعبيرا عن تبني هذا اللقاء، أجندة إصلاح جذري من الداخل. كما تكون هذه العريضة إعلانا عن مضمون الإصلاح المنشود ومؤشراً على اتساع تبنيه وتأييده إذا أخذ كل من الحضور مبادرة جمع التواقيع في مكان إقامته ومحيط علاقاته واتصالاته.
    • تنمية مجتمع مدني إقليمي متكامل مع المجتمعات المدنية الوطنية وتعزيز جهودهما: هناك حاجة ماسة لتنشيط المجتمع المدني في دول المنطقة حتى يقوم بدوره المهني والاجتماعي والثقافي، في صياغة أجندة الإصلاح والاهتمام بالجوانب القطاعية منها والمشاركة في تفعيل عملية الإصلاح عامة. وذلك من خلال أخذ أعضاء منتدى التنمية وأعضاء المنتدى الجديد المقترح، بزمام المبادرة في تأسيس منظمات غير حكومية قولاً وفعلاً، على المستوى الإقليمي في كل مجال من مجالات العمل الأهلي. فهناك أهمية وإمكانية لتنمية منظومة إقليمية من الجمعيات الأهلية تلتقي من خلالها جهود المنظمات غير الحكومية الوطنية المستقلة والجادة حيث وجدت في دولة من دول المنطقة مع جهود الأفراد غير المنضمين إلى الجمعيات الوطنية إضافة إلى الأفراد الذين لا يتاح لهم في بلدهم تكوين جمعيات أهلية. ومن الملتقيات الإقليمية التي لها فرص لتأسيس بعضها، الملتقيات المعنية بحقوق المواطن وحقوق الإنسان عامة وكذلك جمعيات أنصار الديمقراطية ومراصد الشفافية ، والملتقيات الثقافية في كل مجال من مجالات الأدب والفن والتربية والإعلام والاجتماع والاقتصاد وغيره، والملتقيات القطاعية مثل المرأة والشباب والعمال والكتاب. هذا فضلاً عن الحاجة إلى تكوين ملتقيات مهنية للمحامين والصحفيين والمهندسين والمحاسبين والأطباء والمعلمين، وتجمعات أصحاب الأعمال مثل الصناعيين والمقاولين والتجار والمزارعين وأصحاب المال وجمعيات صغار المساهمين في الشركات الإقليمية. وربما هناك حاجة لتنظيم المهرجانات الإقليمية وتأسيس جوائز علمية وأدبية وغيرها على المستوى الإقليمي. ولعل بناء مجتمع مدني إقليمي مكمل وفاعل ومتكامل مع المجتمعات المدنية الوطنية في دول المنطقة يتطلب وجود قانون وجهة رسمية مثل مجلس التعاون أو منطقة حرة لتسجيل وإشهار المنظمات غير الحكومية الإقليمية . وإلى أن يتم ذلك يمكن أن يكون وجودها بحكم الأمر الواقع أو أن تسجل في الخارج. إن الغرض من هذه المنظومة من الجمعيات والمنظمات غير الحكومية الإقليمية، يتمثل في استكمال نواقص المجتمع المدني على المستوى المحلي من حيث النوع والكم. وتوفير قنوات تعبير وتنظيم قد لا تتوفر بشكل كاف على المستوى المحلي. وعلى منتدى التنمية ومنتدى الحوار المقترح أن يتعاون في ذلك مع جميع الأطراف ذات العلاقة وأن يعزز جهودها.
    • تكوين وقفية لتعزيز العمل الأهلي الإقليمي:
      منتدى التنمية إذا كان له أن يتحول من القول إلى العمل يحتاج إلى وجود فعلي واستمرار في النشاط بين الاجتماعات. كما يحتاج إلى إدارة وجهاز بحث ودراسات ونشر وإعلام متفرغ. وهذا يتطلب نفقات لا يمكن توفيرها بالكامل من اشتراكات أعضائه. وكذلك يتطلب المنتدى الجديد المقترح تغطية لنفقاته التأسيسية. كما يتطلب هدف المنتدى المتعلق بتنمية مجتمع مدني إقليمي، الكثير من المال لدعم نشاطات منظمات المجتمع المدني في مرحلة تأسيسها على الأقل. وإذا كانت فرصة التمويل الوطني الأهلي والحكومي الراهن لمثل هذه النشاطات ضئيلة، ومصادر التمويل الخارجي لها محاذيرها فضلا عن أولوياتها، فإن الحاجة إلى تكوين وقف لتعزيز العمل الأهلي الإقليمي حاجة ماسة. ولا بد من تلبية الحد الأدنى منها من خلال موارد وقف يؤسس لهذا الغرض.
      وإذا كان علي أن أطرح تقديراً أولياً لهذه الوقفية ، فإنني أقدر الحد الأدنى لهذا الوقف بمليون دينار كويتي يجمعها أعضاء منتدى التنمية وأعضاء المنتدى الجديد المقترح، بمعرفتهم كل حسب قدرته مهما قل ما يجمعه. المهم هو الالتزام من حيث المبدأ والتعبير عن هذا الالتزام بالمحاولة كل ضمن إمكانياته وعلاقاته وصلاته بأهل الخير من المعنيين بالإصلاح في المنطقة، إضافة إلى القيام بحملة مهنية لجمع تبرعات لهذا الغرض. ومن المهم أن يتم استثمار هذه الوقفية منذ البداية في أصول مدرة للدخل. وجديٌر بالتأكيد أن التمويل من موارد الوقف هو تمويل معزز ومساند للتمويل الذاتي ولا يمكن أن يتخطى نسبة من التمويل الجاري، ومن المفيد أن يرتبط بإلزام الجهة الممولة بتوفير ما يوازي التمويل من الوقف على الأقل من مصادر أخرى.
    • إعادة تنظيم منتدى التنمية وتحقيق الديمقراطية داخله:
      إدارة منتدى التنمية إدارة ودية تلقائية غير متفرغة ولا توجد لعملها قواعد تنظيمية مطبقة. وحتى اجتماعات الهيئة أو الجمعية العامة وانتخاب اللجنة التنفيذية ليست مسألة رسمية وإنما تتم بالتجاوز عن النصاب ويتم التوافق على تعيين أعضاء اللجنة التنفيذية من قبل الحضور على قلتهم. وهذا ما اختاره أعضاء المنتدى في الماضي عندما كان غرضه قد تحدد في تنمية فهم مشترك أفضل بين أبناء المنطقة، ونشاطاته لا تتعدى لقاء سنويا في العادة. أما إذا أردنا أن نحمل المنتدى المسؤوليات المقترحة حتى ينتقل من مرحلة القول إلى مرحلة العمل في ربع القرن القادم من عمره، فإننا نحتاج إلى إعادة تنظيم المنتدى ليكون له وجوٌد ماديٌ ونشاطٌ مستمرٌ طوال العام وإدارة تنفيذية متفرغة وموقع على شبكة المعلومات وغير ذلك من متطلبات القيام بالمهمات الجديدة. كما أن المنتدى يحتاج إلى توسيع نطاق عضويته وزيادتها وتجديد الدماء فيه، بعد ربع قرن من العمل التأسيسي الذي أصبح موضع نقد، نتيجة لتركيزه على القول دون العمل ولم يعد مناسباً للمرحلة الراهنة بعد أن كان ضرورياً في المرحلة السابقة، وتجري ضمن محددات ما هو متاح للعمل الأهلي في الفترة السابقة. وإعادة التنظيم هذه، تحتاج إلى أن تؤسس على قاعدة الديمقراطية وتوفير شروط ممارستها من مبادئ ومؤسسات وآليات وأدوات قادرة على جذب القيادات المناسبة وتحفيزها على تولي إدارة المنتدى وتفعيل دور الأعضاء ومشاركتهم الفعالة في تحديد الخيارات واتخاذ القرارات. وهذا الجانب موجود على جدول المراجعة الراهنة بمناسبة مرور خمسة وعشرين عاما على إنشاء المنتدى. وحسب علمي فإن المنسقة العامة للمنتدى واللجنة التنفيذية قد شرعت في ذلك وسوف تتقدم بمشروع إعادة التنظيم وما يتطلبه من نظام أساسي وداخلي على ضوء نتائج هذا اللقاء وما يقرره من مهمات إضافية، على المنتدى أن يقوم بها.

  2. قطر والإمارات أكثر بعداً عن إمكانية قيام حركة إصلاحية تستجيب الحكومات إلى الحوار معها

    العمل الأهلي على المستوى الوطني

    العمل الحقيقي من أجل إصلاح جذري، هو بشكل رئيسي عمل أهلي داخل كل دولة من دول المنطقة. وهو نضال سلمي وطني من الداخل، لا يمكن أن يتصدى لـه سوى مواطني كل دولة في إطار مقتضيات المواطنة وحقوقها، وفي ضوء هامش الحريات العامة من حرية تعبير وحرية تنظيم، وفي حدود المشاركة السياسية المتاحة للمواطنين. هذا إلى جانب التأثير الخارجي والإقليمي سلباً وإيجابا.
    ولذلك فإن الإصلاحيين في كل دولة مطالبون ببلوغ مستوى الكتلة التاريخية اللازمة لتحمل أعباء حركة إصلاحية فاعلة ومستدامة. ومن أجل بناء هذه الكتلة بالتدريج يجب ابتداءً أن يرتقي الأفراد والجماعة التي تنشد التغيير بخطابهم وتنقيته من ألفاظ التجريح والابتعاد به عن توجهات الإلغاء والإقصاء. وتطهيره من تهم التخوين والتكفير والتجهيل، التي –مع الأسف- تقذف بعض الجماعات بها أحيانا بعضها بعضاً.
    إن ضبط الخطاب والترفع عن استعداء السلطة -الظاهر منها والباطن- من قبل طرف أهلي ضد آخر، هو شرط الحوار البناء بين الأفراد والجماعات التي تنشد الإصلاح السلمي وترى فيه مصلحة وطنية لها، وصولاً إلى تنمية قواسم مشتركة جامعة يؤسس عليها الإصلاحيون توافقهم على أجندة إصلاح جذري، ويدعمون بها عملهم المشترك من خلال حركة إصلاحية فاعلة يمكن للحكومات أن تتحاور معها. وجديرٌ بالتأكيد أن هذا الضبط والتنقية للخطاب والسلوك لن يتم دفعه واحدة ولا بين عشية وضحاها، وإنما يمكن أن يتم تدريجياً باعتباره خلقا حميدا وسلوكا مسؤولا وضرورة وطنية.
    وجديرٌ بالتأكيد أيضا في هذا الصدد أنه إلى أن يتم ضبط الخطاب، فإن دعوات الإصلاح في كل دولة سوف تبقى مجرد رغبات، ولن تتوصل إلى توافق على أجندة إصلاح أو تستطيع أن تنمي حركة إصلاحية توحد جهود المتضررين من بقاء الأوضاع الراهنة واستمرار مسارها الخطر. وإلى أن يتمكن العقلاء من دعاة الإصلاح من الحد من غلو وتطرف البعض ويتمكنوا من احتواء الحرب الأهلية الفكرية بين التيارات عامة والتيارين الوطني والديني خاصة وبين أطياف كل منهما على وجه الخصوص، فإن إمكانيات الإصلاح الجذري -مع الأسف- مؤجلة مهما اتسع هامش الحريات العامة وزاد مستوى المشاركة السياسية. ولعل التباعد بين الأفراد والجماعات التي تنشد التغيير في الكويت وربما البحرين أيضا في الوقت الحاضر، مثال على إعاقة إمكانيات تفعيل حركة إصلاح جذري. هذا بالرغم من وجود قدر من الحريات العامة يسمح بقيامها. وربما يشير هذا التباعد إلى محذور استخدام هامش الحرية المتاحة لبناء المواقع على حساب الآخرين قبل تثبيت الوضع الدستوري وتأسيس نظام حكم ديمقراطي.

    في السعودية وإلى حد أقل في سلطنة عمان توجد جماعات إلى جانب الأفراد ينشدون التغيير

    إن الأوضاع الراهنة في كل دولة من دول المنطقة بل في كل دولة عربية أيضا، هي في أمس الحاجة إلى إصلاح جذري لأوجه الخلل المتعددة. ومنها الحاجة إلى إعادة تأسيس النظام السياسي على قاعدة الديمقراطية والتعاقد المجتمعي المتجدد، المتمثل في وجود دستور ديمقراطي تتوفر له مقومات وضمانات التطبيق على أرض الواقع. وهذا الدستور الديمقراطي –في تقديري– ما يزال غاية لم تبلغها أي دولة عربية بعد. وإلى أن تبلغ أي دولة هذه المرحلة، فإنها تعتبر في مرحلة استثنائية انتقالية حسب منطق القرن الواحد والعشرين. ولذلك فإنه لا مكان للتناحر فيها –وإن كانت هناك حاجة لقبول الاختلاف في الرأي والاجتهاد والمصلحة ونبذ الخلاف، وذلك في إطار التركيز على القواسم المشتركة بين الأفراد والجماعات التي تنشد التغيير، وإلا ذهبت ريحهم هباء، عندما يستهلك كل منهم طاقة الآخر ويشل قدرته، لصالح بقاء الأوضاع المختلة على ما هي عليه، بدلاً من مواجهة "حزب" الحاكم القوي والمتمكن بكثرة الاتباع، اقتناعاً أو منفعة أو لقلة الحيلة واليأس من إمكانيات التغيير، بتجمع "الدستور الديمقراطي" أو تجمع "الإصلاح الجذري"، أو حزب "الشعب" مقابل "حزب الحاكم" إن جازت أو صحت التسميات.
    وإلى جانب عقبة التناحر بين الأطراف الداعين إلى الإصلاح ، يبرز الواقع السياسي والسكاني الراهن في كل دولة من دول المنطقة، باعتباره عقبة كأداء أمام قيام حركة إصلاحية فاعلة ومستدامة وإن اختلفت هذه العقبة اليوم من دولة إلى أخرى.

    تتميز الكويت بوجود دستور تعاقدي وإن كان قد تم تعطيله أكثر من مرة وتوجد فيها سلطة تشريعية أغلبية أعضائها منتخبون

    وفي تقديري أن قطر والإمارات أكثر بعداً عن إمكانية قيام حركة إصلاحية تستجيب الحكومات إلى الحوار معها. وذلك بسبب تراجع دور المواطنين وسلبية النخب عامة وقلة حيلة المدركين لضرورات الإصلاح إضافة إلى استعذاب الجزرة. ولذلك نجد أن قدرة الداعين للإصلاح تعجز حتى عن تقديم العرائض العامة وتقديم طلبات تأسيس جمعيات أهلية في قطر على سبيل المثال، وهذا مؤشر على غياب الفرصة وتدني مستوى القدرة على مخاطبة السلطة والهيبة منها، دع عنك الحوار معها. وربما تكون البداية في مشاركة مواطني هاتين الدولتين في الجهود الأهلية الإقليمية والعربية والدولية، إضافة إلى التعبير من خلال الكتابة إلى جانب مد الخطوط وتوثيق العلاقات بين الأفراد ولا أقول الجماعات، وإنما الجمعيات في الإمارات وربما المجالس ومن خلال اللقاء في المساجد فيها وفي قطر. وذلك من أجل الوصول إلى قدرة التعبير والحصول على حق التنظيم في هذه المرحلة. وقد يساعد اتساع ذلك الهامش بعد كسر حاجز التردد على مخاطبة الحكومات وصولا لحوار وطني مسؤول معها.

    تجربة الأفراد والجماعات التي تنشد التغيير في البحرين أكثر قدرة على إيجاد قواسم مشتركة وتنمية حركة إصلاح جذري

    وفي المملكة العربية السعودية وإلى حد أقل في سلطنة عمان، توجد جماعات إلى جانب الأفراد ينشدون التغيير، ويعبرون عنه في المملكة منذ 1991 بالعرائض إلي جانب أشكال التعبير المحدودة الأخرى، والتي اتسعت بسبب الأوضاع الخارجية والداخلية الضاغطة على السعودية وقادت إلى قبول مبدأ الحوار . وفي هاتين الدولتين يتعرض الإصلاحيون إلى ضغوط سلطوية تترافق فيها الجزرة مع أٌختيها، ولكن الضغوط الخارجية والثقافية على المملكة والضغوط التاريخية على السلطنة والضغوط الاقتصادية، لاسيما نمو معدل البطالة في كليتهما، ربما تساعد على تضيق شقة التباعد بين الأفراد والجماعة وتؤدي بعد كسر حاجز التقليد إلى حركة إصلاحية ذات أجندة إصلاح جذري تتجاوز سقف العرائض إلى التأكيد على ضرورة الحوار الوطني على المستوى الأهلي ومع الحكومات من أجل الإسراع بالإصلاح.
    أما الكويت وإلى حد أقل البحرين، ففيهما فرصة أفضل لنمو حركة إصلاح جذري. هذا إذا تم التوصل بين الأفراد والجماعات التي تنشد التغيير إلى توافق على قواسم مشتركة وتم تجسدها في أجندة إصلاح جذري. وتتميز الكويت بوجود دستور تعاقدي لم يجر تعديله من خارج آلياته، وإن كان قد تم تعطيله أكثر من مرة، كما توجد فيها اليوم سلطة تشريعية أغلبية أعضائها منتخبون، ويمكن بالتالي أن تعمل فيها حركة إصلاح جذري من خلال المؤسسات الدستورية. هذا إذا احتوت حركة الإصلاح الجذري، التباعد بين التيارات السياسية وأطياف كل تيار منها، ووحدت جهود الأفراد والجماعات التي تنشد التغيير في تجمع تربط بين أطرافه قواسم مشتركة، يلتزم بأجندة الإصلاح ويسعى إلى وضعها موضع التنفيذ في إطار تفعيل العمل بالدستور وفتح آفاق التحول الديمقراطي التي عطل تفرق أصحاب المصلحة في الإصلاح الجذري ولوجها.
    أما البحرين فإن تجربة الأفراد والجماعات التي تنشد التغيير فيها تبدو أكثر قدرة على إيجاد قواسم مشتركة وتنمية حركة إصلاح جذري. كما أن دستور المملكة لعام 1972م ما يزال هو قاسم مشترك، تستقطب الدعوة من أجل عودة العمل به نسبة معتبرة من شعب البحرين عبر التيارات والجمعيات السياسية العاملة في البلاد. ومن هنا فإن عودة القوى التي تنشد التغيير إلى تأكيد قواسمها المشتركة وبلورتها في أجندة إصلاح جذري يتم التحاور حولها مع الحكومة، ربما تكون نقطة البداية لتفعيل حركة إصلاح جذري في البحرين.
    وجديرٌ بالتأكيد في الختام أن أي تقدم في أي دولة من دول المنطقة هو رصيد لحركة الإصلاح في بقية الدول.
  3. على مستوى العمل الإقليمي والدولي
    هناك مجالات متعددة كثيرة أخرى على المستوى الرسمي والأهلي، الإقليمي والعربي والدولي، يمكن أن تساعد على العمل من أجل تنمية متطلبات وضع أجندة إصلاح جذري من الداخل موضع التطبيق. هذا إلى جانب العمل على مستوى منتدى التنمية والعمل الأهلي على المستوى الوطني، الرئيسيين. ويمكن باختصار في هذه المرحلة المبكرة من بناء الأجندة وتحري متطلبات العمل من أجلها، الإشارة إلى مجالين هامين مكملين ومتكاملين مع ما سبق ذكره من متطلبات.
    • تركيز العمل مرحلياً على إيصال تعاون دول المنطقة إلى اتحاد فيدرالي بين أقطارها، وفقاً لما ورد في النظام الأساسي لمجلس التعاون: فمتابعة أداء مجلس التعاون ومطالبته بنقل مرحلة التعاون إلى مرحلة الاتحاد هي أيضاً في نفس الوقت دعوة إلى إصلاح جذري. فإقامة اتحاد فيدرالي بين دول المنطقة تتنازل فيه الدول ابتداءً عن جزء من سيادتها، في مجال الدفاع والسياسة الخارجية وسياسات التنمية وإقامة سلطة تشريعية وتنفيذية اتحادية ونظام قضائي اتحادي يكرس حكم القانون، لا يمكن أن يتم إلا وفق ترتيبات لنظام حكم اتحادي يمنع فيه حاكم أو نخبة بلد واحد من الهيمنة على بقية الحكام والنخب والبلدان. وبالتالي فإن تأسيس العلاقة بين الحكام والنخب والبلدان بشكل خاص وبين السلطة والمجتمع بشكل عام في حالة الاتحاد، لا بد أن تكون على قاعدة الديمقراطية ووفق دستور اتحادي ديمقراطي. وهذا المطلب في حالة التوجه إلى الاتحاد سوف يكون مطلب الحكام والنخب الحاكمة والمؤثرة إلى جانب كونه مطلب المحكومين.
      وإضافة إلى ذلك فإن تجسيد كيان اتحادي سوف يسمح بفرص حقيقية للتنمية، ويفتح آفاق تحقيق أمن إقليمي قومي يصعب تحقيقه في حالة استمرار التجزئة الراهنة. وهذان المكسبان هما السبيل إلى تحقيق بقية بنود أجندة إصلاح جذري من الداخل، الأخرى، من علاج للبطالة وتأسيس شبكة أمان ضدها وضمان حق التعليم والعلاج وإصلاح للخلل السكاني والخلل الإنتاجي والخلل الأمني إلى جانب تصحيح العلاقة بين الحاكم والمحكوم وتعزيز مطلب الديمقراطية وحقوق الإنسان.
      ولعل اقتراب منطق الحكام والنخب المؤثرة من منطق دعاة الإصلاح والقوى التي تنشد التغيير يكون أكثر، ومقاربة أجندة الإصلاح تكون أيسر في حالة التوجه إلى الاتحاد ونشوء وضع جديد لا تكون فيه التنازلات منحصرة بين السلطة والمجتمع في كل بلد، وإنما تكون تنازلات مركبة ومتعددة الجوانب، بعيدة عن الحساسيات المباشرة، لصالح وضع مستقبلي يكسب فيه الجميع ويؤمنون مصالحهم المشروعة ويطمئنون فيه إلى مصيرهم.
      وأقرب مثال يرد على هذه الحالة الرفيعة المسؤولة من التنازلات المتبادلة، هو ما حصل بين سلاطين ماليزيا ومقاطعاتها ونخبها عندما تحقق اتحاد بينها وأسسته على قاعدة الديمقراطية وفتحت أمامه آفاق الأمن والتنمية، بعد الحرب العالمية الثانية، وانتقلت بحكمة من وضع الاضطراب ومخاطر ضياع مجتمعاتها مثل ما ضاعت سنغافورة بالنسبة لأهلها الملاويين وتضطرب اليوم فيجي على سبيل المثال، إلى وضع أكثر استقراراً وأوسع آفاقاً كسب فيه الجميع وحرصوا على استمراره.
    • مد جسور التعاون والتفاهم والاعتماد المتبادل على المستوى العربي والإسلامي والدولي على وجه الخصوص: وهذا لن يتأتى إلا عندما تكون هناك حركة للإصلاح فاعلة وعاقلة على الأرض وذات وجود ورؤية تعمل على كسب الأصدقاء وتنمية رأي عام حول مطالب إصلاح جذري من الداخل، تلين بموجبه الاعتراضات الرسمية الخارجية والداخلية وتنمى إرادة الإصلاح عند متخذي القرار في الخارج والداخل، بعد أن يتم إضعاف التصميم والعناد لدى البعض وإصرارهم على بقاء الأوضاع على ما هي عليه، الأمر الذي يعمل على تآكل إرادة أصحاب المصالح الآنية والأنانية في الداخل والخارج، عندما يجدون حركة إصلاح جذري من الداخل قد كسبت رأيا عاما دوليا إلى جانبها، أهليا ورسميا بقدر الإمكان. إن عالم اليوم قد امتزج فيه الداخل والخارج وأصبح الخارج فاعلاً ربما أكثر أحيانا من الداخل في أوضاع مثل أوضاع المنطقة، ولا بد لحركة الإصلاح من الداخل أن تقدم نفسها وتؤكد صدقيتها وتراعي المصالح المشروعة للشعوب والدول في إطار المصالح الوطنية وثوابت مجتمعاتها.

_______________
* باحث قطري في القضايا الديمقراطية