تمر فنزويلا بأزمة مستمرة منذ عدة أشهر، فهي تعيش تجاذبا بين قطبين سياسيين واجتماعيين هما معارضة تجمع بين نقابات العمال وأرباب العمل والإعلام المستقل وبعض عناصر الطبقة الوسطى والكنيسة في جهة، ومناصري هوغو شافيز من الجيش والجماهير الفقيرة في الجهة الأخرى.

وكانت إصلاحات شافيز وما انبثق عنها مما أصبح يعرف بالثورة البولفارية ذات الطابع الاجتماعي والاقتصادي قد أعطت لمسار الأزمة الفنزويلية أبعادا عميقة، فبرزت معارضة يغذيها تنافس بين أحزاب سياسية بعضها تقليدي، نشأ في ظل حكومات سابقة فقدت الحكم، وبعضها جديد من أبرزه حركة الجمهورية الخامسة التي يتزعمها الرئيس الحالي شافيز.

وقد التأمت تلك المعارضة في البداية حول رجل الأعمال بيدرو كارمونا، رئيس اتحاد الغرف، الذي لم يطح بشافيز في انقلاب عسكري إلا ليقصى عن الحكم في أقل من يومين. وقد حل محله في رئاسة أرباب العمل الفنزويليين وفي زعامة المعارضة كذلك كارلوس فرننديس متحالفا مع زعيم نقابة العمال كارلوس أورتيغا.

ومنذ قيام فنزويلا بإنتاج البترول وتصديره وسياستها النفطية تتسم بالفساد، لذلك سن الرئيس هوغو شافيز قانون الطاقة، وقام بمحاولة إصلاح شركة النفط الفنزويلية، التي تشكل عصب الاقتصاد في بلد يعد الخامس في العالم من حيث إنتاج النفط. وردا على إصلاحات شافيز أعلنت المعارضة إضرابا عاما منذ بداية ديسمبر/ كانون الأول الماضي، وقد ركزت على قطاع النفط للتأثير على اقتصاد الدولة، رغم تقليل وجهة النظر الرسمية للأزمة من شأن هذا الإضراب.

ولم يقتصر شافيز في "ثورته البولفارية" على الشأن الداخلي، فقد أعلن عن سياسة خارجية تقوم على التحالف مع كوبا وغيرها من الأنظمة ذات التوجه اليساري في أميركا الجنوبية، وتحاول التنسيق المستمر بين أعضاء أوبك، كما لا تتحاشى نقد السياسات الأميركية، الأمر الذي لم يرق لواشنطن.

وستكون تداعيات الأزمة الفنزويلية ذات أثر بالغ على السياسة الدولية نظرا لأهمية فنزويلا كمنتج رئيسي للبترول. فلو توقفت فنزويلا جراء الأزمة الراهنة عن ضخ البترول، وتوقف العراق في حالة وقوع ضربة أميركية، فهل سيتمكن المنتجون الآخرون في الأوبك من تعويض هذا الغياب؟.

إن الأزمة الفنزويلية، كما عبر عنها الرئيس أو مستشاروه المقربون أو كما عبرت عنها المعارضة، قد جعلت فنزويلا تتحول من بلد مغمور إلى موضوع يسترعي اهتمام الرأي العام العالمي ويضع أمام التوازانات العالمية وأهمها التوازنات الطاقية أكثر من سؤال.