|
الفرار من قهر الفقر إلى وهم الغنى |
|||||||||||||
|
"بليونش" أو"غوروغو" أسماء أمكنة لم تعد مرتبطة بالمغرب الذي وضعته الجغرافيا على عتبة "الجنة الأوروبية" بقدر ما صارت مرتبطة بالقارة الأفريقية بأكملها حيث لم يعد المغاربة وحدهم الذين يحلمون بأوروبا ويضحون بحياتهم في سبيل تحقيق هذا الحلم، بل إن العشرات من الأفارقة القادمين من أعماق القارة الأفريقية التي مزقتها الحروب والصراعات الاثنية والمجاعات لعقود طويلة يقطعون آلاف الكيلومترات متنقلين عبر شاحنات وسيارات مختلفة أو سيرا على الأقدام من أجل الوصول إلى العيون أو الرباط أو طنجة، تلك المدن المغربية التي أصبحت تعني شيئا واحدا بالنسبة للمهاجر الأفريقي: إنها المحطة الأخيرة التي يمكنه أن يستريح بها بعد شهور طويلة قطع خلالها آلاف الكيلومترات وسط صحراء شمال أفريقيا الجرداء وشمسها الملتهبة حيث فقد العديد من أصدقائه في الطريق وصافح الموت أكثر من مرة مسترشدا ببوصلة الطبيعة وحاملا معه ذكريات مؤلمة عن قارة تدعى أفريقيا. الشرطة المغاربية والأفارقة
" لا تختلف الحياة داخل مخيم "بليونش" عن تلك التي ترعرع فيها الأفارقة في بلدانهم الأصلية، إذ يعيش داخل المخيم حوالي ثماني عشائر تضم مالي والسينغال وغينيا والسودان (أقلية) والكونغو برازافيل والكونغو كينشاسا. ومع توالي الأيام أدركوا أن المقام سيطول بهم فوق الأراضي المغربية لذلك نظموا حياتهم وأنشؤوا "دولتهم" الصغيرة في الأحراش المغربية ولحل مشاكلهم الداخلية وصراعاتهم الاثنية التي رافقتهم انشؤوا مجلسا للحكماء يضم ممثلين عن كل عشيرة يجتمع كلما اقتضت الضرورة من أجل الفصل في جملة من الأمور وتحديد المسؤوليات وأحيانا إصدار الأحكام في حق المخالفين لقانون العشيرة والتي تكون في غالب الأحيان إرسال المهاجر السري إلى أعماق الغابة ليحتطب مدة يومين أو ثلاثة أيام أو تكليفه بالحراسة لمدة طويلة، كما يعين مجلس الحكماء طبيبا للعشيرة مكلفا بالإشراف على أحوال المرضى من المهاجرين السريين ويصف لهم بعض الوصفات التقليدية التي تعلمها في بلده، كما أنه يلجأ أحيانا إلى بتر بعض الأعضاء التي يصيبها التعفن ويستعصي علاجها.(1) ورغم أن "مجتمع الغابة" ذكوري بامتياز إلا أن بعض أفراده يتزوج فطريا في حالة ارتباطه عاطفيا بإحدى الفتيات المهاجرات وأحيانا يرزق بأول أبناءه وهو ما زال داخل المخيم ينتظر الفرصة المواتية لعبور الأسلاك الشائكة التي تفصله عن مدينة سبتة المحتلة التي تعتبر قانونيا جزءا من التراب الأوروبي. كما يوجد داخل المخيم إمام وراهب يشرفان على الأمور الدينية للمهاجرين المسلمين والمسيحيين الذين يعيشون جنبا إلى جنب داخله حيث يصل عدد المقيمين به في بعض الأحيان إلى 800 مهاجر. الزنكة
قصص دامعة وذكريات مؤلمة ويحكي سيكو (مهاجر كاميروني 23 سنة) قائلا "طلبت تأشيرة الدخول إلى إسبانيا من سفارتها في الكاميرون، لكنها أجابت على طلبي بالرفض، فقررت مع عشرين من رفاقي الالتحاق بليبيا ومنها نجتاز البحر صوب إيطاليا بمساعدات مافيا الهجرة السرية، إلا أنه بعد أسابيع من السير في صحراء ليبيا الشاسعة توفي عشرة من رفاقي بسبب الجوع والتعب، فدفناهم وسط رمال الصحراء فيما لفظ ثلاثة آخرون أنفاسهم الأخيرة بعد الوصول إلى طرابلس. ويضيف المهاجر السري الذي ينتظر حاليا فرصته في عبور الأسلاك الشائكة" اشتغلت مدة شهرين في النيجر من أجل تدبير ما يكفي من المال لإكمال مشواري الطويل قبل أن تعتقلني السلطات مع مهاجرين آخرين بسبب عدم توفرنا على أوراق الإقامة مما اضطرنا إلى مواصلة السير مجددا بواسطة إحدى الشاحنات التي وجدناها صدفة على قارعة الطريق بعدما تعطل محركها لكن السائق الذي ساعدناه في إصلاح شاحنته واتفقنا معه على إيصالنا إلى الحدود لم يكن يعرف الطريق جيدا مثل باقي السائقين الذين يمتهنون هذا العمل بعد ارتفاع عدد الراغبين في الهجرة إلى أوروبا، وفي الطريق شاهدنا سيارة تحمل عددا كبيرا من جثث بعض المهاجرين السريين الذين قضوا نحبهم داخل إحدى الشاحنات. وبعد فترة من المسير تعطلت شاحنتنا فواصلنا المسير على الأقدام مدة عشرة أيام، وكدنا نموت من التعب قبل أن نصل إلى الحدود الجزائرية المغربية بعد شهور طويلة فقدنا خلالها أغلب أصدقائنا الذين خرجوا معي من الكاميرون". لقد صار المغرب مع اشتعال رؤوس الشباب الأفريقي بحمى الهجرة السرية يمثل بوابة النعيم التي يجب الوقوف لشهور أمام عتبتها انتظارا لأن تفتح فيفر خلالها من استطاع من أبناء أفريقيا اليائسين، والمفارقة أن الأفريقي الذي كان يختطفه الأوروبيون في القرون الغابرة من وسط الأدغال لبيعه في أسوق النخاسة الأوروبية صار هو الذين يضحي بحياته الآن من أجل الالتحاق بأوروبا ليعيش عبودية جديدة بعدما رفع "السيد الأبيض" نفسه شعارات الحرية والمساواة وحقوق الإنسان.
هوامش
المصدر:غير معروف
|
|||||||||||||
|
|
|






