سعيا منا إلى إلقاء الضوء أكثر على الأمازيغية في إطارها الليبي حاورنا مجموعة من المثقفين الليبيين حول الموضوع، فكانت خلاصة الحوار كالتالي:

فعن الجذور التاريخية للمسألة الأمازيغية في ليبيا، يقول مدير مؤسسة تاوالت الثقافية الصحفي الأمازيغي محمد ربيع عاشور الكباوي "علينا أن نبحث عن اسم ليبيا من أين جاء؟ ماذا يعني؟ ليبيا هي ليبو تلك القبائل الليبية -هكذا يقول التاريخ- بزمنها الكبير والممتد إلى أكثر من 10 آلاف سنة".

"
وزير الخارجية الليبي الأسبق علي حسنين: لا توجد مشكلات البتة بين العرب والأمازيغ على امتداد تاريخنا الحديث والمعاصر
"

ويضيف أحد المهتمين -آثر عدم ذكر اسمه- بالشأن الأمازيغي قائلا "من الصعب أن نحدد تاريخ الولادة بدون التعرف على المولود. لا شك أن كل ما ينسب إلى الأمازيغ -مسألة أو قضية- ظهر مع ظهور الأمازيغ أنفسهم وبقي مع بقاء الأمازيغ، ولذلك من السهل أن نجد أدلة تدعم وجود قضية أو مسألة أمازيغية في أي زمان من تاريخ الأمازيغ، لأنه يقع أغلبه تحت الاستعمار أو الاستيطان أو غيرهما من مسميات الهيمنة الوافدة".

مسؤولية التعريف بالقضية تقع على المنتسبين إليها، ولو سألناهم في عصر الرومان أو في عصر عقبة بن نافع لاختلفت ردودهم عن بعضها بعضا وعن ردود دعاة الأمازيغية اليوم في الكثير من الجوانب، مع احتمال التشابه في بعض الأوجه. ولذلك ليس من المعقول أن نرد نشأة الطرح المعاصر إلى بعض السنين أو إلى ولادة الإنترنت أو حرب أفغانستان، بل هو سابق لتلك الأحداث ولكن نمو سبل الاتصالات أدى إلى نمو ذلك الطرح، بخيره وشره".

ويقول وزير الخارجية الليبي الأسبق والمهتم بالدراسات التاريخية علي حسنين "إن النموذج الليبي يمثل قدوة ومثلا ينبغي أن يحتذى في التعاطي مع الحالة الأمازيغية، حيث لا توجد ثمة مشكلات البتة بين العرب والأمازيغ على امتداد تاريخنا الحديث والمعاصر".

وألمح إلى أن أول اهتمام بالمسألة الأمازيغية كان مع طلائع الاستشراق السياسي الإيطالي مطلع القرن الماضي، حيث أشرف المستشرقون على تأسيس معهد بمنطقة زوارة للمنصرين الكاثوليك، وألف كتاباً حول اللغة الأمازيغية.

واستدرك الأستاذ علي حسنين قائلا "وفي مطلع ثلاثينيات القرن العشرين صدر أول كتاب باللغة الإيطالية يحبِّذ افتعال المشكلات بين العرب والبربر بشتى الوسائل من أجل استقرارنا في ليبيا".

ولكن الباحث محمد ربيع يختلف مع هذا الرأي، حيث يقول "إنه من الأفضل أن ننزع جلباب الشرق ونسبر أغوار تاريخنا الليبي المشرق، كما علينا أن نتفهم كارثتنا عندما استورد البعض لنا تاريخ الغزوات والسبي وصموا به آذاننا وأجبرونا كما أجبروا أطفالنا على حشو رؤوسنا به. الشأن الأمازيغي شأن ليبي صرف والأمازيغية مكون متجذر في الهوية الليبية ورقم صعب في بطاقة تعريف ليبيا".

"
د.علي فهمي أخشيم: ليس ثَمة مسألة أمازيغية ليبية والأمازيغ عرب خلص، واللغة الأمازيغية ذات أصل عربي
"

ويرى الباحث الأكاديمي الدكتور علي فهمي أخشيم أنه ليس ثمة مسألة أمازيغية بالمرة مستندا إلى أن الأمازيغ عرب خلّص، وأن اللغة الأمازيغية ذات أصل عربي وكلهم يتحدثون اللغة العربية ولا يوجد أي متحدث باللغة الأمازيغية فقط في عموم ليبيا.

ويعلق مثقف عربي ليبي غير ناطق بالأمازيغية على ذلك بقوله "ما دامت اللغة الأمازيغية لغة عربية قديمة، لماذا لا نترك الأمازيغ يتغنون بها ويرقصون بها ويتحدثون بها ويكتبون بها ما دامت عربية قديمة؟ لماذا نحاربها؟"

ويعقب محمد ربيع عاشور على ذلك بقوله "هناك من يحلو له تزوير التاريخ وقلب الحقائق، وهذه السياسات هي التي ساهمت بشكل كبير جدا ومؤلم في إقصاء وتهميش الأمازيغية في ليبيا، وجعلت البعض يفغرون أفواههم عند سماعهم كلمة أمازيغ أو أمازيغية".

وحول قراءته للمشهد الأمازيغي المعاصر وتنوع خطاباته، ألمح الأكاديمي الليبي الأمازيغي الدكتور عبد الله بياله إلى أن هناك اتجاهات مختلفة في الخطاب الأمازيغي، بعضها لا يعبر عن الأمازيغ ولا يملك أي شعبية، بل هي اتجاهات مرفوضة من قبل القاعدة الشعبية لأنها علمانية ولا دينية ومستوردة. أما الاتجاه الواقعي والشعبي فهو الاتجاه الذي يرتكز إلى أن الأمازيغ جزء من الأمة الليبية وجزء من المنطقة الجغرافية العربية وهم جميعهم يتكلمون الأمازيغية والعربية، وينتمون إلى الأمة الإسلامية ويرتبطون مع العرب والمسلمين برباط الإسلام المقدس.

وهذا الاتجاه الأمازيغي الأصيل يرى في التاريخ الأمازيغي الذي يمتد إلى ما قبل الإسلام تاريخا وعمقا حضاريا للمسلمين بشكل عام، وهو إضافة معرفية وثقافية للحضارة الإسلامية. واللغة الأمازيغية هي التي ترجمت النشاط العقلي والوجداني للأمازيغ وساهمت مع اللغة العربية في البناء الحضاري الإسلامي، وشارك الأمازيغ في السياسة حتى صار أحدهم أحد أباطرة الرومان.

وفي ليبيا ساهم الأمازيغ بمساهمات إسلامية متميزة تمثلت في المدرسة الإسلامية الإباضية، فكان الإنتاج الأدبي والفقه الإباضي الغزير يتمثل في اللغة البربرية الرفيعة التي خاطبت العقل كما خاطبت الوجدان، فالأمازيغ في ليبيا يفخرون بما قدمته المدرسة الإباضية من نشاط منقطع النظير، ويشمل ذلك المؤلفات والمصنفات الكثيرة والكبيرة التي منها "ديوان العزابة" و"ديوان الآساح". ويضيف بياله قائلا "ونحن نرفض فكرة القومية سواء الأمازيغية أو العربية".

ولعل ذلك ما جعل الأمازيغ لا يشعرون بفارق كبير بينهم وبين إخوانهم العرب الآخرين من سكان هذا الوطن، مما ساعد كثيرا الأمازيغ في الاندماج في الحياة العامة الليبية عن جدارة تجعلهم يتفوقون في الكثير منها حتى على إخوانهم العرب، وهم بذلك لا يشعرون بعقدة "السوبرمان" من طرفهم أو من طرف غيرهم، فهم منفتحون على كل شيء جديد.

"
ساهم الأمازيغ في ليبيا بمساهمات إسلامية متميزة تمثلت في المدرسة الإسلامية الإباضية ومصنفاتها الكثيرة
"
ومن جهة أخرى يركز الدكتور بياله على إبراز دور الفقه الإباضي في تحقيق الهوية الأمازيغية، مؤكدا أنه "لولا المدرسة الفقهية الإباضية لضاعت الشخصية الأمازيغية المتميزة التي اكتسبت خصوصيتها من تلك الثقافة المتميزة للغة البربرية، وكذلك الأمازيغ الإباضيون معروفون بالجد والأمانة ونظافة اليد والشهامة والكرم والترابط الأسري".

وحين سألناه عن رؤيته لما يمكن تسميته المسألة الأمازيغية، أجاب قائلا "لا أعتقد أننا في ليبيا لدينا قضية أمازيغية وليست هناك قضية واضحة المعالم معلومة الحدود والتوجهات، إلا أننا كأمازيغ نمثل مكونا ثقافيا أصيلا ونحن نعيش مع إخواننا العرب في ليبيا وتجمعنا أواصر الأخوة الدينية والوطنية ونتطلع إلى العيش المشترك في إطار المساواة والتعاون والتضامن، ونحن نعيش في هذا الوطن مرتكزين على احترام بعضنا خصوصيات بعض، كما أن على الأمازيغ في ليبيا أن يحترموا ويقدروا خصوصيات الآخرين".

فنحن في ليبيا نعيش تجربة أخوية متميزة ونعيش حالة فريدة من الاندماج العربي الأمازيغي، فالأمازيغ في ليبيا مسلمون ويتكلمون اللغة العربية ومنهم المسؤولون في إطارات الدولة وكذلك المثقفون والكتاب والأساتذة الجامعيون، ومنهم من تخصص في اللغة العربية والعلوم الإسلامية وبلغوا فيها



درجات عالية من الإتقان".

ويقول نائب أمازيغي سابق في البرلمان الليبي لم يشأ ذكر اسمه "من خلال تجربتي ومعايشتي للحياة النيابية الليبية باعتباري ممثلا للأمة، لم يكن ثمة مشكلة أمازيغية مطلقا، فلم يمنع أحد من التحدث بالأمازيغية ولا مِن ممارسة حياته على الوجه الذي يريد.. نحن من جانبنا ليس لدينا أي مشكلة مع أي مكون ثقافي داخل هذا الوطن الحبيب".

وأضاف قائلا "فضلا عن أربعة نواب أمازيغ في البرلمان يعكسون وجهة النظر السياسية والتشريعية والاجتماعية وينقلون أصوات جماهيرهم وهموم مناطقهم إلى بؤرة صنع القرار في ليبيا، فهناك أيضا أربعة قضاة يمثلون الأمازيغ كمرجعيات روحية وفقهية إباضية إسلامية. وقد كان الممثل الأمازيغي في كل الأحوال محترم الكلمة والرأي ويمارس صلاحياته بكل استقلالية وأريحية".

وحول رؤية مؤسسات ومنظمات حقوق الإنسان والأحزاب والتنظيمات والنخب الليبية للمسألة الأمازيغية، يقول أحد الباحثين لم يذكر اسمه: إن المنظمات الليبية -ربما بحكم فقدانها للعمق التنظيمي- تجهل أو تتجاهل المسألة الأمازيغية، كما هو الحال مع أي أمر قد يعد موضعا للاختلاف ولا يتماشى مع ثقافة "ممنوع اللمس ولكن الطعن في الظهر على كيفك".

المنظمات الليبية عادة ما تواجه المراجعة والتقويم بالتستر وراء شعار "المصلحة الوطنية" أو "المرحلة النضالية" أو غيرها من محاولات توحيد الهدف بتضييق دائرة الرفض والمعارضة.

"
عبد الله بياله:
لا نريد أن يتناول الشأن الأمازيغي المتطفلون الذين يريدون وضع الأمازيغ في سياق غير وطني وغير إسلامي
"

ويضيف قائلا: إن المنظمات والمؤسسات والأحزاب الليبية في الغالب لا تخرج عن حدود الحقوق المنتهكة من قبل الحكومة إلى الانتهاكات الاجتماعية والثقافية غير المقننة التي تعد مثيرة للحساسيات. ومن بين المواضيع نجد موضوع الأمازيغية، وكذلك حقوق المرأة، والتمييز ضد السود، وحقوق ملكية المرأة تحت قوانين الميراث الإسلامية، وحق الحياة وعقوبة الإعدام، وحرية العقيدة، وحق الردة، وقابلية الإسلام للمساواة والرفض، وغيرها. المنظمات الليبية تنظر إلى نفسها على أنها مؤقتة أو ظرفية، ولذلك فهي لا تملك مجالا للخوض في المواضيع التي تعدها جانبية. ولكن من الصعب تبرير هذه النظرة عندما تدوم الحالة الظرفية عقودا من الزمن فتصبح حركة المعارضين أمرا شاذا.

وعن مستقبل المسألة الأمازيغية يقول الدكتور عبد الله بياله "نحن كأمازيغ نرنو كغيرنا من أبناء هذا الوطن إلى المشاركة بالكلمة الهادفة والموضوعية والمشاركة السياسية والثقافية وفي كل مناحي الحياة دون خوف أو إكراه من أحد. إن هذه التطلعات تطلعات مشروعة للأمازيغ كغيرهم من سكان هذا البلد، ونحن إذ نطمح إلى الأفضل ونريد أن يتقدم هذا الوطن إلى الأفضل نؤكد أنه ليس هناك قضية أمازيغية".

وعقب قائلا: وأنا أقول بصراحة إن الأمازيغ يتطلعون إلى المزيد من المشاركة الثقافية والسياسية والاجتماعية في المجتمع الليبي لأنهم جديرون بتحمل المسؤوليات ولديهم من الكفاءات والتخصصات ما يؤهلهم لذلك. وبخصوص المشاركة السياسية أقول إن هناك قصورا في المشاركة السياسية للأمازيغ وهم يسجلون غيابا في المناصب الرفيعة للدولة، وهذا في تقديري يرجع إلى الإقصاء المتعمد من قبل بعض المسؤولين للأمازيغ من جهة، ومن تراجع الأمازيغ وعدم فاعليتهم من جهة أخرى.

أما في الجانب الثقافي والإعلامي -والكلام مايزال لبياله- فنحن نطالب بمنح المزيد من الحرية في التعبير باللغة الأمازيغية في وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة ومن خلال المهرجانات الثقافية، كما ينبغي أن يسمح بإقامة مراكز ثقافية وبحثية تتناول الشأن الأمازيغي والفولكلور الأمازيغي في ليبيا كي نعبر من خلال الآليات القانونية والشرعية. ولا نريد أن يتناول هذا الشأن المتطفلون عليه أو الذين يريدون وضع الأمازيغ في سياق غير وطني وغير إسلامي، وعلينا أن نعمل على إزالة التهويل والتضخيم.
_______________
الجزيرة نت