بقلم/ د. صباح نعوش

العودة إلى استخدام النواعير في العراق
منذ أصبحت إيرادات النفط في العراق مصدرا أساسيا لمالية الدولة الداخلية والخارجية اتجه القطاع الزراعي نحو الاعتماد عليها من جانبين، أولهما استيراد الأدوات المختلفة اللازمة للإنتاج، وثانيهما استيراد المواد الغذائية الجاهزة للاستهلاك المحلي. فكلما زادت هذه الإيرادات ارتفعت المقدرة على استيراد الأدوات الإنتاجية والمواد الاستهلاكية، والعكس بالعكس.

ولكن تحت تأثير العوامل السياسية استخدمت العوائد النفطية بالمقام الأول لتمويل الإنفاق العسكري، كما أسهمت بفعل السياسات الاقتصادية المتبعة منذ عدة عقود مساهمة فاعلة في تحويل الاقتصاد العراقي إلى استهلاكي. ولم ترصد هذه العوائد لإصلاح واستغلال الأراضي حتى المملوكة منها للدولة. بالنتيجة النهائية لا تشكل الأراضي المزروعة فعلا سوى نسبة ضئيلة من المساحة الكلية، علما بأن المقدرة المالية كبيرة واليد العاملة والأطر الفنية متوفرة والمصادر المائية كافية. الأراضي الصالحة للزراعة لا تتعدى 11,5 مليون هكتار أي 26% من المساحة الكلية للدولة. أما الأراضي المزروعة فعلا فلا تتجاوز 5,5 ملايين هكتار أي 48% فقط من الأراضي الصالحة للزراعة و13% من المساحة الكلية، في حين يشكل حجم المياه في العراق ربع المياه المتاحة في العالم العربي، رغم المشاكل التي تثيرها تركيا حيث منابع دجلة والفرات.

وقاد تحديد مستوى أسعار المواد الغذائية من قبل الحكومة في فترات غير مناسبة إلى إضعاف الاستثمارات الزراعية، كما ازدادت الهجرة إلى المدن نتيجة تدني الخدمات التعليمية والصحية في الريف، فانخفض عدد العمال الزراعيين انخفاضا كبيرا.

بفعل هذه العوامل ارتفعت الواردات الزراعية حتى أصبحت التغذية تابعة للخارج بصورة شبه كلية. وحتى نهاية الثمانينيات لم تكن هذه التبعية تسترعي اهتمام المسؤولين إلا بالشعارات التي كانت تدعو إلى ضرورة تنويع مصادر الناتج المحلي الإجمالي. ولم يشعر العراقيون طيلة سنوات الحرب ضد إيران بنقص الإمدادات الغذائية، رغم التأثير السلبي للإنفاق العسكري والعمليات الحربية على التنمية الاقتصادية بصورة عامة والإنتاج الزراعي بصورة خاصة. ولما كانت العوائد النفطية غير كافية لتمويل هذه الحرب التي أنهكت الاقتصاد لمدة ثماني سنوات بات من اللازم الاقتراض من الخارج لدفع الفاتورة العسكرية واستيراد المواد الغذائية والمعدات الصحية. عندئذ أسهم إهمال القطاع الزراعي في تراكم الديون الخارجية التي غدت المشكلة المالية الأولى للبلد.

وبعد احتلال الكويت في أغسطس /آب 1990 وفرض العقوبات الاقتصادية بعد أربعة أيام من هذا التاريخ، هبطت إيرادات النفط وانقطع التمويل الخارجي، فتراجعت إلى حد بعيد إمكانية استيراد الآلات الزراعية والمواد الغذائية، وأصبح الاهتمام بالزراعة ضرورة تقتضيها حياة وصحة المواطنين. وبسبب طبيعة العقوبات الاقتصادية وارتفاع معدل التبعية الغذائية للخارج لم تقد الجهود المبذولة إلى تحسن كفاءة القطاع الزراعي.

الكفاءة الزراعية
ميزان الحبوب
نقص التغذية
ما العمل؟

الكفاءة الزراعية


أصبح نصيب العراقي من الناتج الزراعي يعادل 1177 دولارا في حين لا يتجاوز نصيب الفرد في الدول العربية 298 دولارا في السنة

تختلف درجة هذه الكفاءة من دولة إلى أخرى ومن وقت لآخر تبعا لعوامل عديدة، ويعبر عنها بالمعادلة التالية، الكفاءة الزراعية (=) نسبة مساهمة الناتج الزراعي (x) الناتج المحلي الإجمالي (÷) نسبة مساهمة العمالة الزراعية في العمالة الكلية.

يبين الجدول التالي (أعده المؤلف انطلاقا من جداول التقرير الاقتصادي العربي الموحد الصادر عن مؤسسات جامعة الدول العربية لسنوات مختلفة) تطور الكفاءة الزراعية للعراق خلال ثلاث فترات.

السنة

الناتج المحلي الإجمالي
مليون دولار

الناتج الزراعي
مليون دولار

العمالة الكلية
ألف

العمالة الزاعية
ألف

1980

53484

2512

3551

1081

1989

60599

8308

4753

1042

2000

83544

26848

6006

757

  • عام 1980:
    بلغت مساهمة الناتج الزراعي 5,69% من الناتج المحلي الإجمالي. وكانت مساهمة العمال الزراعيين تشكل 30,44% من العمالة الكلية.
    5,69 ÷ 30,44 = 0,15.
    إنها درجة ضعيفة جدا مقارنة بالمعدل العام للكفاءة في البلدان العربية الأخرى، بما فيها الدول التي تعاني من ندرة الموارد المائية وضعف المقدرة المالية، فهي تدل على تدني إنتاجية العمال الزراعيين وعدم اعتناء السياسة الاقتصادية بالإنتاج الزراعي الذي لا يشكل سوى نسبة ضئيلة من الناتج المحلي الإجمالي.
  • عام 1989:
    زادت مساهمة الناتج الزراعي لتصل إلى 13,71% من الناتج المحلي الإجمالي. وبالمقابل هبطت نسبة العمال الزراعيين إلى 21,92% من العمالة الكلية، وأدى هذا إلى ارتفاع الكفاءة الزراعية.
    13,71 ÷ 21,92 = 0,62.
    اقتربت الكفاءة الزراعية العراقية من متوسط الكفاءة الزراعية العربية، مع العلم بأن العراق خاض حربا لمدة طويلة ضد إيران أثرت بشدة على جميع القطاعات الإنتاجية.
  • عام 2000:
    استمر انخفاض عدد العمال الزراعيين حتى بلغ 12,61% من العمالة الكلية. لكن الناتج الزراعي ارتفع ارتفاعاً هائلاً ومثيرا للتساؤلات ليصل إلى 26848 مليون دولار أي 32,10% من الناتج المحلي الإجمالي.
    32,10 ÷ 12,61 = 2,54.
    في حين أن متوسط الكفاءة في العالم العربي 0,55. وفق هذه المعطيات سجل العراق الرقم القياسي العربي. أصبح نصيب العراقي من الناتج الزراعي يعادل 1177 دولارا في السنة. وبالمقابل لا يتجاوز نصيب الفرد من الناتج الزراعي في الدول العربية 298 دولارا في السنة. بات نصيب الفرد العراقي يحتل المرتبة العربية الأولى ويليه مباشرة نصيب الإماراتي بمبلغ 615 دولارا في السنة (الأرقام الأربعة الأخيرة مقتبسة من جداول التقرير الاقتصادي العربي الموحد لعام 2001).


تعادل حصة العراقي من الناتج الزراعي أكثر من أربعة أضعاف الحصة الزراعية للفرد في كل من تونس وسوريا وثمانية أضعاف الحصة الزراعية للفرد في المغرب، في حين أن هذه البلدان الثلاثة لا تعاني كالعراق من نقص التغذية بل إنها تحتل على التوالي المراتب العربية الأولى والثالثة والثانية في الصادرات الزراعية

كيف حدثت هذه "المعجزة الاقتصادية" في بلد أنهكته الحروب والعقوبات؟ ماذا فعل العراقيون لتحقيق هذه النتائج؟ أليست التجربة العراقية جديرة بالتحليل من قبل الاختصاصيين وبالاقتباس من قبل الأقطار العربية الأخرى؟.

يعتمد ارتفاع الكفاءة على متغيرين، أولهما هبوط عدد العمال الزراعيين وثانيهما زيادة الإنتاج الزراعي. وانخفاض عدد هؤلاء لا يقتصر على العراق بل شمل جميع البلدان العربية نتيجة تفاقم البطالة في الريف وتزايد الهجرة إلى المدن. ودرجة الكفاءة العليا لا تعني بالضرورة تحسن الوضع الغذائي، فقد ينخفض الإنتاج الزراعي ومع ذلك ترتفع الكفاءة إن تقلصت مساهمة اليد العاملة الزراعية في العمالة الكلية بنسبة تفوق نسبة تقلص الإنتاج الزراعي، لكن لم يحدث هذا في العراق، حيث يشير الجدول إلى ارتفاع الناتج الزراعي ارتفاعا كبيرا. عندئذ يمكن الافتراض بأن ارتفاع الكفاءة العراقية يتأتى من استخدام الأساليب العلمية والتكنولوجية الحديثة والمواد الملائمة لمراحل الإنتاج ومن تحسن إنتاجية العمال الزراعيين، ولكن لم يحدث هذا أيضا، إذ تتطلب هذه الجهود فترة طويلة ترصد لها أموال طائلة غير متوفرة لدى البلد. أضف إلى ذلك أن حجم الإنتاج الزراعي كالحبوب لم يسجل أي زيادة بل تعرض للهبوط نتيجة الجفاف في العامين 1999 و2000.

لو كان الرقم المتعلق بقيمة الإنتاج الزراعي للعام 2000 صحيحا لأصبحت حصة الفرد العراقي من هذا الإنتاج 3,24 دولارات في اليوم الواحد. بهذا المبلغ وحسب أسعار المواد الاستهلاكية وسعر تعادل الدولار في السوق المحلية تستطيع كل عائلة مكونة من زوجين وثلاثة أطفال الحصول يوميا على الكميات التالية من السلع:

  • 3 كيلوغرامات من مختلف أنواع اللحوم
  • 5 كيلوغرامات من السكر
  • 10 كيلوغرامات من الأرز
  • كمية مماثلة من الفواكه
  • 20 كيلوغراما من الخضار
  • 30 كيلوغراما من الطحين
  • 40 بيضة.

وبغض النظر عن الأسعار المحلية للمواد الاستهلاكية لو صحت تقديرات قيمة الإنتاج الزراعي لوصلنا إلى النتائج غير المنطقية الأربع التالية:

  1. تعادل حصة العراقي من الناتج الزراعي أكثر من أربعة أضعاف الحصة الزراعية للفرد في كل من تونس وسوريا وثمانية أضعاف الحصة الزراعية للفرد في المغرب، في حين أن هذه البلدان الثلاثة لا تعاني كالعراق من نقص التغذية بل إنها تحتل على التوالي المراتب العربية الأولى والثالثة والثانية في الصادرات الزراعية.
  2. لا يحقق العراق الاكتفاء الذاتي فحسب بل يمكنه أيضا تصدير كميات كبيرة من المواد الغذائية، في حين أن الصادرات غير النفطية خاصة الزراعية توقفت كليا بعد الحصار بسبب نقص العرض.
  3. لا يحتاج العراق إلى برنامج النفط مقابل الغذاء. في حين أن المجاعة كادت تحدث لولا هذا البرنامج.
  4. للحصار جوانب إيجابية، إذ لم تكن العائلات العراقية تحصل على ربع الكميات المذكورة أعلاه في العام 1979 وهي السنة التي وصل فيها الاقتصاد العراقي إلى أوج عظمته، إذن من الأفضل أن يبقى الحصار مستمرا، في حين لم يجلب الحصار سوى الويلات للشعب من جميع النواحي الاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية.

انطلاقا من هذه الاعتبارات لسنا بصدد معجزة اقتصادية بل أمام تضخيم لقيمة الإنتاج الزراعي عن طريق حساب تعادل الدينار العراقي بالدولار الأميركي. في العام 2000 قدر الناتج المحلي الإجمالي بمبلغ 2290778 مليون دينار. ترجم الجهاز المركزي للإحصاء هذا الرقم بمبلغ 83544 مليون دولار. أي أن الدولار يعادل 27 دينارا. ولما كانت قيمة الناتج الزراعي تساوي 735340 مليون دينار يصبح تعادلها 26848 مليون دولار. على الصعيد الواقعي يتراوح سعر تعادل الدولار بين 1800 و2200 دولار. جميع السلع الزراعية وغير الزراعية المتوفرة في السوق تخضع لهذا السعر. ويلاحظ أن الشكوك تدور أيضا حول مصداقية التقديرات بالدينار.

انعدام مصداقية الإحصاءات الرسمية الذي لا يقتصر على العراق بل يشمل أقطارا عربية أخرى يفضي إلى تحليلات خاطئة للمشاكل وبالتالي يتعذر إبداء الآراء الصائبة حول كيفية معالجتها، ومما لاشك فيه يصعب جدا على المحللين تقدير الناتج المحلي الإجمالي وتوزيعه حسب القطاعات الاقتصادية، فهذا من مهام أجهزة إحصائية متخصصة. ولكن هنالك مصادر غير حكومية تشير إلى أن الناتج المحلي الإجمالي لعام 2000 بلغ 31,8 مليار دولار ثم انخفض في العام 2001 إلى 27,9 مليار دولار على أثر هبوط الإيرادات النفطية. وتذكر هذه المصادر أن الناتج الزراعي لا يتعدى 10% من الناتج المحلي الإجمالي. وبالتالي تصبح قيمة الناتج الزراعي حوالي ثلاثة مليارات دولار فقط. عندئذ لا تزيد حصة العراقي منه على 0,36 دولار في اليوم. وعلى هذا الأساس تعادل هذه الحصة أقل من نصف الحصة الزراعية للفرد في تونس وسوريا. وهذا أقرب إلى الواقع. أما درجة الكفاءة فهي لا تتجاوز المعدل العام السائد في البلدان العربية الأخرى.

ولكن مهما بلغت حصة الفرد ودرجة الكفاءة فسرعان ما تظهر مشكلة أخرى أكثر تعقيدا ترتبط بالقوة الشرائية للمواطنين التي شهدت ولا تزال هبوطا حادا بسبب موجات التضخم المستمرة التي قادت إلى انهيار قيمة الدينار، بات شراء الغذاء يشغل العراقيين يوميا، وتمتد الأزمة لتشمل المواد الضرورية للمعيشة كالحبوب.

ميزان الحبوب

قبل الحصار كان العراق يحقق الاكتفاء الذاتي من الخضار والفواكه والحليب، إذ لم تكن الكمية المستوردة من هذه المواد تشكل في العام 1988 سوى 6% من الطلب الداخلي. وتغطى إذن النسبة المتبقية من قبل الإنتاج المحلي. ثم تدهور هذا الإنتاج تحت تأثير العقوبات الاقتصادية. وبالمقابل يعاني البلد منذ عشرات السنين من التبعية للخارج في ما يتعلق بالحبوب خاصة القمح. في تلك السنة كان استيراد الحبوب يعادل 63% من الطلب. ولتقليص حدة هذه التبعية يبذل العراقيون في ظل الحصار الجهود لتنمية الإنتاج. وغالبا ما تصطدم هذه الجهود بالضائقة المالية وبالعراقيل التي تضعها لجنة العقوبات التابعة للأمم المتحدة ناهيك عن تقلبات الظروف الطبيعية. ومع ذلك تراجعت نسبيا حدة التبعية، ولكن لم ينجم هذا التراجع عن تحسن الإنتاج المحلي بقدر ما نجم عن انخفاض الكميات المستوردة، وبفعل تزايد عدد السكان اختل توازن العرض والطلب فارتفعت الأسعار.

يبين الجدول التالي (تركيب أعده المؤلف انطلاقا من الأرقام المنشورة في تقارير منظمة الفاو. بآلاف الأطنان) موارد واستخدامات مختلف أنواع الحبوب خلال ثلاث فترات، فترة ما قبل الحصار (معدل سنوي بين العامين 1984 و1989) وفترة ما بعد الحصار وقبل تطبيق برنامج النفط مقابل الغذاء (1996) وفترة التطبيق الفعلي لهذا البرنامج (1998).

المؤشرات

1984-1989 معدل سنوي

1996

1998

1-المخزون في بداية السنة

1376

0

0

2-الإنتاج

2064

2429

2125

3-الكمية المحلية (1+2)

3440

2429

2125

4-الواردات التجارية

3254

1081

3188

5-المساعدات الإنسانية

0

136

43

6-الاستيراد الكلي (4+5)

3254

1217

3231

7-الاستهلاك البشري

3041

2505

4066

8-الاستهلاك الحيواني

1497

641

740

9-السماد والمدخلات

752

500

550

10-الصادرات

71

0

0

11-المخزون في نهاية السنة

1333

0

0

12-الموارد (3+6)

6694

3646

5356

13-الاستخدامات (7+8+9+10+11)

6694

3646

5356



1- المخزون

اعتادت السلطات العراقية على تخزين كمية معينة من الحبوب تحسبا لتقلبات أسعار السوق العالمية ولمواجهة احتمالات نقص العرض، قبل حرب الخليج الثانية كان حجم هذا المخزون يعادل 20% من الموارد، وعلى إثر العقوبات الاقتصادية هبط استيراد المواد الغذائية فاضطرت السلطات العامة إلى استخدام هذا المخزون حتى نضب خلال فترة قصيرة، كما ساعدت على سرعة النضوب الهجمات العسكرية للقوات الحليفة التي دمرت أغلب منشآت التخزين خلافا لمبادئ القانون الدولي للحرب. ولم يستطع العراق حتى الآن تخزين كمية من الحبوب. وهكذا فقدت الدولة القدرة على مواجهة الظروف الاستثنائية لتعويض نقص الإنتاج المحلي، فعندما وقع الجفاف وهبط الإنتاج المحلي للحبوب إلى 1690 ألف طن في العام 1999 ثم إلى 794 ألف طن في العام 2000 لم يجد العراق بدا من اللجوء إلى أجهزة الأمم المتحدة طالبا موافقتها على زيادة صادراته النفطية لمواجهة هذه الأزمة التي كان من الممكن أن تعالج بسرعة لو كانت لديه كمية من الحبوب المخزونة.

2- الإنتاج
ارتفع إنتاج الحبوب في العام 1996 مقارنة بالفترة السابقة للحصار نتيجة الجهود المبذولة لمواجهة نقص الموارد الكلية. وأعطت الحكومة توجيهاتها لزيادة مساحة الأراضي المزروعة بالشعير، كما تحسنت غلة الهكتار، فقد ارتفع مردود هكتار القمح من 798 كيلوغراما في العام 1995 إلى 931 كيلوغراما في العام 1996. وزاد محصول هكتار الشعير من 632 كيلوغراما إلى 792 كيلوغراما. كما انتقل مردود هكتار الأرز من 1800 كيلوغرام إلى 2285 كيلوغراما (هذه الأرقام مقتبسة من التقرير المشترك للفاو وبرنامج الغذاء العالمي الصادر في 3 أكتوبر/ تشرين الأول 1997).

ورغم هذه الزيادات تبقى الإنتاجية ضعيفة مقارنة بالدول العربية الأخرى. في سوريا مثلا يصل مردود هكتار القمح إلى 1355 كيلوغراما، ويرتفع إلى أكثر من ذلك في مصر، ومن جانب آخر اقتصرت هذه الزيادات على وسط وجنوب البلاد. أما المنطقة الشمالية (أربيل والسليمانية ودهوك) التي تخرج عن سيطرة الحكومة فلم تسجل أي زيادة بل هبطت غلة هكتار القمح فيها حسب التقرير المذكور أعلاه من 819 كيلوغراما في العام 1995 إلى 720 كيلوغراما في العام 1996. ولما كانت مساحة الأراضي الزراعية في الوسط والجنوب تفوق بكثير مساحة الأراضي الزراعية في الشمال سجل العراق ارتفاعا إجماليا في إنتاج الحبوب. ولكن لم يكن هذا الارتفاع كافيا لسد نقص الموارد التي هبطت بنسبة 46% مقارنة بالفترة السابقة للحصار. ولم تتحسن الأحوال إلا بعد تطبيق برنامج النفط مقابل الغذاء، حيث ارتفعت الموارد دون أن تصل إلى مستوى ما قبل الحصار.

3- المساعدات الإنسانية
كان العراق في مقدمة الدول العربية المانحة للمساعدات المالية للبلدان النامية، ففي العام 1980 بلغ حجم هذه المساعدات 743 مليون دولار. ولكن الحرب ضد إيران قلبت الموازين فأصبح العراق مكبلا بالديون الخارجية. ثم استمر الوضع بالتدهور بعد أزمة الخليج الثانية حتى غدت الأحوال الاقتصادية والمالية أكثر سوءا من تلك البلدان التي كان يساعدها في العام 1980.

ظهر مصدر جديد للموارد الغذائية وهي المساعدات الخارجية الإنسانية المخصصة عادة للبلدان الأقل نموا في العالم والمتأتية من برنامج الغذاء العالمي والمنظمات الدولية غير الحكومية. في العام 1996 سجل هذا المصدر رقما قياسيا بلغ 136 ألف طن من الحبوب. لكن هذه الكمية تقل عن 4% من الاستخدامات و2% فقط من الحاجات الكلية. ثم هبطت هذه المساعدات بسبب ارتفاع المقدرة على الاستيراد التجاري بموجب اتفاق النفط مقابل الغذاء.

4- التجارة الخارجية
على أثر العقوبات الاقتصادية لم يستطع العراق طيلة الفترة الواقعة بين العامين 1991 و1996 تصدير النفط إلا بكميات قليلة اقتصرت على البيع بالسوق السوداء والتصدير إلى الأردن، واستخدم قسط من الإيرادات النفطية لاستيراد الحبوب، وكانت كمية الواردات في العام 1996 تساوي ثلث كمية الواردات من الحبوب للفترة ما قبل الحصار. ثم ارتفعت في العام 1998 لتصل إلى مستوى الفترة التي سبقت الحصار. وبسبب الحاجة لم يعد العراق يصدر الحبوب اعتبارا من العام 1991.

بالتحليل النهائي ارتفع الاستهلاك الكلي للحبوب المخصص لغذاء الأفراد في العام 1998 بنسبة 34% قياسا بالفترة السابقة للحصار. لكن هذا الارتفاع لا يعني زيادة حصة الفرد من الاستهلاك، حيث زاد عدد السكان خلال السنوات العشر بنسبة لا تقل عن نسبة الزيادة الكلية للاستهلاك. أما الحبوب المعدة لتغذية المواشي فقد هبطت كميتها إلى النصف، الأمر الذي ينعكس سلبيا على الغذاء البشري.

نقص التغذية

قبل حرب الخليج الثانية كان العراق حسب تصنيفات المؤسسات الدولية يحتل المرتبة العالمية "55" في سلم التنمية البشرية الذي يعتمد على عدة معطيات أهمها مستوى التعليم والتغذية والصحة. وبفعل العقوبات الاقتصادية هبطت مرتبته إلى 106 في العام 1995.

وعلى الرغم من برنامج النفط مقابل الغذاء استمر التدهور ليصل إلى المرتبة 126 في العام 2000. ولم تسجل السنتان الماضيتان أي تقدم.

1- الوضع الغذائي العام
بالإضافة إلى الإنتاج المحلي كان العراق قبل الحصار يستورد أغذية بمبلغ معدله السنوي 2,5 مليار دولار تحتوي على 3372 سعرة حرارية للفرد الواحد يوميا. وعلى أثر العقوبات الاقتصادية وهبوط إيرادات النفط تدهور الإنتاج المحلي وانخفض الاستيراد، وبهدف التخفيف من هذه الأزمة طبقت الحكومة نظام الحصص التموينية الشهرية لتوزيع بعض المواد الغذائية الرئيسية. لكل أسرة قدر محدد يختلف حسب عدد أفرادها وحسب الموارد المتوفرة. وتباع هذه الحصص بأسعار رمزية في متناول جميع طبقات المجتمع. ولا يزال هذا النظام يلعب دورا أساسيا، إذ من دونه تحدث مجاعة أكيدة.

طيلة الفترة الواقعة بين العامين 1991 و1996 كانت الحكومة تشتري المواد الغذائية من المزارعين المحليين وأحيانا من الخارج ثم توزعها على العراقيين والأجانب المقيمين حسب بطاقاتهم السكنية، المعدل العام لمحتوى الحصة 1093 سعرة حرارية للفرد يوميا أي ثلث نصيبه للعام 1989. ولم تتحسن الحالة الغذائية إلا بعد تطبيق برنامج النفط مقابل الغذاء حيث ارتفعت السعرات الحرارية إلى 2100 في العام 2001.

لكن كمية الحصة غير كافية، فاستهلاك الطحين لا يستغرق سوى 21 يوما في الشهر. وينفد الخضار في نهاية الأسبوع الأول من الشهر. أضف إلى ذلك أن الغذاء الموزع بموجب هذا النظام غير متوازن، فهو يقتصر على نوع واحد أو نوعين من الخضار المجفف (فاصوليا يابسة عادة). ولا يقدم إطلاقا أي كمية من اللحوم أو الفواكه. ويلاحظ أن الحصة تفتقر إلى التمر وهي مادة غنية بمكوناتها الغذائية الجيدة، علما بأن العراق أكبر دولة منتجة للتمر في العالم منذ قرون. لذلك تشكو الحصة نقص البروتينات والأملاح المعدنية والفيتامينات خاصة أي وسي. ويصعب تعويض هذا النقص بالشراء من السوق نظرا لارتفاع الأسعار. وتشير التقارير إلى أن الحد الأدنى لإنفاق الأسرة من المواد الغذائية 1068 دينارا في اليوم (حوالي نصف دولار). في حين لا يتعدى المستوى العام للأجور في القطاع العام عشرة آلاف دينار في الشهر. وفي دراسة لعينة من الرجال والنساء ببغداد وكربلاء يتضح أن ربع عددهم يعاني من هبوط مؤشر الكتلة البدنية المبني على العلاقة بين الوزن والطول.

أما المنطقة الشمالية فإن جميع التقارير تؤكد على تحسن أوضاعها الغذائية مقارنة بالمنطقتين الوسطى والجنوبية. ترى ما سبب هذا الاختلاف؟.

بين منتصف العام 2001 ومنتصف العام 2002 وبعد طرح مبالغ التعويضات والمصاريف الأخرى قسمت إيرادات النفط بموجب قرارات مجلس الأمن إلى قسمين: 15122 مليون دولار لمشتريات الحكومة المركزية و2260 مليون دولار لمشتريات المنطقة الشمالية. ومن المعلوم أن عدد سكان هذه المنطقة 2,9 مليون نسمة وعدد سكان بقية أنحاء العراق 19,7 مليون نسمة. بعملية حسابية بسيطة نستنتج أن حصة الفرد من برنامج النفط مقابل الغذاء متساوية في الحالتين، لا يعود إذن الاختلاف إلى هذا التقسيم.

كان من اللازم البحث عن تفسير آخر في الإنتاج المحلي، يبلغ حجم إنتاج الحبوب في الوسط والجنوب 1710 ألف طن في السنة، أي أن حصة الفرد تساوي 238 غراما في اليوم. في حين يصل حجم إنتاج الحبوب في المنطقة الشمالية إلى 495 ألف طن في السنة، أي أن حصة الفرد تعادل 468 غراما في اليوم. كما حصلنا على نتائج مماثلة عند مقارنة إنتاج الخضار. يعود هذا الاختلاف إلى طبيعة الأراضي الزراعية والظروف المناخية، فعلى سبيل المثال قبل ثلاث سنوات انخفض هطول الأمطار في الجنوب بنسبة عالية جدا، فوقع الجفاف الذي أثر بشدة على الإنتاج. وذهب ضحيته حوالي مليون رأس من المواشي (ذكر هذا الرقم في تقرير برنامج الأمم المتحدة للتنمية للعام 2000). أما الشمال فلم يتعرض لهذا الانخفاض. هذا هو العامل الأساسي الذي ساعد على تحسن أوضاع المنطقة الشمالية مقارنة بالمناطق الأخرى.

2- معاناة الأطفال
حسب تقارير اليونيسيف والمنظمات الدولية غير الحكومية أدت العقوبات الاقتصادية إلى إعاقة النمو لدى الأطفال. ولم تتحسن أحوالهم إلا بعد تطبيق برنامج النفط مقابل الغذاء. وتلاحظ هذه التقارير أنه بين العامين 1995 و2001 هبطت نسبة أطفال المنطقة الوسطى الذين يعانون من نقص النمو من 28% إلى 12%. كما انخفضت نسبة الأطفال الذين يعانون من المشكلة نفسها في المنطقة الشمالية من 26% إلى 18%. أما المنطقة الجنوبية فقد شهدت ارتفاعا من 21% إلى 27%، بمعنى أن معدلات التحسن في المنطقة الوسطى أعلى من معدلات التحسن في المنطقة الشمالية وأن الحالة الصحية لأطفال الجنوب لا تزال خطيرة.

لم ينجم تردي صحة أطفال العراق عن نقص وعدم تنوع المواد الغذائية وارتفاع أسعارها فحسب، بل كذلك عن تلوث مياه الشرب، إذ لم يستطع العراق منذ تدمير منشآت التصفية في العام 1991 استيراد المعدات اللازمة لإعادة التعمير.

ومن زاوية أخرى لا تتوفر لدى المؤسسات الصحية الأدوية والمعدات الكافية والملائمة للأطفال، بين بداية العام 1991 وبداية العام 2002 توفي أكثر من 800 ألف طفل تقل أعمارهم عن خمس سنوات جراء هذا الوضع الغذائي والصحي المتردي. ويتوفى حاليا طفل كل سبع دقائق. وتؤكد المنظمات غير الحكومية التي زارت البلد (تقرير منظمة أطباء العالم الصادر في 3 يوليو/ تموز 2002) أن 80% من مستشفيات العراق غير قادرة على توفير الحد الأدنى من العلاج والرعاية الصحية. كما يعد قطاع التعليم بجميع مراحله في مقدمة القطاعات المتضررة من الحصار، بالنتيجة النهائية سيكون جيل المستقبل هزيلا من الناحية البدنية ومتأخرا من الناحية الثقافية، يتمتع بعادات خلقتها الحروب والعقوبات. وسوف تصعب معالجة هذه المشكلة حتى وإن رفع الحصار حالا وكليا.

3- الثروة الحيوانية
أفضى الحصار أيضا إلى تدهور الإنتاج الحيواني، ففي العام 1989 كان عدد المزارع الكبيرة والمتوسطة المختصة بتربية الدواجن 600 مزرعة. وبسبب قلة التلقيح والمواد الغذائية ووصولها في أوقات متأخرة انخفض عدد هذه المزارع ليصل في العام 1998 إلى 23 مزرعة فقط، ساهم هذا الوضع في هبوط إنتاج اللحوم البيضاء وارتفاع أسعارها.

وفي العام 1989 كان عدد المواشي (الأغنام والماعز والأبقار والجاموس والإبل) 15,7 مليون رأس، وبسبب ضعف العناية البيطرية ونقص التغذية هبط عددها إلى 9,4 ملايين رأس في العام 1998. ويلاحظ أن حوالي نصف هذا العدد مصاب بأمراض كثيرة كالحمى القلاعية وأمراض تنقلها الحشرات. وحسب منظمة الفاو (بيانها الصادر بروما في 17 يوليو/ تموز 2001) يمكن بسهولة أن تنتقل هذه الأمراض إلى الدول المجاورة. ولا يتوفر لدى المختبرات العراقية التلقيح الكافي والمناسب. وقد سبق للعراق أن أخبر المنظمات الدولية عدة مرات بهذه المشكلة.

ما العمل؟


ستكون الحرب القادمة كارثة على الشعب العراقي وستتطلب معالجتها رصد أموال طائلة تفوق بكثير المقدرة المحلية. وبالتالي سوف تضطر خطة ما بعد الحرب وعلى افتراض إلغاء العقوبات الاقتصادية للجوء إلى التمويل الخارجي. عندئذ ستضاف ديون جديدة إلى الديون القديمة المتراكمة وستكون خدمتها عبئا ثقيلا جدا على كاهل الأجيال القادمة

يتعين إعطاء الأولوية لدعم القوة الشرائية للمواطنين خاصة أصحاب الدخول المحدودة بإيجاد توازن بين اتجاهين متعارضين، السياسة التقشفية التي تحد من التضخم وزيادة النفقات العامة الضرورية لتحسين مستوى المرتبات والأجور في القطاع العام، فلا مانع من أن تكون معدلات التضخم في السنتين القادمتين في حدود 20% (70% حاليا) على أن يجري العمل على تقليصها لاحقا حتى تبلغ معدلا مقبولا.

ويتم ذلك بعدة وسائل أهمها الامتناع كليا عن الإصدارات الجديدة (طبع النقود) والكف عن الإنفاق غير المنتج كمصاريف الأبهة ورفع الإنتاج الزراعي والصناعي عن طريق تشجيع الاستثمارات المحلية والأجنبية.

بلغت أزمة الزراعة والتغذية درجة عالية من الخطورة تتطلب معالجتها فترة طويلة وجهودا جبارة وعودة العراق للحظيرة الدولية، وفي ما يلي محاولة للتخفيف من حدتها:

1- سياسة ملائمة للأسعار
خلال العقود الثلاثة المنصرمة مرت السياسة الاقتصادية المتعلقة بأسعار المواد الغذائية بمرحلتين:

تتمثل المرحلة الأولى بالتثبيت، وكانت الحكومة تحدد سعرا معينا لكل مادة استهلاكية بما فيها الزراعية، فالتثبيت يهدف إلى تمكين جميع شرائح المجتمع من اقتناء المواد بأسعار مناسبة، لكن هذه السياسة أدت إلى إضعاف دخول المزارعين وساهمت في الهجرة إلى المدن.

وتتجلى المرحلة الثانية بالتحرير، ففي السنوات الأخيرة تحررت أسعار المواد من القيود الحكومية. ونتيجة لتدهور القيمة التعادلية للدينار وارتفاع معدلات التضخم أصبحت الأسعار مرتفعة جدا مقارنة بالقوة الشرائية، رغم كونها منخفضة مقارنة بالأسعار العالمية بل وبالأسعار السائدة في البلدان المجاورة.

تتطلب السياسة المناسبة العكس تماما، إذ ينبغي في الوقت الحاضر تثبيت الأسعار بما يناسب القوة الشرائية مع منح إعانات للمزارعين تهدف إلى مواصلة وتطوير الإنتاج. بطبيعة الحال يستوجب التثبيت زيادة الإنفاق العام، ولكن هذا الاستخدام للموارد المالية يعود بالنفع العام، كما لا تتخذ الإعانات بالضرورة شكلا نقديا، بل قد تكون عينية، بيع الأسمدة وتأجير الآلات بأسعار زهيدة وصيانة المنتجات الزراعية من الأمراض وتلقيح الحيوانات وتقديم الإرشاد الفني مجانا، تقود هذه الوسائل إلى زيادة القيمة المضافة للناتج المحلي الإجمالي، ولا يجوز التخلي عن سياسة التسعيرة الإجبارية والإعانات إلا بعد تحسن مستوى الدخول الحقيقية، عندئذ يمكن تحرير الأسعار وفق ما يسمى في الدول العربية غير النفطية بالإصلاح الاقتصادي، ولكن يجب ألا تتنازل الدولة عن التدخل لتوفير الظروف الملائمة للإنتاج الزراعي.

2- تنمية الاستثمارات الزراعية
ينجم ضعف غلة الهكتار وضآلة الإنتاج الزراعي عن عدم الاعتماد على التقدم العلمي في الأساليب الزراعية وعن ندرة المكننة الحديثة وعدم توفير الرعاية البيطرية والمبيدات، ولا يمكن مواجهة هذه المشاكل إلا عن طريق تنمية الاستثمارات بثلاث وسائل في آن واحد.

الوسيلة الأولى: تبني خطة اقتصادية وبرامج مالية تضعها أطر علمية وفنية متخصصة ترصد الأموال لإصلاح الأراضي وإعادة بناء البنية التحتية الزراعية.

ولا يتوقف الإصلاح وإعادة البناء على الوضع الحالي بل سيشمل كذلك ما ستخلفه الضربة الأميركية المرتقبة، هل ستقتصر هذه الضربة على الأهداف العسكرية أم ستمتد إلى البنية الاقتصادية بما فيها الزراعية؟ هل ستوجه الأسلحة لقتل الأشخاص فقط أم سيكون لها تأثير آخر مستمر وخطير على المنتجات الزراعية والصحة العامة؟ ما الثمن الاقتصادي والاجتماعي لتغيير نظام الحكم بالقوة العسكرية وهل هنالك برامج لتغطيته؟.

ستكون الحرب القادمة كارثة على الشعب العراقي، وستتطلب معالجتها رصد أموال طائلة تفوق بكثير المقدرة المحلية. وبالتالي سوف تضطر خطة ما بعد الحرب وعلى افتراض إلغاء العقوبات الاقتصادية للجوء إلى التمويل الخارجي، عندئذ ستضاف ديون جديدة إلى الديون القديمة المتراكمة وستكون خدمتها عبئا ثقيلا جدا على كاهل الأجيال القادمة.

الوسيلة الثانية: زيادة رأسمال المصرف الزراعي، قبل الحصار أثبت هذا المصرف جدارته في المساهمة في التنمية الزراعية والحيوانية عن طريق القروض التي يمنحها بأسعار فائدة منخفضة، وقد كانت لديه الإمكانية على منح قروض بمبلغ مليار دولار سنويا، لكن العقوبات الاقتصادية قادت إلى إضعاف قدرته على الإقراض التي هبطت إلى أقل من 140 مليون دولار في السنوات الأخيرة.

تدخل زيادة رأس مال المصرف الزراعي ضمن خطة اقتصادية شاملة ترمي في ما يتعلق بالتمويل إلى رفع الإمكانية المالية لجميع المصارف الحكومية، ويتحقق ذلك بإزالة العقوبات الدولية وإعادة النظر في الميزانية العامة والميزانيات المستقلة، وسوف يتطلب الأمر هنا أيضا اللجوء إلى الاقتراض الخارجي.

الوسيلة الثالثة: تغيير قوانين الاستثمار، لم تعد هذه القوانين تنسجم مع الاقتصاد العالمي وأصبحت من معوقات التنمية الوطنية بدلا من أن تكون من حوافزها، إذ يمنع على الأجانب منعا باتا الاستثمار في شركات القطاع الخاص، ويسري المنع حتى على المغتربين العراقيين الحاصلين على جنسية أجنبية، وبات من اللازم فسح المجال أمام رؤوس الأموال الأجنبية للاستثمار في القطاع الزراعي، وفق أسس محددة تتناسب مع طبيعة هذا القطاع، وكذلك مع التقاليد القديمة التي تمنع تملك الأجنبي للأراضي الزراعية، بطبيعة الحال يتطلب تعديل قوانين الاستثمار إعادة النظر بقوانين أخرى كقانون الشركات وقانون ضريبة الدخل.

كما لم يعد مقبولا عدم مساواة القطاع الزراعي بالقطاع الصناعي من حيث منح الامتيازات الضريبية والمالية. فقد أسهمت هذه المعاملة غير المشجعة في إفلاس عدة شركات زراعية من بينها مشاريع الدواجن.

3- تعديل نظام الحصص التموينية
سواء وقعت الضربة الأميركية أم لم تقع وسواء تغير نظام الحكم أم لم يتغير سوف يستمر تطبيق نظام الحصص التموينية لفترة معينة تعتمد على تطور الأوضاع السياسية والاقتصادية.

في الوقت الحاضر لكل عائلة حصة غذائية شهرية بغض النظر عن مقدرتها المالية، ولو كانت هذه الحصة كافية لإطعام العراقيين طيلة مدتها لكان هذا الأسلوب مناسبا.

لكنها كما لاحظنا غير كافية كما ونوعا، لذلك تقتضي المصلحة العامة ومبادئ الإنصاف أن تحصل العائلات الفقيرة والمتوسطة فقط على هذه الحصة. وحتى يستند تقدير المقدرة المالية للأفراد على أسس منطقية وأساليب سهلة التطبيق يمكن الرجوع إلى القوائم الضريبية خاصة تلك التي توجد في مديرية ضريبة الدخل ومديرية ضريبة العقار، فمن يحصل على دخل يفوق الحد المعقول للمعيشة وفق أسعار السوق يحرم من الحصة. وعند إجراء عملية حسابية لكمية من الغذاء تكفي لمدة 21 يوما في الشهر لمعيشة عدد معين من الأفراد ثم حذفنا ما يصيب 5% فقط من هذا العدد لإضافته إلى النسبة المتبقية نستنتج أن كمية الغذاء سوف تكفي لمدة 22 يوما في الشهر. يوم غذائي إضافي يخفف دون شك من معاناة الشريحة العريضة من المجتمع.

خلال فترة طويلة دامت عدة عقود لم يحظ القطاع الزراعي باهتمام الحكومات العراقية المتعاقبة، رغم أهميته القصوى ووجود عوامل مشجعة بشرية ومناخية ومالية وفنية، أدى هذا الإهمال إلى إضعاف الإنتاج المحلي فأصبحت التغذية مرتبطة بالخارج، لذلك قادت العقوبات الاقتصادية إلى تدهور الحالة الغذائية والصحية ولم يستطع برنامج النفط مقابل الغذاء تحسين هذا الوضع إلا بصورة جزئية، إنها أزمة حاضر ومستقبل أكثر من عشرين مليون إنسان ستعالج إن رفع الحصار وطبقت سياسة اقتصادية ومالية حكيمة أو ستتحول إلى كارثة حقيقية إن اندلعت حرب جديدة.


_____________
باحث اقتصادي عراقي مقيم في فرنسا