*بقلم/ إبراهيم غرايبة

يستخدم العمل الثقافي دائما بصحبة الحرب والإستراتيجيات والسياسات العامة وفي خدمتها وكأنه نوع آخر من الحرب المعلنة أو المخططات المرافقة للهيمنة والاحتلال. يقول جوزف ناي (**) "ثمة قوة صارمة تستند إلى قوة اقتصادية وعسكرية، وقوة لينة هي قدرة دولة على حمل دولة أخرى على أن تقول ما تريده عن طريق اللجوء إلى ثقافتها وأيدولوجيتها، وإذا كانت ثقافة دولة ما لها جاذبية سيكون الآخرون أكثر استعدادا لاتباع قيادتها، فالقوة اللينة بنفس أهمية القوة الصارمة، وبينهما اعتماد متبادل".


من مضامين الخطاب الثقافي الأميركي الدعوة إلى علمانية تبدو لا تعادي الإسلام ولا الحضارات والثقافات غير الغربية

وبالرغم من أن أحداث سبتمبر/أيلول كانت بداية لتحول مهم في التاريخ الأميركي فإن الإستراتيجيات الأميركية المقبلة لن تكون ابتداعا جديدا ولكنها سترجح خيارات إستراتيجية كانت مطروحة من قبل وتلقى تأييدا من البعض ومعارضة من البعض الآخر ويتوقع أن بعض هذه الخيارات التي كانت تلقى معارضة ستنال حظا أوفر في التأييد وفرصا في التطبيق أكثر مما لو أن أحداث سبتمبر/أيلول لم تقع.

فأحداث سبتمبر/أيلول لم تنشئ واقعا جديدا وإستراتيجية جديدة ولكنها هيأت الفرصة وربما عجلت في تنفيذ إستراتيجيات وخيارات كانت معدة أو مدروسة مسبقا، ويدل على ذلك السلوك الأميركي والتحركات والتحليلات السابقة لهذه الأحداث، ولكن مقولة أن الأحداث أسست لخطاب جديد تمتلك فرصة من الصحة، وسواء أكان هذا الخطاب جديدا أو استئنافا لخطاب قديم كان يلقى مواراة أو معارضة، فإن الفكرة في محصلتها واحدة.

ولذلك فإن تقدير الإستراتيجيات الأميركية القادمة سيكون ترجيحا لنماذج كانت قائمة بالفعل قبل الأحداث، وستبنى سيناريوهات ومسارات متوقعة بناء على هذه النماذج، ومن أهم هذه النماذج: ندوة التقييم الإستراتيجي التي عقدها سلاح الجو الأميركي عام 1995، ودراسة صمويل هنتنغتون الشهيرة جدا "صدام الحضارات" ودراسة فرانسيس فوكوياما الشهيرة أيضا "نهاية التاريخ"، ويمكن الاقتباس والاستعارة من حالات وتجارب تاريخية وأخرى مازالت قائمة بالفعل مثل المواجهة الثقافية مع الشيوعية في مرحلة ما بين نهاية الحرب العالمية الثانية ونهاية الثمانينيات، أو المواقف الأميركية من الدول والقضايا القائمة على الساحة العالمية.

هنتنغتون الأقرب إلى الذهن والتوقع


تسعى الولايات المتحدة إلى وجود ديمقراطية لا تتيح لغير العلمانيين وعملاء أميركا الوصول إلى الحكم والتأثير والتوجيه

يعتقد صمويل هنتنغتون أن الثقافة والهوية الثقافية التي هي على المستوى العام حضارية هي التي تشكل أنماط التماسك والتفسخ والصراع في عالم ما بعد الحرب الباردة، ولذلك فإن أساس الصراع الجديد قائم على تنافس الثقافات والحضارات، ويستشهد بمقولة الرئيس والمفكر التشيكي فاكلاف هافيل: الصراعات الثقافية تتزايد وهي الآن أخطر مما كانت عليه في أي وقت سابق في التاريخ، ويلاحظ أن الصراعات الثقافية والحضارية هي التي تشغل العالم وتهدد بقيام حروب إقليمية وعالمية، فلا أحد يعير الحروب الدائرة في الصومال ورواندا وبوروندي أهمية، ولكن الصراع في فلسطين والبلقان يشغل العالم ويستدعي تدخلا كبيرا ومباشرا من القوى والأحلاف العظمى، وكانت الثقافة أساس تقسيم يوغسلافيا ووحدة ألمانيا وتفكك الاتحاد السوفياتي. ويقدم هنتنغتون خمس نتائج رئيسية خلص إليها هي:

  • الثقافة الكونية متعددة الأقطاب والحضارات لم تؤد إلى حضارة كونية ولا تقريب المجتمعات غير الغربية.
  • ميزان القوى بين الحضارات يتغير، فالغرب يتدهور في تأثيره النسبي، والحضارات الآسيوية تبسط قوتها الاقتصادية والعسكرية والسياسية، والإسلام ينفجر سكانيا مع ما ينتج عن ذلك من عدم استقرار، والحضارات غير الغربية عموما تعيد تأكيد ثقافتها الخاصة.
  • الدول تتجمع حول الدولة المركز أو دولة القيادة في حضارتها والجهود المبذولة لتحويل المجتمعات من حضارة إلى أخرى هي جهود فاشلة.
  • مزاعم الغرب في العالمية تضعه في صراع مع الحضارات وأخطرها مع الإسلام والصين.
  • يعتمد بقاء الغرب على الأميركيين، ولتجنب حرب حضارات كونية يجب على قادة العالم القول بسياسة دولية متعددة الحضارات وأن يتعاونوا للحفاظ عليها.


تعمل أميركا على إغراق ثقافي يملأ الفضاء والأوقات والمؤسسات والفئات المستهدفة جميعها ويستوفي الأشكال المختلفة من العمل من فن وسينما وإذاعة ومجلات وصحف .. إلخ
فوكوياما وتحقيق عالم منسجم
يعتقد فرانسيس فوكوياما أن الصراعات الكبرى في العالم قد انتهت بانتصار نهائي وحاسم للديمقراطية الليبرالية الغربية الرأسمالية، وهذا ما يعنيه بمقولة نهاية التاريخ، فالمجتمعات البشرية وفقا لماركس وهيغل تتطور باستمرار وانتظام ولكن تطورها ليس بلا نهاية، ولكنه يكتمل عندما تجد البشرية الشكل الاجتماعي الذي يشبع حاجاتها الأكثر عمقا والأكثر أساسية، وقد تحققت هذه النهاية التاريخية وصارت الحضارة الأميركية والغربية هي آخر ما يمكن للبشرية الوصول إليه، فقد انهارت الشيوعية وقبلها الفاشية وتتطلع جميع شعوب العالم ودوله لتحقيق النموذج الغربي "الديمقراطية الليبرالية" وصار هذا النموذج التطلع السياسي الوحيد المتماسك الذي يربط مناطق وثقافات مختلفة في جميع أنحاء الكرة الأرضية، وانتشرت المبادئ الاقتصادية الليبرالية (السوق الحرة) ونجحت في إنتاج مستويات لم يسبق لها مثيل من الازدهار المادي.

والتطبيق الثقافي والإستراتيجي لهذه الرؤية أن العالم كله يجب أن يتبع النموذج الأميركي وأن ما عداه هو شر محض وتخلف (معنا أو مع الإرهاب) وأن محاربة هذا النموذج هو محاربة الازدهار والحداثة والديمقراطية، وكانت أحداث سبتمبر/أيلول حربا على طريقة الحياة المتقدمة والانتخاب والتقدم، ومن ثم فإن الحرب الأميركية في العالم هي دفاع عن قيم التقدم والديمقراطية وملاحقة لأعداء الحضارة.

الرؤية التطبيقية لنموذجي فوكوياما وهنتنغتون
تبدو رؤية فوكوياما مختلفة عن هنتنغتون من ناحية التحليل والتفسير، فالأول لا يرى نموذجا يمكن التطلع إليه سوى الليبرالية الغربية الأميركية، والآخر يعتقد أن ثمة سبع أو ثماني حضارات تتصارع وأن الصين والإسلام يعدان أهم أعداء أميركا والغرب ولا مفر في النهاية من مواجهة هذا الصراع الحتمي، ولكن التطبيق والمحصلة النهائية متطابقة لديهما.
وهكذا فإن جميع السياسات والمواقف الأميركية مهما بدت لنا نحن العرب والمسلمين والآسيويين قاسية صارمة فإنها لتعليمنا وتحديثنا وتخليصنا من الأصولية والإرهاب.

لنتأمل على سبيل المثال هذا الحديث الذي نشرته جميع الوكالات ووسائل الإعلام لنائب وزير الدفاع الأميركي بول ولفويتز في معهد بروكنغز الأميركي، فقد عبر المسؤول الأميركي عن مخاوفه من وجود تصادم ناتج عن سوء فهم بين العالمين الغربي والإسلامي قال إنه يسفر عن "فجوة خطيرة" بين الجانبين، ودعا إلى إحداث تقارب بين هذين العالمين مطالبا بالعمل على ردم هذه الفجوة. ويقول ولفويتز إن مهمة الولايات المتحدة في أفغانستان هي "مهمة تحرير لا احتلال"، وإن تركيا تقدم للعالم الإسلامي مثالاً مهماً أثناء انطلاقها على طريقها الخاص نحو نظام الحكم التمثيلي.

والغرب وفق ولفويتز -متمثلاً في أميركا وأوروبا- يبعث برسالة إلى العالم الإسلامي يشير فيها إلى أن الحالة التركية "هي المثال الذي ينبغي على البلدان الإسلامية أن تحذو حذوه".

والحرب التي تخوضها الولايات المتحدة حالياً يراها نائب وزير الدفاع الأميركي "حرب أفكار" تتمثل في "الصراع بشأن التحديث والعلمنة والتعددية والديمقراطية والتنمية الاقتصادية الحقيقية"، وقال "هناك الملايين من المسلمين الذين يتوقون إلى الحداثة والحرية والازدهار والذين هم أنفسهم في الواقع في طليعة صفوف الصراع ضد الإرهاب".

وجهان للتطبيق
السياسات والمواقف الأميركية لا تثير في الغرب ما نتوقعه من صدمة للرأي العام واستفزاز مضاد للإدارة الأميركية والغربية، بل على العكس تماما فهي مصدر دعائي يزيد من شعبية الإدارة وجماهيريتها، فهذه الدبابات التي تحتل الشوارع في فلسطين، وتلك القاذفات التي تنطلق نحو السكان العزل في أفغانستان تعبر عن الغازي المتفوق والمدافع عن الحضارة الغربية، ولا تحرك الضحايا وصور الدمار شعرة في جسد أحد طالما لم يكن بين الضحايا أبيض واحد.

ولا تبدو الديمقراطية مستهدفة إذا اعتدى عليها العسكر في تركيا أو باكستان إذا كانت لتغييب الحركات والجماعات التي لا يريد الغرب لها الوصول إلى مواقع الحكم والتأثير بالوسائل الديمقراطية، وتجد محكمة حقوق الإنسان الأوروبية على سبيل المثال أن إزاحة نجم الدين أربكان من رئاسة الوزراء وحظر حزبه ومنعه من مزاولة النشاط السياسي عملا صحيحا لا يتنافى مع الديمقراطية وحقوق الإنسان، فحزب الرفاه يتعارض برنامجه ومواقفه مع العلمانية والثقافة الغربية، وهذا هو التبرير الحرفي الذي قدمته المحكمة الأوروبية لتأييد حظر حزب الرفاه، وكذلك الأمر في باكستان.

وفي العالم الآخر (كل ماهو ليس غربي) تبدو الصورة دفاعا عن الديمقراطية وحقوق الإنسان والعلمانية، ويسوقها إعلام وجيش ومؤسسات تنتمي إلى المنطقة المحتلة أو المستهدفة، فهي أعمال وطنية بمعونة الغرب، وفي أسوأ الأحوال فإنها خلاف بين فئتين تقدم إحداهما خطابا مؤيدا للحداثة والديمقراطية والأخرى تقدم نموذجا معاديا للغرب والديمقراطية أيضا وهو يتوسل بالديمقراطية للقضاء عليها، وليس ثمة مبرر للتساؤل وبذل الجهد إن كان العسكر والنخب السياسية في آسيا والعالم الإسلامي مؤيدين للديمقراطية أو يريدونها بالفعل فالمهم أن الآخر لا يريدها.

رعب الأصولية ونموذج البنتاغون
يرى كثير من المحللين أن الإستراتيجية الأميركية أوجدتها ظروف وأحداث كبرى لم يعد الكثير منها مؤثراً، وقد نشرت دراسات كثيرة تناقش السياسات والإستراتيجيات الأميركية القادمة، منها أعمال ندوة عقدها سلاح الجو الأميركي وشارك فيها عدد من الخبراء والباحثين منهم الخبير السابق في المخابرات الأميركية في شؤون الشرق الأوسط غراهام فولر.



من أسس الإستراتيجية الثقافية للولايات المتحدة العمل على إغداق مادي وأدبي وجوائز وإغواء إعلامي وأضواء تقدم لفئة من النخب التابعة وحرمان وتجاهل ومطاردة وربما اغتيال وتصفية للآخرين

الرؤى الأميركية للمناخ الدولي الراهن
وقد ترجمت الدراسة ونشرها مركز الإمارات للدراسات الإستراتيجية عام 1997 بعنوان "التقييم الإستراتيجي" تلخص الرؤى الأميركية للمناخ الدولي الراهن بعد انتهاء الحرب الباردة بما يلي:
1- حققت بعض الدول الآسيوية نمواً اقتصادياً كبيراً مثل الصين والهند وماليزيا وتايلند، وقد يحدث ذلك تحولاً في القوة الاقتصادية والجغرافيا السياسية والعسكرية.
2- تشهد كثير من الدول في مختلف أنحاء العالم تحولات سياسية نحو الديمقراطية واقتصاديات السوق كما يحدث في دول أوروبا الشرقية والاتحاد السوفياتي السابق وأميركا الوسطى وإلى حد ما الدول العربية.
3- ثمة دول وأقاليم كثيرة تشهد صراعات سياسية وتجتاحها الحروب الأهلية والمجاعة والاستبداد، ويعقب ذلك حروب وهجرات وآثار اقتصادية وسياسية كبيرة.
4- تمثل بعض الدول مثل إيران والعراق والصين وباكستان وكوريا الشمالية، بإمكاناتها العسكرية والاقتصادية واختلافها السياسي والحضاري مع الولايات المتحدة، هاجسا دائماً تسعى لاحتوائه.
5- التغيرات التقنية وبخاصة في الاتصال والمعلومات تؤدي إلى تحولات كبيرة في الاقتصاد والتأثير السياسي والثقافي، وتغير في موازين القوى والموارد والتنافس، وتؤثر في حراك المجتمعات والسلطة، وكل ذلك يؤدي بالتأكيد إلى ضرورة صياغة إستراتيجية جديدة ويجعل التوجهات السابقة موضع إعادة نظر.
6- تزداد حدة التنافس الاقتصادي والاحتكاكات التجارية الدولية بين الولايات المتحدة وحلفائها منذ أيام الحرب الباردة، وقد يؤدي ذلك إلى تعقيد العلاقات المستقبلية.
7- ثمة دول غير راضية عن النظام العالمي الجديد مثل إيران والعراق وكوريا الشمالية والصين وروسيا وكوبا، وقد تسعى روسيا والصين إلى تحقيق توازن مع الولايات المتحدة.
وتناقش الندوة عنصرا مهما في صياغة سياسات أميركا نحو المنطقة وهو مكافحة "الأصولية الإسلامية"، إذ لا تخفي التحليلات الأميركية تخوفها الهستيري من هذه "الأصولية" التي ترى فيها مبررا مقنعا لدعم الدكتاتوريات في العالم الإسلامي وتفضيلها -بأي حال من الأحوال- على فرصة الحركات الإسلامية في العمل السلمي والعلني والمشاركة في التنافس الانتخابي، ولو أدى ذلك إلى التضحية بالديمقراطية وحقوق الإنسان المزعومة.

وفي تقديره لمستقبل السياسة الأميركية في الشرق الأوسط لا يخفي غراهام فولر -وهو من السياسيين المعتدلين- تأييد أي تدابير تواجه الأصولية الإسلامية، ولا يجد ما يدعو لتوضيح هذه المخاطر والمخاوف على العملية السلمية والمصالح الأميركية المرافقة للحرية المتاحة للأصولية، ويبذل جهدا كبيرا في التنظير للسياسة الأميركية ولحكومات الشرق الأوسط لنزع الإعجاب والتأييد الجماهيري الذي تحظى به الحركة الإسلامية دون ملاحظة وجه المنطق الجماهيري والشعبي الذي يقف وراء التأييد الشعبي الكبير للحركة الإسلامية.

تحتاج حكومات الدول العربية والإسلامية -كما يقترح فولر- إلى تحسينات كثيرة على تكتيكاتها لتجعل أنظمتها السياسية أكثر انفتاحا وأكثر تقبلا للنقد حتى لا يستفيد الإسلاميون من تدهور الموقف. ومن المهم ألا تكون هذه الإصلاحات السياسية جوهرية لأنها ستجيّر لصالح الحركات الإسلامية، وتلك هي المعضلة التي تقلق الأميركيين وهم يفكرون لأصدقائهم، إذ كيف يمكن تحقيق قدر معقول من الرضا والاستقرار والديمقراطية مع استبعاد الإسلاميين من منظومة الحياة السياسية.

تتسم مصر بأهمية بالغة بالنسبة للولايات المتحدة، فهي الحليف الرئيسي لها في العالم العربي -وهذا التقدير مقتبس من دراسة غراهام فولر- حيث إنها (مصر) حجر الزاوية في ترتيبات السلام مع إسرائيل، وقد أدت الدور الرئيسي في المنطقة فيما يتصل بدفع الدول العربية الأخرى للسير قدما في عملية السلام طوال السنوات الخمس عشرة الماضية، كما أنها أهم دولة عربية تؤثر سياساتها في جميع الدول الأخرى في المنطقة. فلو تسلمت الحكم فيها حكومة إسلامية في غضون السنوات القليلة القادمة، فإن معاهدة السلام التي أبرمت في كامب ديفد مع إسرائيل ستتعرض للخطر وإن كان لن يقضى عليها تلقائيا.


تشجع الولايات المتحدة الخارجين على الدين والثقافة الوطنية حتى لو كانوا جهلة صغارا وربما يفعلون ذلك للحصول على دعم الغرب وتأييده

ورغم أن الفلسطينيين والأردنيين -والكلام لغراهام فولر- يمكن أن يمضوا قدما في العملية السلمية فإن سوريا يمكن أن تراجع موقفها، وقد تكون مصر (بافتراض أنها تحكمها الحركة الإسلامية) في وضع يمكنها من مساعدة الحركات الإسلامية في المنطقة. أما التأثير المعنوي لتحول مصر إلى دولة إسلامية فسيكون أكثر أهمية، ذلك أنه سيعيد ترتيب العلاقات في المنطقة، كما قد تسعى مصر إلى إنهاء وجود القوات الأميركية في سيناء.

تتعامل الولايات المتحدة مع منطقة غير مستقرة وفق التحليل الأميركي، ولكنها لا تريد أو لا تستطيع -كما يرى فولر- أن تفعل شيئا لوقف التدهور ومعالجة الوضع المتأزم في العراق والجزائر وتركيا واليمن والصومال، ويبدو أن هذا الوضع هو الأفضل للمصالح الأميركية.

ولكن ما يقلق الولايات المتحدة (والكلام بنصه لفولر) هو السودان الذي تسعى حكومته "الأصولية" إلى نشر الدعوة الإسلامية في أفريقيا. ولدى الجبهة الإسلامية في السودان روابط مع الحركات الأصولية الأخرى في المنطقة، ولكن السودان فقد الدعم الاقتصادي والسياسي من الدول العربية ويعاني من ضائقة اقتصادية، والتدخل الأميركي في جنوب السودان أمر وارد ومطلوب. كما أن تقسيم السودان إلى دولتين احتمال وارد، ولكن تقسيم السودان يفتح المجال لانقسامات عرقية في كل القارة الأفريقية وصراعات ليس لها آخر. وترفض مصر أكثرَ من السودان قيام دولة مستقلة في جنوب السودان، فأي سيطرة معادية على النيل هي بمثابة خطر مميت بالنسبة لمصر، ولذلك فإن وحدة السودان هي مسألة إستراتيجية لا تتخلى عنها مصر.
ولا يمكن استبعاد حدوث تدخل أميركي بصفة ما في الجزائر واليمن وكردستان والكويت، وستظل الإمكانات العسكرية للعراق وإيران مصدر قلق دائم، ويحتمل أن تزداد الصراعات السياسية مع الوقت بدلا من أن تخف مع اتجاه تلك الدول إلى مواجهة التغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تأخر إجراؤها أكثر من اللازم.

خبرة مكافحة الشيوعية
تعرض الكاتبة البريطانية فرانسيس ستونز سودرز في كتابها "الحرب الباردة الثقافية" لمعركة "الاستيلاء على عقول البشر" التي كانت تديرها وكالة المخابرات الأميركية (CIA)، فعندما بدأت الحرب الباردة عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية أطلقت الولايات المتحدة مشروع مارشال القائم على تقديم مساعدات اقتصادية للدول الأوروبية لئلا تسقط في يد الأحزاب الشيوعية، ثم أعلن الرئيس الأميركي ترومان عام 1949 برنامج النقطة الرابعة القائم على كسب الشعوب بالإصلاح الاقتصادي، وتقوية الأمم المعادية للشيوعية وتقديم المعونات للدول.

وتولت المخابرات المركزية (CIA) تكوين واجهة ثقافية تحارب الشيوعية بالوسائل الثقافية واستخدمت في ذلك المنشقين عن الشيوعية والمراكز الثقافية وأفلام السينما والمحاضرات والموسيقى وترويج الذوق الأميركي في الطعام واللباس والغناء والفن، وأنشئت عام 1950 منظمة كونغرس الحرية الثقافية تحولت عام 1967 إلى "الاتحاد الدولي للحرية الثقافية" وأنشأت هذه المنظمة فروعاً لها في 35 دولة، وأصدرت أكثر من 20 مجلة ذات تأثير كبير، وكان يكتب في هذه المجلات شخصيات فكرية مشهورة مثل المؤرخ أرنولد توينبي والفيلسوف برتراند راسل وهربرت سبنسر.


تحاول الولايات المتحدة فرض تشريعات وبرامج ثقافية وسياسية وإعلامية تفرض الثقافة الغربية وتحارب قيم الأسرة والتماسك والثقافة الوطنية، وتشجع عادات وأنماط حياة غربية

وكانت منظمة الحرية الثقافية وراء عدم فوز شاعر تشيلي نيرودا بجائزة نوبل عام 1964 ولم يفز بها إلا عام 1971 عندما كان سفيراً في فرنسا لحكومة الليندي، ثم قتلته المخابرات الأميركية عام 1973، وكانت وراء إخضاع أرنست همنغواي للمتابعة والتحقيق حتى أصيب بالاكتئاب وانتحر.

وعندما دخلت الحكومة البريطانية في الحرب الثقافية كونت لذلك الغرض إدارة سميت "إدارة البحوث الدولية" (IRD) وألحقت بوزارة الخارجية وكانت فكرتها قائمة كما أوضح مؤسس المشروع أرنست بيفن وزير الخارجية البريطاني حينذاك بأنها القضاء على الشيوعية بدحضها باستخدام الميل الإيجابي للديمقراطية والمسيحية "وألا ننس أن قوة المشاعر المسيحية في أوروبا لا بد من أن تقدم أيدولوجيا مناقضة للشيوعية، وكانت هذه الإدارة تعد تقارير عن كافة الموضوعات لتوزيعها على أعضاء أجهزة المخابرات البريطانية الذين يعيدون استخدامها في عملهم.

لقد ضخت المخابرات الأميركية عشرات الملايين من الدولارات على مدى سنوات لمنظمة الحرية الثقافية، وأنشئت أيضا منظمة أوروبا الحرة التي كانت تدير إذاعة أوروبا الحرة ومقرها برلين وكانت موجهة إلى دول أوروبا الشرقية وتبث بست عشرة لغة مختلفة، وكانت تتصل بالعاملين في الخدمات الإعلامية خلف "الستار الحديدي" وترصد الإذاعات الشيوعية وتبث المحاضرات والكتابات المعادية للشيوعية.

وعبئت مؤسسات تبدو طوعية خاصة مثل مؤسستي فورد وروكفلر في الحرب السياسية على الشيوعية، وقدمت هذه المؤسسات منحا مالية كبيرة لأنشطة ترعاها وتنسقها المخابرات الأميركية مثل شراء كتب وأعمال روسية ممنوعة وتمويل معهد الفن المعاصر والدعم المباشر لمنظمة الحرية الثقافية.

وكتب آرثر ميلر "كانت الولايات المتحدة تتصرف مع أصغر حزب شيوعي في العالم (الحزب الشيوعي الأميركي) وكأنها على شفا حرب ثورية دموية، وكان عدد أعضاء الحزب عام 1950 يصل إلى نحو 31 ألفاً تقلصوا إلى آلاف قليلة عام 1956، وكان يقال إن معظمهم عملاء سريون لمكتب التحقيقات الفدرالي (FBI)، وفيما بعد قال وليم كولبي: كنت دائماً على يقين مما يقال من أن FBI حافظ على الحزب الشيوعي قائما عن طريق تسديد اشتراكات عملائه. وقال الكاتب هووارد فاست: كان الحزب الشيوعي في تلك الفترة من الناحية العملية فرعاً من وزارة العدل.

ولم يكن الاختراق والتوجيه في مجال الفن مختلفاً عن الثقافة والأدب، وكانت هيئة السينما المنبثقة عن المخابرات الأميركية تمول المعارض والمهرجانات وتستقطب الفنانين والمخرجين، وكانت الهيئة تملك شبكة عمل وتوزيع في 87 دولة وتتمتع بدعم حكومي هائل.

وعند استعارة هذا النموذج يمكن الحديث عن مؤسسات ثقافية وصحف ومجلات ومؤتمرات وندوات ترعاها الولايات المتحدة وأوروبا تقود العمل الثقافي والإعلامي والتوجيه والمعلومات وتحرم الاتجاه الآخر من فرص التعبير والظهور وأن يستمع إليه أحد أو تتاح له فرصة في مزاولة نشاطه ونشر فكرته بأي صورة من الصور.

مضامين الخطاب الثقافي
يمكن باختصار تقدير الخطاب الثقافي الأميركي أو التابع له في مناطق العالم والذي لن يتاح لغيره بالعمل بالرموز التالية:

  • علمانية تبدو لا تعادي الإسلام ولا الحضارات والثقافات غير الغربية.
  • ديمقراطية لا تتيح لغير العلمانيين وعملاء أميركا الوصول إلى الحكم والتأثير والتوجيه.
  • إغراق ثقافي يملأ الفضاء والأوقات والمؤسسات والفئات المستهدفة جميعها ويستوفي الأشكال المختلفة من العمل من فن وسينما وإذاعة ومجلات وصحف ومؤتمرات وندوات ومحاضرات ومعارض ورحلات وزيارات وضيافة ولا يدع مجالا للتقويم والتساؤل والتقاط الأنفاس.
  • إغداق مادي وأدبي وجوائز وإغواء إعلامي وأضواء تقدم لفئة من النخب التابعة وحرمان وتجاهل ومطاردة وربما اغتيال وتصفية للآخرين.
  • تشجيع الخارجين على الدين والثقافة الوطنية حتى لو كانوا جهلة صغارا وربما يفعلون ذلك للحصول على دعم الغرب وتأييده.
  • تشريعات وبرامج ثقافية وسياسية وإعلامية تفرض الثقافة الغربية وتحارب قيم الأسرة والتماسك والثقافة الوطنية، وتشجع عادات وأنماط حياة وافدة مثل تحديد النسل وتنظيمه، والاختلاط، وإباحة العلاقة بين الرجل والمرأة خارج إطار الزوجية، وإطلاق الحريات الفردية بلا حدود، والانفتاح الكامل على الثقافة والقيم الغربية.

_______________
*كاتب أردني

** هنتنغتون في صدام الحضارات نقلا عن the changing nature of world power/ political science quarterly, summer 1990