بقلم إبراهيم غرايبة

يرى كثير من المحللين أن الاستراتيجية الأميركية أوجدتها ظروف وأحداث كبرى لم يعد الكثير منها مؤثراً. وقد نشرت دراسات كثيرة تناقش السياسات والاستراتيجيات الأميركية القادمة، منها أعمال ندوة عقدها سلاح الجو الأميركي، وشارك فيها عدد من الخبراء والباحثين منهم الخبير السابق في المخابرات الأميركية في شؤون الشرق الأوسط غراهام فولر. وقد ترجمت الدراسة ونشرها مركز الإمارات للدراسات الاستراتيجية عام 1997 بعنوان "التقييم الاستراتيجي".

والواقع أن التوجهات الأميركية بدأت تتنازعها منذ نهاية الحرب الباردة اتجاهات ثلاثة، الأول: أن تكون الولايات المتحدة القوة الأولى المهيمنة، وأن تسعى إلى منع أي قوة أخرى من منافستها حتى لو كانت من الدول الصديقة والمتحالفة معها. والثاني: إقامة توازن للقوى يحول دون ظهور قوة مهيمنة جديدة في نظام تشارك فيه روسيا والصين واليابان وألمانيا، وقد تنضم دول أخرى مثل الهند، وقد تخرج دول أخرى متجهة إلى الضعف وربما إلى التفكك مثل روسيا. والاتجاه الثالث هو الانعزال والانكفاء على الذات.

وقد فرض هذا الجدال نفسه بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وتفرد أميركا بقيادة العالم وانهيار القطبية الثنائية التي سادت العالم منذ الحرب العالمية الثانية. والواقع أنه لم يحدث من قبل أن كان النظام العالمي أحادياً، إذ غلبت عليه التعددية. وبرغم الحروب والصراعات التي رافقت التعددية فإن الأحادية أثبتت أنها عاجزة عن تحقيق الاستقرار العالمي.

وبالنسبة للولايات المتحدة فقد أخذت على عاتقها بعد فترة من التردد مهمة احتواء المد السوفييتي، واندلع الصراع الذي عرف باسم الحرب الباردة. ورافق ذلك تطوير أسلحة الدمار الشامل، وهيمنت أجواء الحرب الباردة على السياسة الخارجية الأميركية واستراتيجية الأمن القومي، وألقت بظلالها على القرارات الدفاعية وحجم القوات العسكرية والوجود العسكري والتحالفات في الخارج. ولكن الحرب الباردة انتهت نهاية مدوية عندما انهار الاتحاد السوفييتي وتحول التوازن النسبي للقوى السياسية والعسكرية ليصبح في صالح الولايات المتحدة.

ويمكن القول إن الولايات المتحدة وحلفاءها قد أقاموا منطقة سلام يعتبر فيها نشوب الحرب فيما بينهم أمراً غير وارد. ولم تختر الولايات المتحدة استراتيجية جديدة تتفق مع الواقع الجديد الذي يختلف كثيراً عن السابق، ولجأت بدلاً من ذلك إلى التعامل مع كل قضية أو حدث على حدة وفق المعطيات والأوضاع المحلية والدولية السائدة التي تحيط بالقضية، دون أن يكون ذلك بالضرورة منسجماً مع استراتيجية كبرى كلية.

تلخص الرؤى الأميركية المناخ الدولي الراهن بعد انتهاء الحرب الباردة بما يلي:
1- حققت بعض الدول الآسيوية نمواً اقتصادياً كبيراً مثل الصين والهند وماليزيا وتايلاند، وقد يحدث ذلك تحولاً في القوة الاقتصادية والجغرافيا السياسية والعسكرية.

2- تشهد كثير من الدول في مختلف أنحاء العالم تحولات سياسية نحو الديمقراطية واقتصاديات السوق، كما يحدث في دول أوروبا الشرقية والاتحاد السوفييتي السابق وأميركا الوسطى وإلى حد ما الدول العربية.

3- ثمة دول وأقاليم كثيرة تشهد صراعات سياسية وتجتاحها الحروب الأهلية والمجاعة والاستبداد، ويعقب ذلك حروب وهجرات وآثار اقتصادية وسياسية كبيرة.

4- تمثل بعض الدول مثل إيران والعراق والصين وباكستان وكوريا الشمالية، بإمكاناتها العسكرية والاقتصادية واختلافها السياسي والحضاري مع الولايات المتحدة، هاجسا دائماً تسعى لاحتوائه.

5- التغيرات التقنية وبخاصة في الاتصال والمعلوماتية تؤدي إلى تحولات كبيرة في الاقتصاد والتأثير السياسي والثقافي، وتغير في موازين القوى والموارد والتنافس، وتؤثر في حراك المجتمعات والسلطة، وكل ذلك يؤدي بالتأكيد إلى ضرورة صياغة استراتيجية جديدة ويجعل التوجهات السابقة موضع إعادة نظر.

6- تزداد حدة التنافس الاقتصادي والاحتكاكات التجارية الدولية بين الولايات المتحدة وحلفائها منذ أيام الحرب الباردة، وقد يؤدي ذلك إلى تعقيد العلاقات المستقبلية.

7- ثمة دول غير راضية عن النظام العالمي الجديد مثل إيران والعراق وكوريا الشمالية والصين وروسيا وكوبا، وقد تسعى روسيا والصين إلى تحقيق توازن مع الولايات المتحدة.

ووجهة نظر العسكريين الأميركيين أن أميركا يجب أن تبقى مهيمنة، وأن تبني الخطط والموازنات على أساس المحافظة على الهيمنة. فهل تستطيع الولايات المتحدة الإبقاء على هذه الاستراتيجية؟ العسكريون يعتقدون أن ذلك ممكن وواجب أيضاً، ويعترفون أن الأمر يحتاج إلى تأييد شعبي قد لا يتوفر مع تنامي النزعة إلى الانعزال والانكفاء على الذات.

وتحتاج الإدارة الأميركية بالإضافة إلى التأييد الشعبي إلى بناء استراتيجية جديدة قائمة على السيطرة على الفضاء، وإرساء مفاهيم جديدة تتواءم مع التقنيات الجديدة مثل حرب المعلومات. وقد أعطت حرب الخليج الثانية فكرة عما يمكن أن يتحقق في المستقبل، ويتطلب ذلك أيضا أن تكون الولايات المتحدة قوة اقتصادية ولا تسمح لغيرها بمنافستها.

ويراهن مؤيدو هذا الخيار على أن الشعب سيؤيد استراتيجية قائمة على التفوق واحتكار الهيمنة إذا طرحت في إطار من تقليل النفقات وتحقيق مكاسب اقتصادية واستخدام تقنيات عسكرية جديدة تقلل الخسائر في الجنود، وأيضا إذا طرحت الخسائر المحتملة في البدائل الأخرى التي يمكن أن تسلكها الولايات المتحدة. ومن الواضح أنه خيار يلقي على كاهل أميركا أعباء إضافية عسكرية واقتصادية. وتخشى أميركا إذا تخلت عن هذا الخيار أن تضيع الفرصة من يدها لتحديد شكل المستقبل بفقدانها الإمكانات والاستعدادات اللازمة لمواجهة الصراعات المحتملة في العالم، وأن تصبح في موقف أضعف عند وضع خططها على المدى الطويل.

ويقابل هذا الخيار الاتجاه إلى العزلة، وهي استراتيجية كانت سائدة منذ القرن السابع عشر وحتى منتصف القرن العشرين، وكان جيمس مونرو أحد الرؤساء الأوائل لأميركا يعبر عن هذه الاستراتيجية برسم خريطة لأميركا وحولها أسلاك شائكة وأمامها شعار "نحن نرحب بالزائرين ما دام ليس معهم بنادق".

وتتيح هذه الاستراتيجية مزايا تجد قبولاً لدى الأميركيين، مثل تقليل تعرض الجنود والمواطنين الأميركيين للخطر، وتقليل النفقات لمواجهة عجز الميزانية، وتحسين القدرة التنافسية الاقتصادية للولايات المتحدة.

ويرد مؤيدو الخيار السابق بأن الانعزال سيؤدي إلى عودة الحرب الباردة، ويهدد الولايات المتحدة على المدى البعيد. ومن الاحتمالات الواردة في هذه الحالة عودة الصبغة القومية للسياسة الأمنية لليابان وألمانيا، لأن الانسحاب الأميركي سيجعل كلتا الدولتين تتولى شؤون أمنها بنفسها وتعيد بناء قدراتها العسكرية، مما يؤدي إلى عودة سباق التسلح وما يترتب عليه من إمكانية الحصول على الأسلحة النووية.

وتستطيع اليابان بسبب تفوقها التكنولوجي أن تتحول بسرعة إلى دولة نووية إذا ما قررت ذلك، ومعروف أيضا أن بإمكان اليابان صنع صواريخ بعيدة المدى وأساطيل بحرية تضم حاملات الطائرات. ويخشى على إسرائيل من تهديدات أمنية إذا انسحبت أميركا من منطقة الشرق الأوسط، وقد تسيطر إيران أو العراق على منابع النفط وإمداداته فترتفع أسعاره وتهدد الاقتصاد الأميركي وينخفض مستوى معيشة المواطن الأميركي.

وقد تستطيع دول مثل كوريا الشمالية وإيران أن تحصل على الأسلحة النووية، وقد تؤدي الاضطرابات المحتملة في آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط إلى تقليل الفرص التجارية.

أما الخيار الاستراتيجي الثالث فهو وسط بين الخيارين السابقين، ويعتمد على إقامة توازن للقوى يحول دون إظهار قوة مهيمنة جديدة، ويقوم على توازن للقوى تشارك فيه الدول الكبرى مثل الاتحاد الأوروبي وروسيا والصين واليابان، وقد تنضم إليه الهند والصين وإندونيسيا والبرازيل. ولدفع العالم في هذا الاتجاه فإن الولايات المتحدة سوف تنهي وجودها في أوروبا، إذ يستكمل الأوروبيون قدراتهم الذاتية وتوازنهم مع روسيا بما يمنع أيضاً هيمنة ألمانيا على أوروبا، كما يتولى الأوروبيون التعامل مع الأحداث في البلقان وشرق أوروبا وشمال أفريقيا، ولن تتورط الولايات المتحدة عسكريا في النزاعات المحلية في هذه المناطق. وتترك مناطق الاتحاد السوفييتي السابق للنفوذ الروسي، وينشأ توازن صيني ياباني، وتتحد الكوريتان، ومن شأن ذلك أن يمنع الهيمنة الإقليمية لأي دولة في آسيا، وينتهي الوجود العسكري الأميركي.

وفي الإطار نفسه تسعى أميركا لإقامة توازن في الشرق الأوسط والخليج بين إيران والعراق لمنع حدوث هيمنة إقليمية، وتبقى الولايات المتحدة القوة المهيمنة في الأميركتين.

ويحقق نظام توازن القوى للولايات المتحدة تخفيض الإنفاق الدفاعي، ويقلل الحاجة إلى نشر القوات الأميركية في المناطق الساخنة في العالم، وتتمتع بحرية أكبر في متابعة مصالحها الاقتصادية دون اعتبار للتحالفات السياسية والعسكرية. وفي هذه الحالة فإن أميركا ستطور أنظمتها الفضائية والصاروخية بعيدة المدى، ولكن ذلك يمكن أن يستفز دولا أخرى لتطور قدراتها  الدفاعية والنووية والصاروخية مثل باكستان والهند والصين والعراق وإيران وكوريا الشمالية، وقد يؤدي إلى تنامي القوة العسكرية لليابان وألمانيا اللتين تمتلكان المؤهلات التقنية والاقتصادية. وفي منطقة الشرق الأوسط والخليج فإن انسحاب أمريكا سيهدد إسرائيل وتتزايد احتمالات نشوب حرب عربية إسرائيلية.

ستبقى الاستراتيجية الأميركية في الخليج والشرق الأوسط تحكمها اعتبارات تأمين وصول النفط وإمداداته بأقل التكاليف الممكنة، وحماية إسرائيل وتأمين تفوق دائم لها على الدول العربية مجتمعة.

وبدأ في السنوات الأخيرة عنصر ثالث يؤثر في سياسات أميركا نحو المنطقة وهو مكافحة "الأصولية الإسلامية"، إذ لا تخفي التحليلات الأميركية تخوفها الهستيري من هذه "الأصولية" التي ترى فيها مبررا مقنعا لدعم الدكتاتوريات في العالم الإسلامي وتفضيلها -بأي حال من الأحوال- على فرصة الحركات الإسلامية في العمل السلمي والعلني والمشاركة في التنافس الانتخابي، ولو أدى ذلك إلى التضحية بالديمقراطية وحقوق الإنسان المزعومة.

وفي تقديره لمستقبل السياسة الأميركية في الشرق الأوسط لا يخفي غراهام  فولر -وهو من السياسيين المعتدلين- تأييد أي تدابير تواجه الأصولية الإسلامية، ولا يجد ما يدعو لتوضيح هذه المخاطر والمخاوف على العملية السلمية والمصالح الأميركية المرافقة للحرية المتاحة للأصولية، ويبذل جهدا كبيرا في التنظير للسياسة الأميركية ولحكومات الشرق الأوسط لنزع الإعجاب والتأييد الجماهيري الذي تحظى به الحركة الإسلامية دون ملاحظة وجه المنطق الجماهيري والشعبي الذي يقف وراء التأييد الشعبي الكبير للحركة الإسلامية.

تحتاج حكومات الدول العربية والإسلامية -كما يقترح فولر- إلى تحسينات كثيرة على تكتيكاتها لتجعل أنظمتها السياسية أكثر انفتاحا وأكثر تقبلا للنقد حتى لا يستفيد الإسلاميون من تدهور الموقف. ومن المهم ألا تكون هذه الإصلاحات السياسية جوهرية لأنها ستجيّر لصالح الحركات الإسلامية، وتلك هي المعضلة التي تقلق الأميركيين وهم يفكرون لأصدقائهم، إذ كيف يمكن تحقيق قدر معقول من الرضا والاستقرار والديمقراطية مع استبعاد الإسلاميين من منظومة الحياة السياسية.

تتسم مصر بأهمية بالغة بالنسبة للولايات المتحدة، فهي الحليف الرئيسي لها في العالم العربي -وهذا التقدير مقتبس من دراسة غراهام فولر- حيث إنها (مصر) حجر الزاوية في ترتيبات السلام مع إسرائيل، وقد أدت الدور الرئيسي في المنطقة فيما يتصل بدفع الدول العربية الأخرى للسير قدما في عملية السلام طوال السنوات الخمس عشرة الماضية، كما أنها أهم دولة عربية تؤثر سياساتها في جميع الدول الأخرى في المنطقة. فلو تسلمت الحكم فيها حكومة إسلامية في غضون السنوات القليلة القادمة، فإن معاهدة السلام التي أبرمت في كامب ديفد مع إسرائيل ستتعرض للخطر وإن كان لن يقضي عليها تلقائيا.

ورغم أن الفلسطينيين والأردنيين -والكلام لغراهام فولر- يمكن أن يمضوا قدما في العملية السلمية فإن سوريا يمكن أن تراجع موقفها، وقد تكون مصر في وضع يمكنها من مساعدة الحركات الإسلامية في المنطقة. أما التأثير المعنوي لتحول مصر إلى دولة إسلامية فسيكون أكثر أهمية، ذلك أنه سيعيد ترتيب العلاقات في المنطقة، كما قد تسعى مصر إلى إنهاء وجود القوات الأميركية في سيناء.

تتعامل الولايات المتحدة مع منطقة غير مستقرة وفق التحليل الأميركي، ولكنها لا تريد أو لا تستطيع -كما يرى فولر- أن تفعل شيئا لوقف التدهور ومعالجة الوضع المتأزم في العراق والجزائر وتركيا واليمن والصومال، ويبدو أن هذا الوضع هو الأفضل للمصالح الأميركية.

ولكن ما يقلق الولايات المتحدة (والكلام بنصه لفولر) هو السودان الذي تسعى حكومته "الأصولية" إلى نشر الدعوة الإسلامية في أفريقيا. ولدى الجبهة الإسلامية في السودان روابط مع الحركات الأصولية الأخرى في المنطقة، ولكن السودان فقد الدعم الاقتصادي والسياسي من الدول العربية ويعاني من ضائقة اقتصادية، والتدخل الأميركي في جنوب السودان أمر وارد ومطلوب. كما أن تقسيم السودان إلى دولتين احتمال وارد، ولكن تقسيم السودان يفتح المجال لانقسامات عرقية في كل القارة الأفريقية وصراعات ليس لها آخر. وترفض مصر أكثرَ من السودان قيام دولة مستقلة في جنوب السودان، فأي سيطرة معادية على النيل هي بمثابة خطر مميت بالنسبة لمصر، ولذلك فإن وحدة السودان هي مسألة استراتيجية لا تتخلى عنها مصر.

ولا يمكن استبعاد حدوث تدخل أميركي بصفة ما في الجزائر واليمن وكردستان والكويت، وستظل الإمكانات العسكرية للعراق وإيران مصدر قلق دائم، ويحتمل أن تزداد الصراعات السياسية مع الوقت بدلا من أن تخف مع اتجاه تلك الدول إلى مواجهة التغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تأخر إجراؤها أكثر من اللازم.