بقلم/ حسين أبو رمّان

عرف الأردن منذ تأسيس إمارة شرقي الأردن في العام 1921 وحتى أيامنا سبعة قوانين انتخاب عام أساسية تمثل محطات مفصلية في التطور السياسي والاجتماعي للمملكة، هذا فضلا عما يقرب من عشرين قانونا آخر أقل أهمية، هي في معظمها تعديلات على قوانين أساسية. وبالإضافة إلى الأسباب التقليدية التي تجعل السلطات تفصل قوانين الانتخاب بما يقيد حركة المعارضة في بلدانها، فإن الأردن الذي يتأثر بقوة بتطورات القضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي، ليس جاهزا بعد لاستقرار تشريعاته الانتخابية ودمقرطتها على نحو شامل.

قانون الانتخاب والمسألة الفلسطينية
الثنائية في المواطنة ما بين فلسطين والأردن شكلت إحدى خلفيات الاختلال في قانون الانتخاب الأردني، وكان قانون الانتخاب الصادر عام 1986 محطة مهمة في العلاقات الفلسطينية الأردنية حيث خصص تسعة مقاعد للمخيمات الفلسطينية في الأردن. وكان واضحا أن ذلك هو جزء من تصور لتنظيم العلاقات الأردنية الفلسطينية في الضفتين الشرقية والغربية في إطار حل سياسي إقليمي للقضية الفلسطينية، لكن ذلك الحل لم يكتب له النجاح.

وفي 30 يوليو/ تموز 1988، قرر الأردن فك الارتباط القانوني والإداري مع الضفة الغربية، تلاه في العام التالي صدور القانون المؤقت رقم 23 لسنة 1989، الذي رفع عدد مقاعد المجلس النيابي إلى (80) مقعدا موزعة على (20) دائرة انتخابية في الضفة الشرقية. وعليه فقد تم إلغاء ليس فقط تمثيل الضفة الغربية في البرلمان الأردني الذي تعود بداياته إلى ربيع العام 1950، وإنما إعادة دمج المخيمات الفلسطينية على الصعيد الانتخابي في محيطها الجغرافي.

قانون الصوت الواحد

”قانون الصوت الواحد
استهدف الحد من نفوذ القوى السياسية المنظمة لا سيما أن البلاد كانت تتجه، في إطار عملية السلام العربية الإسرائيلية، إلى إبرام معاهدة سلام مع إسرائيل.

وهكذا شكل قانون الانتخاب رقم 22 لسنة 1986 في الصيغة التي استقر عليها أساس انتخابات عام 1989 التي دشنت مرحلة الانفراج السياسي والتحول الديمقراطي في المملكة، في أعقاب أحداث أبريل/ نيسان الاحتجاجية الشهيرة التي شهدتها مدينة معان الجنوبية ومناطق أخرى من البلاد.

ورغم ذلك تعرض قانون الانتخاب لسنة 1986، سواء في سياق انتخابات العام 1989 أو في ما بعد، لمطالبات بتعديله بما يجعل منه قانونا ديمقراطيا عصريا. ولكن بدل التقدم على هذا الطريق، خضع هذا القانون، إلى تعديل خطير على مشارف انتخابات العام 1993 في ما عرف بقانون الصوت الواحد (رقم 15 لسنة 1993)، والذي استبدل من نظام القائمة المفتوحة الذي يبيح للمواطن انتخاب عدد من المرشحين يساوي عدد المقاعد النيابية المخصصة لدائرته، نظاما جديدا يقيد المواطن بانتخاب مرشح واحد فقط مهما كان عدد المقاعد في دائرته الذي يتراوح بين مقعدين إلى تسعة مقاعد.

وكان واضحا أن هذا التعديل قد استهدف الحد من نفوذ القوى السياسية المنظمة وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين التي حصلت على 27.5% من مقاعد مجلس النواب الحادي عشر (1989 - 1993)، لا سيما أن البلاد كانت تتجه، في إطار عملية السلام العربية الإسرائيلية، إلى إبرام معاهدة سلام مع إسرائيل.

وقد تعرض قانون الصوت الواحد لانتقادات واسعة من مختلف الأطياف السياسية، واعتبر بمثابة انتكاسة للعملية الديمقراطية بسبب تشجيعه للولاءات الأولية، العشائرية والعائلية والطائفية والإقليمية، على حساب الخيارات السياسية.

وتعبيرا عن احتجاجه على هذا القانون، هدد حزب جبهة العمل الإسلامي، الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين، بمقاطعة انتخابات العام 1993، دون أن ينفذ تهديده، إلا أنه لجأ إلى مقاطعة الانتخابات اللاحقة عام 1997 مع عدد آخر من الأحزاب والشخصيات. وكان استمرار العمل بقانون الصوت الواحد هو أحد أبرز الأسباب المعلنة للمقاطعة.

وفي صيف العام 2001، وبعد دخول مجلس النواب في عطلته التي تسبق الانتخابات، أمر الملك عبد الله الثاني بحل المجلس، وكلف الحكومة بإعداد قانون انتخاب جديد ليسهم في تنمية الحياة السياسية والديمقراطية بما في ذلك تفعيل دور مؤسسات المجتمع المدني، حسب ما جاء في رسالة التكليف.

أعدت الحكومة القانون الجديد، قانون مؤقت رقم 34 لسنة 2001، في فترة وجيزة، إلا أنها قررت تأجيل الانتخابات التي كان يفترض أن تجري في أواخر2001 مرتين، مرة بدعوى الحاجة إلى مزيد من الوقت لتهيئة متطلبات الاقتراع الإدارية والفنية، ومرة أخرى بدعوى تحاشي تأثيرات الأوضاع الإقليمية في فلسطين والعراق على العملية الانتخابية، وصولا إلى إقرار إجرائها في 17 يونيو/ حزيران 2003.

ورغم أن قانون الانتخاب الجديد قد اشتمل على تطويرات مهمة في زيادة الضوابط اللازمة لنزاهة الانتخاب وتبسيط إجراءاته وتحسين التمثيل، فإنه حافظ على عناصر الاختلال الرئيسية في القانون القديم، ولا سيما نظام الصوت الواحد، وتوزيع المقاعد النيابية.

إيجابيات القانون المعدل
بمقارنة قانون الانتخاب الأخير لسنة 2001 بقانون الانتخاب السابق، نجد أن القانون الأخير قد اشتمل على جملة تطويرات مهمة، أبرزها ما يلي:

  • خفض سن الناخب من (19) إلى (18) سنة، بحيث بات ممكنا لكل شاب أكمل (18) سنة من عمره في اليوم الأول من عام الانتخابات أن يشارك في الاقتراع.
  • تحسين مشاركة القضاء في الإشراف على العملية الانتخابية، وتحديد الإجراءات الكفيلة بالحفاظ على سرية اقتراع الأمي.
  • تكليف دوائر الأحوال المدنية بإعداد الجداول الانتخابية، واستخدام البطاقة الشخصية التي تحمل اسم الدائرة الانتخابية للمواطن بمثابة بطاقة انتخاب.
  • السماح للناخبين بالإدلاء بأصواتهم في أي مركز من مراكز الاقتراع في دوائرهم الانتخابية، وإجراء عمليات الفرز للنتائج في مراكز الاقتراع نفسها.
  • زيادة عدد المقاعد النيابية من (80) إلى (104) مقاعد، ثم تخصيص "كوتا" للنساء تكفل لهن تمثيلا بستة مقاعد كحد أدنى في مجلس النواب، إضافة إلى حقهن في المنافسة على جميع مقاعد المجلس التي يسمح لهن القانون بالترشيح لها. أما الفائزات بالمقاعد الستة فهن المرشحات اللواتي يحصلن على أعلى النسب من الأصوات في المملكة قياسا بعدد المقترعين في دوائرهن الانتخابية.

غياب المعايير الموحدة في القانون المعدل
ينطوي توزيع الدوائر الانتخابية والمقاعد المخصصة لها في القانون على مزايا وعيوب في الوقت نفسه. فقد تم رفع عدد أعضاء المجلس النيابي إلى (104) مقاعد موزعة على (45) دائرة، ويشكل هذا تحسينا في فرص التمثيل لمعظم المناطق والدوائر الانتخابية. ولكن ذلك لم ينجح في معالجة الاختلال الواسع في توزيع المقاعد النيابية. كما أنه لم يقدم حلولا لتجاوز الآثار السلبية لقانون الصوت الواحد على تماسك النسيج الاجتماعي وتنمية الحياة السياسية.

بصدور قانون الانتخاب للعام 2001، شملت الزيادة في مقاعد مجلس النواب جميع محافظات المملكة الاثنتي عشرة ما عدا العقبة. وقد تراوحت الزيادة بالأرقام المطلقة ما بين مقعد واحد إلى خمسة مقاعد، كما هو مبين في الجدول رقم (1). أما بالأرقام النسبية، فإننا نلحظ أن هناك تراجعا في حصة محافظات العاصمة والبلقاء وإربد والكرك والعقبة، في حين زادت حصة المحافظات الأخرى. لكن أكثر المحافظات المستفيدة وفق أرقام الزيادة النسبية هي محافظتا الزرقاء وجرش، وقد كانتا من أكثر المحافظات غبنا في تمثيلها السابق.

أما مظاهر الاختلال في توزيع المقاعد النيابية، فإنها تتجلى في عدد من المؤشرات، منها أن نسبة ما يمثله المقعد النيابي من ناخبين (المواطنون الذين يحملون بطاقة شخصية ويحق لهم الاقتراع) يتراوح بين حد أدنى هو (5696) ناخبا في دائرة الكرك السادسة وحد أعلى هو (52256) ناخبا في دائرة عمان الثانية.

ومن أجل الوقوف على حجم الاختلال في خارطة توزيع المقاعد النيابية وأسبابه، لجأنا إلى قياس الانحراف في التمثيل في كل محافظات المملكة، بحساب المتوسط الوطني لعدد الناخبين لكل مقعد نيابي (وذلك بتقسيم العدد الإجمالي للناخبين 2325496 على 104 مقاعد، وهذا يساوي 22361 ناخبا)، ثم تقسيم عدد الناخبين في كل محافظة على المتوسط الوطني لعدد الناخبين لكل مقعد لنحصل على عدد المقاعد التي ينبغي أن تخصص لكل محافظة بافتراض المساواة المطلقة في توزيع المقاعد، كما هو مبين في الجدول رقم (2). فماذا نجد؟

نجد أن جميع محافظات المملكة ما عدا ثلاثا، تعد محافظات رابحة في حصتها من مقاعد مجلس النواب، أي أنها تحصل على عدد من المقاعد يفوق حصتها من الناخبين، بنسب تتراوح ما بين (0.9) مقعد في العقبة إلى (5.4) مقاعد في الكرك، وإلى جانب ذلك هناك اختلالات داخل المحافظات نفسها. فمثلا محافظة البلقاء الرابحة في التمثيل، لديها دائرة خاسرة (دائرة لواء عين الباشا الذي يشمل مخيم البقعة للاجئين). بالمقابل فإن المحافظات الخاسرة لديها أحيانا دوائر رابحة مثل الدائرة الثانية في محافظة الزرقاء. أما المحافظات الخاسرة في حصتها من التمثيل فهي محافظات العاصمة والزرقاء وإربد التي سجلت انحرافا في التمثيل مقداره على التوالي (16.7)، (4.1)، و(2.8) مقعد.

وتتمثل الأسباب التي تكمن وراء هذا الاختلال، في العناصر الرئيسة التالية:

  • إن أعلى معدلات الانحراف السلبي في التمثيل توجد في محافظتي العاصمة والزرقاء، وهما محافظتان تتميزان بكثافة الوجود الفلسطيني فيهما. ورغم أن كثيرا من أقطاب الدولة الأردنية يعزون التباين في التمثيل إلى أسباب تنموية، من حيث الحاجة إلى تمييز إيجابي لصالح المناطق الأقل نموا ورعاية ولا سيما المناطق الريفية والبادية، فإن الملك الراحل الحسين بن طلال كان الأكثر وضوحا في التعبير عن هذه الإشكالية، حيث أوضح، عشية انتخابات العام 1997، أنها ترتبط بحل القضية الفلسطينية، مؤكدا أن الأردن يسعى إلى التوازن بين تمكين فلسطينيي الأردن من ممارسة حقوقهم كاملة في المواطنة وتجنب ما يلحق الضرر بحقهم في العودة. ويمكن أن نضيف إلى ذلك أن تمتع حزب جبهة العمل الإسلامي بنفوذ كبير في أوساط التجمعات ذات الكثافة الفلسطينية لا يسهل مهمة الداعين إلى اقتراب هذه المناطق من المساواة في التمثيل مع سائر المناطق الأخرى في البلاد، لا سيما وأن هذا الحزب الذي يعد أقوى الأحزاب الأردنية يتزعم حركة المعارضة.
  • وجود ميل واضح لدى الحكومات المتعاقبة بالانحياز في توزيع المقاعد النيابية لصالح المناطق التي تتوافر فيها فرص أكبر لانتخاب نواب محافظين يشكلون ركيزة أساسية لعلاقة هذه الحكومات مع المجالس النيابية، والأمر نفسه ينطبق على المناطق التي شكلت تاريخيا مصدرا رئيسا من مصادر تجنيد النخب السياسية وتجديدها. وربما يفسر هذا لماذا يحابي قانون الانتخاب محافظات بعينها إلى الحد الذي يخصص لها من المقاعد ضعف ما تمثله من ثقل انتخابي.
  • كذلك فإن قانون الانتخاب لسنة 2001، يتميز عن القوانين السابقة بأنه اتجه بقوة إلى اعتماد "اللواء"، وهو الوحدة الإدارية التي تلي "المحافظة" في التقسيمات الإدارية للمملكة، كأساس في تشكيل الدوائر الانتخابية، بحيث بات لدينا 30 دائرة/ لواء. وبسبب أن الألوية تتشكل ليس فقط لاعتبارات ديمغرافية، وإنما كذلك تنموية، لذلك نجد تباينا كبيرا في عدد سكان هذه الألوية، وحينما تمثل هذه الألوية في معظم الأحيان بمقعد نيابي واحد، فإنه ينجم عن ذلك عدم تساو في التمثيل رغم أن عدد الناخبين في بعضها يبلغ ثلاثة أضعاف عددهم في بعضها الآخر.

إمكانات التنمية السياسية


اقترحت لجان معنية بالشأن الانتخابي أن يكون لكل ناخب صوتان، صوت يقترع به لمرشح في دائرته الانتخابية، وصوت آخر يقترع به لصالح قائمة حزبية على مستوى المملكة.

برغم أن الغالبية الساحقة من الفعاليات السياسية والحزبية والاجتماعية والثقافية في البلاد تعلن معارضتها لنظام الصوت الواحد، كما هو مطبق في الأردن، أي في ظل تباين عدد المقاعد النيابية المخصصة للدوائر الانتخابية (2 إلى 7 حاليا)، فإن هذا النظام الانتخابي ما يزال مهيمنا على قانون الانتخاب، مع ملاحظة أن التطور الوحيد الذي وقع على هذا الصعيد هو أن اتجاه قانون الانتخاب لاعام 2001 نحو اعتماد "الألوية" كأساس لتحديد الدوائر الانتخابية، قد أسفر عن وجود (18) دائرة انتخابية لكل منها مقعد نيابي واحد، وهو ما يتفق مع نظام الصوت الواحد. لكن المشكلة التي يعاني منها الأردن لا تقتصر على الحاجة إلى دمقرطة نظامه الانتخابي كيفما شاء، بل هو بحاجة إلى نظام انتخابي يسهم جديا في تنمية الحياة السياسية، وهذا أمر لا يمكن أن يتحقق إذا لم يعد قانون الانتخاب الاعتبار للأحزاب السياسية.

ولذلك فقد تبلور في أعقاب انتخابات العام 1993، حيث طبق نظام الصوت الواحد لأول مرة، توافق بين سائر الأطياف الحزبية على ضرورة اعتماد نظام انتخابي مختلط يجمع بين التمثيل المحلي والتمثيل على المستوى الوطني. وطورت أحزاب المعارضة بشكل خاص صيغة محددة لنظام انتخابي مختلط وعرضته في لقاء رسمي مع رئيس الوزراء السابق السيد عبد الرؤوف الروابدة، لكن المراوحة في المكان بقيت سيدة الموقف.

ومؤخرا وفي إطار مساعيها إلى ترجمة شعار "الأردن أولا" الذي رفعه الملك عبدالله الثاني، قامت حكومة السيد علي أبو الراغب بتشكيل خمس لجان أنيط بها تقديم تصورات لتنفيذ الوثيقة التي أعدتها لجنة ملكية من (31) شخصية. ولقد أوصت اللجنة التي بحثت وضع الأحزاب وتنمية الحياة السياسية، بتعديل قانون الانتخاب الجديد كشرط لا غنى عنه للتنمية الديمقراطية. واقترحت أن يكون لكل ناخب صوتان، صوت يقترع به لمرشح في دائرته الانتخابية، وصوت آخر يقترع به لصالح قائمة حزبية على مستوى المملكة، على أن يخصص ما يعادل 20% من مقاعد المجلس النيابي والتي يتعين أن تضاف إلى المقاعد الحالية، للتنافس عليها وفق نظام القائمة النسبية. وسوف يكون صعبا على أي حكومة قادمة بعد الانتخابات يونيو/حزيران- يوليو/ تموز 2003 أن تتجاهل هذا المطلب المشروع.
ـــــــــــــــ
* كاتب وباحث أردني

المصادر
1- الإطار القانوني للبناء الديمقراطي في الأردن، إعداد هاني الحوراني، حسين أبو رمان، أيمن ياسين، دار سندباد للنشر، عمّان 2000.
2- تشريعات الانتخاب حجر الأساس في النظام الديمقراطي (أعمال ندوة)، حسين أبو رمّان (محرر)، مركز الأردن الجديد للدراسات، عمّان 1990.