بقلم/ علي نصار

المواجهة الدائرة بين إيران والولايات المتحدة حول المشروع النووي توحي بأن الجمهورية الإسلامية قد أصبحت في "عين الإعصار" السياسي/ العسكري، الذي أطلقته واشنطن بعد حوادث 11 سبتمبر/ أيلول 2001، وما انفك يضرب دولا إسلامية أو عربية غزوا واحتلالا.
لكن مصادر شيعية لبنانية ترى أن هذه المواجهة "الخارجية" ليست العنصر الحاسم في تحديد مصير النظام الإسلامي.

ولكي تسند رأيها في أن إدارة السياسة الخارجية للجمهورية الإسلامية تتحلى بـ"الحكمة الفارسية" البعيدة عن المغامرات الحمقاء، تشير هذه المصادر إلى ما ورد في صحيفة "الأوبزرفر" البريطانية في الأسبوع الماضي عن مفاوضات سرية بين طهران وواشنطن بشأن المشروع النووي الإيراني.

وتقول هذه المصادر المعنية بالشأن الإيراني إن احتلال أفغانستان وتصنيف إيران ضمن محور الشر المعادي للولايات المتحدة ثم احتلال العراق، قد وضع الجمهورية الإسلامية الإيرانية وسط منعطف خطير فعلا. لكن التحولات "الداخلية"، وتحديدا دينامية التفاعل بين المكونات السياسية والدينية للنظام الإسلامي تبقى العنصر الحاسم في تحديد وجهة تطور النظام الاجتماعي/ السياسي للجمهورية.

تكثف التفاعل الداخلي
التجاذب بين الداخل والخارج
العلاقات بين المحافظين والإصلاحيين

تكثف التفاعل الداخلي


يتكثف تفاعل الخطاب الإسلامي لمراكز القوى في إيران في مسألة الصراع على السلطة

إن "الخطاب الإسلامي" الذي تعتمده جميع مراكز قوى النظام لا يتعارض مع كون التفاعل بين هاتيك المكونات، "يتكثف" في مسألة الصراع على السلطة بين تياري النظام الرئيسيين: الإصلاحيين الذين يطالبون بزيادة صلاحيات السيد محمد خاتمي رئيس الجمهورية "المنتخب" من الشعب، والمحافظين الذين يصرون على حماية صلاحيات "الولي الفقيه" وهو السيد علي خامنئي "المعين" من جانب "مجلس الخبراء".

وفي إطار الصراع بين أنصار الرئيس "المنتخب" وأنصار المرشد "المعين"، تذكر هذه المصادر أن "الإصلاحيين" الذين تولوا الحكم طيلة السنوات العشر الأولى من عمر النظام الإسلامي، قد جعلوا مفاتيح السلطة في أيديهم آنذاك، وأبعدوا "المحافظين" عن مراكز القرار في الدولة.

وتوضح هذه المصادر أن تيار الرئيس المنتخب، وهو جزء من النظام الإسلامي بالطبع، يريد "تعديل أسس النظام كليا أو جزئيا"، من خلال "فصل المرجعية الدينية عن السلطة السياسية". بيد أن هذا التيار الإصلاحي منقسم حول هدفه بين اتجاهين رئيسيين:

  • الأول يريد إضعاف قبضة الحوزة الدينية على النظام والسلطة، من خلال تقليص سلطات الولي الفقيه، الذي يمسك بأزمّة النظام ومفاتيح السلطة. ومن رموز هذا الاتجاه -مثلا- هناك نائب الرئيس أبطحي ورئيس البرلمان كروبي ومحتشمي وحجاريان وآخرون.
  • الثاني يريد إزالة منصب الولي الفقيه من مركز السلطة في الدولة، وهو يجاهر في إبداء رفضه لمبدأ ولاية الفقيه، الذي يشكل محور التوازن في النظام الإسلامي الإيراني. ومن الرموز الفكرية في هذا الاتجاه: سروش وكديفار وجزء من المثقفين والمفكرين، ناهيك عن بعض السياسيين الذين تقلبوا بين صفوف التيارين.

ويضم التيار الإصلاحي اتجاهات علمانية ومدنية تقف خلف الرئيس من أجل محاربة فساد الأجهزة العامة والبيروقراطية، كما تعمل على تطبيق الدستور. وهذه الاتجاهات مخلصة أيضا للنظام الإسلامي. ويجمع الإصلاحيون بجميع أطيافهم المؤتلفة حول السيد خاتمي على أن الأمة هي مصدر السلطات.

التجاذب بين الداخل والخارج


إن تيار الولي الفقيه السيد خامنئي، يملك رؤية دولتية في المجالين الداخلي والخارجي تميزه عن تيار الإصلاحيين

أما في موضوع السياسة الخارجية فإن الإصلاحيين قد يفترقون بصورة جذرية في عدد من المسائل المتصلة بالعلاقة مع الولايات المتحدة، والموقف من الكيان الصهيوني ودعم المقاومة الفلسطينية، إذ يحمل بعض الإصلاحيين رؤية مستقلة أشد وفاء لقيم الثورة الإسلامية بشأن العلاقة مع الولايات المتحدة والصراع ضد الصهيونية والكيان العنصري في فلسطين المحتلة. ومن بين هؤلاء مثلا هناك السيد محتشمي الذي يقوم بنشاط واسع لنصرة الفلسطينيين.

لكن الاتجاه الغالب على رؤية التيار الإصلاحي بشأن قضايا السياسة الخارجية يتسم بطابع قومي/ليبرالي، يشدد على مبلغ المنافع العملية التي يمكن أن تعود على إيران، ويعبر عن هذا الاتجاه رموز سياسية/فكرية من أمثال محمود سريع القلم وأبطحي نائب الرئيس.

وقد صرح سريع القلم عندما زار بيروت في الفترة الأخيرة بأن "إيران تضررت من دعم القضية الفلسطينية". كما أن المجلة التي يشرف على إصدارها بالعربية من بيروت حملت في إصدارها الذي نشر بعد احتلال العراق، دعوة إلى "التوجه نحو التنمية الداخلية".

آية الله علي خامنئي
وتوضح هذه المصادر المتابعة للشؤون الإيرانية أن تيار الولي الفقيه السيد خامنئي يملك رؤية دولتية في المجالين الداخلي والخارجي تميزه عن تيار الإصلاحيين. ويلقي تيار السيد خامنئي بمسؤولية الفساد الإداري في أجهزة الدولة على الإصلاحيين الذين حكموا الدولة في السنوات العشر الأولى من عمر النظام الإسلامي، حينما توقفت المحاسبة والمساءلة داخل الإدارة العامة بذريعة حالة الحرب مع العراق. لكن تيار المحافظين منقسم بدوره بين اتجاهين رئيسيين :

  • الأول متشدد منغلق يرى الشعب مجرد جمهور ليس له قيمة ولا بد من فرض التوجيه والإرشاد عليه، وهذا التيار الذي يشجع ممارسة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بطريقة متخلفة أو ساذجة، ويسبغ طابع القداسة على مبدأ ولاية الفقيه وعلى منصب الولي الفقيه الذي لا يعدو كونه منصبا سياسيا في حقيقة الأمر.
  • الثاني اتجاه دولتي يعترف بضرورة الإصلاح في مؤسسات الدولة وكذلك في الحوزة الدينية، والمرشد السيد خامنئي هو من دعاة إصلاح الحوزة، كما أن تيار خامنئي يضم رموزا إصلاحية بارزة مثل الشيخ رفسنجاني ومهاجراني ومعظم رموز حركة "كوادر البناء". وهذا التيار أطلق دعوته الإصلاحية قبل وصول الرئيس خاتمي إلى الحكم.

وتعترف هذه المصادر بأن السيد خامنئي يواجه قيودا من جانب بعض المراجع الكبار في الحوزة الذين يؤلفون حصن المحافظة في النظام الإسلامي، إذ لا يستطيع المرشد خامنئي تجاوز السلطة المادية والمعنوية التي يملكها هؤلاء إلا من خلال إصلاح واسع في الحوزة يشمل البرامج والمناهج ويضعف التقليد، وتجمع كل اتجاهات التيار المحافظ على عدم المساس بمبدأ ومنصب ولاية الفقيه، بوصفه عماد النظام ومركز الثقل في توازنه الشرعي والسياسي.

وتقول مصادر شيعية وثيقة الصلة مع إيران إن "أدوات" و"خطاب" المعركة السياسية الناشبة بين تيار الرئيس "المنتخب" وتيار المرشد "المعين"، أبرزت حجم الديمقراطية المتوفرة في ظل النظام الإسلامي، ومنذ بداية هذه المعركة انحصر البرنامج السياسي الإصلاحي ضمن ثلاثة أهداف أساسية:

  • تعزيز الحريات الداخلية
  • تقييد صلاحيات الولي الفقيه
  • إعادة العلاقة مع الأميركان

ومن الملاحظ أن ثمة ترابطا بين هذه الأهداف، يتوخى تعديل السياسة الداخلية وتغيير السياسة الخارجية للحكومة والدولة الإسلامية، على نحو متلائم يجعل العامل الخارجي (الدولي) نشطا وفاعلا في المجال السياسي الداخلي (القومي).


العلاقات بين المحافظين والإصلاحيين


تريد الولايات المتحدة تحطيم النزعة القومية المستقلة التي تميز نهج الحكومة الإسلامية في إيران حين أثارت موضوع التسلح النووي

تلفت المصادر المتابعة للشأن الإيراني إلى أن جميع المراقبين كانوا قد لاحظوا أن تصريحات الرئيس خاتمي إلى محطة CNN في العام 1997، حيث أسف على احتجاز رهائن السفارة وأسقط شعار الموت لأميركا قد اجتذبت موجة من الاهتمام الأميركي، ثم ما لبث ذلك الاهتمام أن تحول إلى رهان جدي على دور التيار الإصلاحي في إسقاط النظام الإسلامي الإيراني من الداخل، بحيث يتكرر "سيناريو" انهيار الدول الاشتراكية.

وخلال الولاية الرئاسية الأولى للسيد خاتمي حاول الإصلاحيون أن ينفذوا برنامجهم من خلال استخدام القوة المعنوية والسياسية التي حققوها في الانتخابات الرئاسية.

وهذا "التكتيك" الذي وضع الكتلة الشعبية في مواجهة مؤسسات النظام بلغ ذروته الخطرة في الأحداث الدامية التي وقعت في حرم جامعة طهران عام 1999. وعقب هذه الأحداث قدم السيد خامنئي تقييما سياسيا موثقا بالوقائع والأدلة على قيام قوى داخلية تحظى بمؤازرة خارجية خصوصا من الأميركيين بمحاولة التخلص من النظام الإسلامي تحت شعار الإصلاح، وكانت أحداث جامعة طهران خاتمة مرحلة في المعركة السياسية بين تياري الرئيس خاتمي والمرشد خامنئي.

وقد اقتنع الإصلاحيون أن "التكتيك" الذي اعتمدوه في هذه المرحلة قد أخفق إخفاقا كبيرا من ناحية، لأن التيار المحافظ قد أدرك فائدة استخدام القضاء والقانون وأجهزة حماية النظام العام بعيدا عن الأساليب الشعبوية الرثة. ومن ناحية أخرى لأن الإصلاحيين قد تبينوا أن تصويت 20 مليون مواطن تأييدا لانتخاب الرئيس خاتمي لن يعني بحال من الأحوال استعدادهم التلقائي للنفير في الشارع ضد أجهزة النظام ومؤسساته.

محمد خاتمي
ومع بدء الولاية الثانية للرئيس خاتمي في العام 2000 دخلت المعركة بين الإصلاحيين والمحافظين مرحلة جديدة، فقد أصبح تيار الرئيس أكثر عقلانية في سعيه خلف أهدافه، إذ تم التخلي عن هدف إضعاف المرشد مقابل التشديد على زيادة صلاحيات الرئيس وتقليص صلاحيات "مجلس صيانة الدستور" الذي يبت عادة في مدى "إسلامية" المرشحين إلى عضوية البرلمان.

ومن المعلوم أن تعدد مراكز النظام والسلطة معا كما هو حاصل في النظام الإسلامي الإيراني (مجلس الخبراء، مجلس تشخيص مصلحة النظام، مجلس صيانة الدستور، الحكومة، الرئيس، الولي الفقيه) يقلل احتمال تفشي الاستبداد السياسي.

وحسب المصادر الشيعية نفسها فإن الإصرار على تغيير السياسة الخارجية وإعادة العلاقة مع الولايات المتحدة ظل في هذه المرحلة هدفا ثابتا للتيار الإصلاحي، وقد شجع وجود الاحتلال الأميركي في أفغانستان والعراق الأصوات الإصلاحية المنادية بعودة العلاقات مع واشنطن، ويقول أحد رموز التيار الإصلاحي وهو محمود سريع القلم إن مصلحة إيران تكمن في العلاقات مع الدول القوية (أميركا، أوروبا) لا مع الدول الضعيفة (العربية والإسلامية)، وثمة في التيار الإصلاحي من يرى في هذه العلاقة عاملا يعزز فرص الإصلاحيين في المعركة ضد المحافظين، كما أن الولايات المتحدة لم تخف تحبيذها لمن هو "منتخب" ضد من هو "معين".

لكن اشتداد الضغوط الأميركية الحالية بشأن المشروع النووي بعد احتلال أفغانستان والعراق والتهديدات ضد سوريا والدعم الأميركي للعدوان الصهيوني ضد الشعب الفلسطيني قد وجه صفعة إلى "جماعة الخط الأميركي" في التيار الإصلاحي في إيران، لا سيما وأن هذه "الجماعة" كانت راهنت على أن يتحول "التقاطع" الإيراني- الأميركي بشأن أفغانستان/ طالبان إلى "اتفاق دائم"، لكن آمال الإصلاحيين قد خابت بعدما رفض الأميركيون دفع ثمن ذلك "التقاطع"، ثم تبخرت تلك الآمال مع إعلان الرئيس بوش وضع إيران ضمن مجموعة دول "محور الشر".

وتضيف هذه المصادر أن التحدي الداخلي يمثل مصدر التهديد الرئيسي لاستقرار النظام الإسلامي في إيران، وتكمن عوامل هذا التحدي في موقف الجيل الجديد من الشباب الإيرانيين من قيم الثورة والجمهورية الإسلامية، فهذا الجيل يتعرض لعدد العوامل التي تجعله ضعيف الارتباط مع الثورة، ورغم أهمية التأثير الإعلامي الخارجي إلا أن الأزمة الاقتصادية تشكل العامل الحاسم في تحديد نظرة وموقف هذا الجيل حيال النظام الإسلامي، وتؤدي هذه الأزمة إلى نتائج اجتماعية خطيرة من بينها البطالة وتأخر سن الزواج والفقر والبغاء (400 ألف بغي تعملن في طهران)، وأخيرا ... المخدرات.

وتذكر هذه المصادر بأن الولايات المتحدة تريد تحطيم النزعة القومية المستقلة التي تميز نهج الحكومة الإسلامية في إيران، وقد اثارت حكومة بوش موضوع التسلح النووي من أجل محاصرة الدور الإيراني في العراق وتمويه نفاقها عن وجود أسلحة دمار شامل عراقية، وتستبعد هذه المصادر "اكتمال" المصالحة المصرية-الإيرانية في الظروف الراهنة. وتقول إن العلاقة مع تركيا كانت أفضل في ظل حكومة أربكان وإن حزب العدالة والتنمية ليس لديه طموح إقليمي مستقل، وقد نفذ اتفاق بيع الماء للكيان الصهيوني ويتهيأ لتنفيذ مطلب الولايات المتحدة بالمشاركة في احتلال العراق.

وتخلص هذه المصادر إلى أن "تجربة" و"تركيبة" التيار الإصلاحي تؤكد افتقاره إلى مشروع حقيقي، أما التحدي الداخلي الذي يمثل أمام النظام الإسلامي فالإصلاح لا بد أن يطال الخطاب السياسي، الإدارة، الاقتصاد، ومعالجة سائر عوامل الأزمة الاجتماعية/ الاقتصادية. ومصير النظام الإسلامي بطبيعة هذه المعالجة؟.
_______________
* كاتب لبناني