فلسطينية في تظاهرة بغزة ترفع لافتة مصممة على هيئة مفتاح مكتوب عليه حتما سنعود في الذكرى 59 للنكبة
حسن نافعه

نشأت الحركة الوطنية الفلسطينية وتطورت تحت تأثير عاملين رئيسيين:

الأول: تحولات كيفية طرأت على المجتمع الفلسطيني بسبب تعرض شعبه لسلسلة من النكبات أدت إلى تشتته وانقسامه إلى جماعات عاشت وتعيش تحت ظروف متباينة.

فقسم من هذا الشعب يعيش كمواطنين إسرائيليين تعمل الحكومة الإسرائيلية على دمجهم بطريقتها وطمس هويتهم الفلسطينية (عرب 1948) وقسم ثان أصبح جزءا من المملكة الأردنية الهاشمية عقب اندماج إمارة شرق الاردن مع الضفة الغربية (سكان الضفة الغربية حتى 1967) وقسم ثالث خضع لسلطة الإدارة المصرية (سكان قطاع غزة حتى 1967) وقسم رابع خضع لسلطة الاحتلال الإسرائيلي ثم لسلطة وطنية تحت الاحتلال أو تحت الحصار (سكان الضفة الغربية وقطاع غزة بعد 1967) وقسم خامس يعيش في الشتات لاجئا أو منفيا داخل أو خارج مخيمات كبيرة أو صغيرة.


الثاني:
اتساع نطاق تدويل القضية الفلسطينية على نحو متزايد إما بسبب طبيعة الصراع الدائر حولها أو بسبب النتائج المترتبة على تحولاتها المستمرة.

فلسطيني من لاجئي عام 1948
فالمشروع الذي استهدف إقامة دولة يهودية في فلسطين أفرزته حركة صهيونية هي بحكم تكوينها عالمية, وتبنته بريطانيا وساعدته إلى أن مكنته (وعد بلفور1917) ثم عصبة الأمم (صك الانتداب 1922) ثم الأمم المتحدة (قرار التقسيم 1947).

وحين تم إعلان قيام الدولة الإسرائيلية من جانب واحد (مايو 1948) اعترف بها على الفور كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي.

على الجانب الآخر من المعادلة لم يقتصر الصراع -ولأسباب عديدة وطنية وقومية ودينية- على الشعب الفلسطيني، وإنما امتد ليشمل دولا عربية وإسلامية يتسع نطاقها باستمرار.

وهكذا تضافرت عوامل مختلفة ومتشابكة لتجعل من قضية الشعب الفلسطيني قضية دولية بامتياز.

وقد نشأت الحركة الوطنية الفلسطينية وتطورت في سياق عملية تفاعلية بين شعب فلسطيني مشتت، وبيئة إقليمية محيطة استحال الفصل فيها بين الداخل والخارج أو بين ما هو فلسطيني محلي وما هو عربي إقليمي.

لذلك لم يكن غريبا أن يصبح الانقسام سمة دائمة من سمات الحركة الوطنية الفلسطينية في جميع مراحلها, وأن يتجلى في شكل ثنائيات:

فهناك بعد عشائري وآخر وطني, وبعد ديني وآخر علماني, وبعد أيديولوجي وآخر براجماتي..إلخ.

"
نشأت الحركة الوطنية الفلسطينية وتطورت في سياق عملية تفاعلية بين شعب فلسطيني مشتت وبيئة إقليمية محيطة استحال الفصل فيها بين الداخل والخارج أو بين ما هو فلسطيني محلي وما هو عربي إقليمي
"
وكانت الحركة الوطنية الفلسطينية قد شهدت في مرحة النشأة والتكوين استقطابا ذا صبغة عشائرية بين فريقين أحدهما (نشاشيبي) الهوى والآخر (حسيني) وعقب "نكبة 48" اتخذ الاستقطاب منحى آخر بين فريقين أحدهما يسعى لاستقلال الحركة الوطنية الفلسطينية والآخر يقبل بالوصاية العربية عليها كأمر واقع.

وفي مرحلة المد القومي تمحور الاستقطاب حول أساليب العمل النضالي بين فريقين أحدهما يرفع شعار الكفاح المسلح والآخر يرجح كفة العمل الدبلوماسي.

وأيا كان الأمر, فقد ظل الصراع بين الفصائل الفلسطينية المختلفة والتي تغيرت مسمياتها وأوزانها النسبية وعلاقاتها العربية والإقليمية من مرحلة لأخرى, محتدما حتى بعد الاتفاق على إطار مؤسسي جامع يضم كافة الفصائل الرئيسية في منظمة التحرير الفلسطينية.

في سياق كهذا لم يكن غريبا أن تنتقل صلاحية تمثيل الشعب الفلسطيني في المحافل الدولية من "المؤتمر العربي" إلى "اللجنة العربية العيا" إلى "الهيئة العربية العليا" إلى "حكومة عموم فلسطين" قبل أن تؤول في نهاية المطاف إلى "منظمة التحرير الفلسطينية".

واقع أفرز انقسامات
ورغم اهتمام جامعة الدول العربية بالقضية الفلسطينية منذ اللحظة الأولى, وهو الاهتمام الذي جسده تضمين ميثاق الجامعة ملحقا خاصا بفلسطين, ومشاركة ممثل عن فلسطين في مداولات الجامعة, وقرار الدول الأعضاء خوض حرب جماعية للحيلولة دون قيام إسرائيل كدولة يهودية مستقلة, إلا أنه ما لبث أن تبين أن الدول العربية ليست متفقة في الواقع حول سبل إدارة الصراع مع إسرائيل أو على من يمثل فلسطين في المحافل الدولية, خصوصا بعد أن أقدم الأردن على ضم الضفة الغربية ودمجها في مملكة هاشمية وقيام مصر بوضع قطاع غزة تحت سلطتها الإدارية.

وقد ظل هذا الانقسام قائما حتى بعد قيام منظمة التحرير الفلسطينية بقرار من القمة العربية منتصف الستينيات، وأيضا بعد الاعتراف بهذه المنظمة ممثلا شرعيا وحيدا للشعب الفلسطيني منتصف السبعينيات.

ووصل هذا الانقسام حدا دفع ببعض الدول العربية إلى تشكيل فصائل فلسطينية تنطق باسمها وتعبر عن سياستها (سوريا "الصاعقة" أو العراق "جبهة التحرير العربية").

وفي ظل هذه الانقسامات العميقة, تعذر على منظمة التحرير الفلسطينية إرساء تقاليد مؤسسية لإدارة الشأن الفلسطيني مما دفع الفصائل الفلسطينية الأكثر التصاقا بطموحات الشعب الفلسطيني إلى تحدي سلطتها، والتطلع للسيطرة عليها من داخلها أو الوصاية عليها من خارجها.

ومن المفارقات أن رؤية حماس اليوم لمنظمة التحرير الفلسطيمية وموقفها منها لا يكاد يختلف كثيرا عن رؤية فتح بالأمس لهذه المنظمة، وعن موقفها منها.

"
ظل الصراع بين الفصائل الفلسطينية المختلفة التي تغيرت مسمياتها وأوزانها النسبية وعلاقاتها العربية والإقليمية من مرحلة لأخرى, محتدما حتى بعد الاتفاق على إطار مؤسسي جامع يضم كافة الفصائل الرئيسية في منظمة التحرير الفلسطينية
"
فعندما نشأت فتح كانت تتبنى رؤية تقوم على محورين رئيسيين, الأول: أن الكفاح المسلح هو السبيل الوحيد لتحرير فلسطين من البحر إلى النهر, والثاني: أن استقلالية القرار الفلسطيني هو شرط ضروري لاستمرارية حركة التحرر الوطني الفلسطيني وتمكينها من تحقيق كامل أهدافها.

لذلك فحين قررت فتح بدء انطلاق الكفاح المسلح أول يناير 1965, لم تشعر بارتياح تجاه قرار القمة العربية إعلان قيام منظمة التحرير الفلسطينية، وخشيت أن تتحول إلى أداة لهيمنة الأنظمة العربية على الساحة الفلسطينية وعلى القرار الفلسطيني.

من هنا جاء قرار فتح بالبقاء بعيدا على هامش المنظمة، ورفض الاندماج فيها والاكتفاء بوجود رمزي في المجلس الوطني كي تبقى على صلة بما يجري على الساحة الفلسطينية.

من الهامش لموقع القلب
لكن عندما تغيرت موازين القوى الإقليمية على الساحة العربية لغير صالح الأنظمة الرسمية بعد هزيمة 1967، سنحت أمام فتح فرصة للانتقال من الهامش إلى موقع القلب وتولي قيادة منظمة التحرير بنفسها وفق إستراتيجتها هي أي استراتيجية الكفاح المسلح.!

وقد حدث شيء قريب من ذلك لحماس بعد ما يقرب من عشرين عاما. فعندما بدأ اسم حماس يتردد للمرة الأولى مع انطلاقة الانتفاضة الفلسطينية عام 1987 كانت منظمة التحرير الفلسطينية بقيادة فتح قد بدأت تترهل وتصبح جزءا من نظام رسمي عربي عاجز عن استخلاص الحقوق الفلسطينية. ولذلك رفضت حماس الانضمام إلى المنظمة وقررت البقاء خارجها.

وإذا كانت التطورات الإقليمية والدولية قد فرضت عليها أن تقترب من "السلطة" قبل أن تستكمل هدف التحرير، فقد تم ذلك عبر ملابسات وآليات أخرى كثيرة ومتعددة.
_______________
أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة والأمين العام لمنتدى الفكر العربي بعمان.