عبد الستار جواد

لا شك أن الظروف التي أعقبت سقوط نظام صدام في أبريل/ نيسان 2003 كانت من الصعوبة والتشابك بحيث ألقت بظلالها الواضحة على الجوانب المختلفة للحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية في عراق عانى أصلاً من عزلة عربية ودولية وحصار قاسٍ لسنوات طويلة، الأمر الذي زاد من حدة التداعيات التي خلفها الاحتلال الأميركي والتركة الثقيلة التي ورثها العراقيون من جراء إخفاقات النظام السابق.

إن الحديث عن الحكومة الانتقالية في العراق يقتضي بالضرورة الوقوف عند الإشكالات الصعبة التي رافقت عملية تشكيل مجلس الحكم الانتقالي بقرار صاغته الإدارة الأميركية وحلفاؤها الأساسيون بريطانيا وإسبانيا.

لقد انعكست ولادة مجلس الحكم الانتقالي القيصرية على تشكيل الحكومة الانتقالية ذاتها، فكانت المعوقات والشكوك والاتهامات ذاتها.

فمن المعروف لدى الجميع أن سقوط النظام السابق بشكل سريع وغير متوقع قد فاجأ الإدارة الأميركية وقوات التحالف التي دخلت العراق بهدف أساسي يتقدم كل الأهداف وهو إسقاط نظام صدام حسين بأي ثمن وبشتى الذرائع والوسائل، فلم يكن لدى سلطة التحالف خطط مدروسة ومعدة لمرحلة ما بعد صدام، الأمر الذي نجم عنه حالة من غياب الأمن والنظام والقانون وشيوع الفوضى والجريمة خاصة بعد حل الجيش العراقي وأجهزة الشرطة والأمن.


انعكست ولادة مجلس الحكم القيصرية على تشكيل الحكومة الانتقالية، فكانت المعوقات والاتهامات التي وجهت للمجلس هي ذاتها التي توجه للحكومة
من هنا تصاعدت الأصوات الداعية إلى إعطاء العراقيين دوراً أكبر في إدارة شؤونهم الأساسية التي تشمل إعادة الخدمات العامة وتحقيق الاستقرار ومخاطبة الشارع العراقي الذي تناهبته الشائعات والدعايات.

حتى هذه اللحظة كانت سلطة الائتلاف المؤقتة (CPA) هي التي تتولى إدارة البلاد، يعاونها في ذلك بعض المستشارين العراقيين الذين جاؤوا مع القوات الغازية.

مجلس الحكم
اشتدت الدعوة إلى ضرورة تشكيل حكومة عراقية أدرى من سواها بطبيعة الأوضاع ومشاكل العراقيين، وكانت الإدارة الأميركية مترددة تماماً في ذلك لصعوبة معرفتها بالكفاءات والقدرات اللازمة للإمساك بزمام الأمور، ولذلك كانت التسمية المطروحة هي "هيئة استشارية" لسلطة التحالف. ولكن ازدياد حوادث العنف وانفلات الأمن حدا بالإدارة الأميركية في واشنطن إلى تعزيز دور هذه الهيئة الاستشارية وتغيير اسمها إلى "مجلس الحكم الانتقالي" وإعطائه دوراً محدوداً في الإدارة وتقديم الاستشارة، على أن يكون الحاكم الأميركي بول بريمر هو الفيصل الحكم والقائد الفعلي للبلاد.

بالطبع شكل مجلس الحكم الانتقالي على أسس طائفية وإثنية وبطريقة التعيين المباشر مما سبب لأعضاء المجلس حرجاً كبيراً لدى الشارع العراقي ولدى الدول العربية والأجنبية التي ترددت كثيراً في التعامل مع مجلس لا يمثل العراقيين تمثيلاً ديمقراطياً سليماً.

ومنذ تلك اللحظة واجه المجتمع العراقي والدولي المجلس بشتى الشكوك والاتهامات، حتى برزت الدعوة إلى تشكيل حكومة عراقية مؤقتة تحظى بقدر محدود من الشرعية وتهيئ البلاد لمرحلة قادمة يوضع فيها الدستور وتعاد السيادة للعراقيين بالتدريج.

وكان المراقبون يأملون أن يتجاوز تشكيل الحكومة الأخطاء السابقة في تشكيل مجلس الحكم، ولكن هذه الحكومة هي الأخرى جاءت لتكريس الطائفية وقرب العلاقة أو بعدها من سلطة التحالف، لذلك عانت من عدة صعوبات يمكن إجمالها في النقاط الآتية:

  1. أنها حكومة معينة وغير منتخبة.
  2. أنها حكومة تمثل الأحزاب والمليشيات المشاركة في مجلس الحكم.
  3. إبقاء الحل والعقد واتخاذ القرارات بيد سلطة التحالف المتمثلة في الحاكم الأميركي ومعاونيه.
  4. وجود عدد من المستشارين في كل وزارة يسيرون الأمور ويصدرون القرارات، ومنصب الوزير شكلي أو رمزي.
  5. عدم وجود قوانين وسلطة قانون تمكن الوزراء من أداء مهماتهم بنجاح نسبي في هذه المرحلة الصعبة.
  6. كثرة الاتهامات الموجهة لأعضاء هذه الحكومة سواء فيما يخص نزاهتهم أو انتماءاتهم السابقة ونزعاتهم الطائفية.
  7. تدخل سلطة التحالف في القوانين والأنظمة والقواعد الإدارية التي أفقدت الوزارات تأثيرها في المواطن العادي.
  8. وجود معوقات لا حصر لها تحول دون قيام الوزارات بدور مؤثر في الحياة العامة، منها:
  • التدمير الكبير الذي أصاب البنية التحتية وبنايات الوزارات.
  • عدم وجود ميزانية محددة لإعادة الإعمار.
  • عدم توفر مقرات بديلة لعمل الوزارات.
  • انعدام الأمن والاستقرار.
  • عدم توفر الكادر البشري الجديد المؤهل للمهمات الجديدة نتيجة لإلغاء بعض الوزارات وتسريح عدد كبير من أصحاب المؤهلات.

الواقع والرؤية المستقبلية


رغم كل المعوقات فقد سعت الحكومة الانتقالية المؤقتة إلى تسيير الأمور بشكل نسبي يلبي بعض الحاجات الأساسية جداً في حياة العراقيين، وهي بذلك قد خطت خطوات على الطريق الصحيح
رغم كل هذه المعوقات فقد سعت الحكومة الانتقالية المؤقتة إلى تسيير الأمور بشكل نسبي يلبي بعض الحاجات الأساسية جداً في حياة العراقيين، حيث عملت على استئناف أعمالها بشكل متواضع وبإمكانات محدودة، يعاونها في ذلك عدد من المستشارين من سلطة التحالف يضعون الخطط ويتولون أوجه الصرف وتحديد المرتبات.

يمكن القول إن الحكومة الانتقالية خطت إلى الأمام بعض الخطوات على الطريق الصحيح، على أمل أن تتسارع الخطى في المستقبل القريب. وقد أنشئت في سبيل ذلك وزارات عديدة، لكن نظرة عجلى على أسمائها ربما توحي بأن هناك عودة جدية لتأسيس نظام حكم عراقي متكامل، ولكن في الواقع تفتقر الحكومة الانتقالية إلى الموارد الكافية والمستلزمات الأساسية من أبنية وكوادر ومعدات وحالة استقرار أمني يجعلها قادرة على التحرك سواء في الداخل أو في الخارج للقيام بدورها في توفير الخدمات العامة للشعب العراقي.

الإشكالات الحالية
تعاني الحكومة الانتقالية اليوم من تحديات كبيرة تتمثل أبرزها في النقاط الآتية:

  1. وضع قوانين جديدة تناسب المرحلة الحالية ووجود سلطة تشريعية مؤهلة لإجازة القوانين.
  2. تهيئة مستلزمات التحول نحو الديمقراطية وما يقتضيه ذلك من لوائح انتخابية وإحصاء سكاني ومراكز انتخابية مناسبة.
  3. تهيئة مستلزمات تشكيل جمعية وطنية أو مجلس تشريعي يمثل أطياف الشعب العراقي تمثيلاً سليما.
  4. نيل اعتراف الشعب العراقي أولاً بها ثم قبول الدول العربية والأجنبية لها كممثل شرعي للعراقيين.
  5. الحصول على السيادة الكاملة من سلطة التحالف وهذا ما يبدو أمراً غير يسير الآن.
  6. التوفيق بين الاتجاهات السياسية والدينية والعرقية في عراق موحد ومستقل ويكون جزءاً حيوياً من أمته والمجتمع الدولي.
  7. اعتماد نظام برلماني ديمقراطي تكون الحكومة فيه مسؤولة أمام البرلمان.
  8. اعتماد الكفاءات والتخصص والخبرة معايير أساسية في تعيين المسؤولين في الدولة، وليس نظام الحصص المذهبية أو الحزبية أو العرقية.
  9. توفير أجواء مناسبة للمصالحة الوطنية وتوحيد صفوف الشعب العراقي لبناء مستقبله.
  10. الانفتاح على العالم بشكل هادف يغني التجربة العراقية.

______________
كاتب عراقي