التطور التاريخي لبنية المجتمع

صدمة 11 سبتمبر
أدلجة المجتمع

بقلم: مراد بطل الشيشاني

شكلت أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول منعطفاً مهماً بين مرحلتين من العلاقات الدولية، وأضفت أبعاداً جديدة على كافة المجتمعات في العالم حتى عد البعض الحدث "وستفاليا جديدة" أسست لأنماط جديدة من التفاعلات الدولية. وما إعلان الولايات المتحدة الحرب على "الإرهاب" بدءاً من أفغانستان إلا إرهاصا للسلوك السياسي المرتبط بذاك التحول.

وقد تركزت جل التحليلات الصحفية والأكاديمية في هذا السياق على تحليل أبعاد السياسة الخارجية الأميركية منذ ذلك التاريخ، ونادراً ما تم تحليل أثر تلك الأحداث في المجتمع الأميركي وبنيته إلا في إطار تقييد الحريات وإصدار قوانين جديدة لحماية "الأمن القومي الأميركي".

وتأتي هذه المحاولة –بعد مرور عام على الأحداث- سعياً لإثارة النقاش أولاً، ولطرح فرض أساسي يمكن الإسهام في تطويره ثانياً ويتلخص بتأثير الحادي عشر من سبتمبر/أيلول في الركائز الأساسية للمجتمع الأميركي كالطبقة الوسطى والهوية والسياسة Politics علها تفيد في إضاءة بعض الجوانب الملحة في فهم المجتمع الأميركي بما يمثله لقوة عظمى ترى في المنطقة العربية منطقة حيوية لمصالحها، فضلا عن أن العالم الإسلامي أضحى معنياً بالشأن الأميركي أكثر من ذي قبل منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول سواء بالداخل الأميركي أو بالعالم.

التطور التاريخي لبنية المجتمع الأميركي


المجتمع الأميركي يستند إلى الطبقة الوسطى كهوية حاضنة للفرد عبر سيادة القانون والمساواة، وتعد الطبقة ذاتها أساس السياسة والاجتماع فيه

عبر الرصد التاريخي لنشأة الدولة الأميركية على يد مجموعة من المهاجرين الذين استولوا على أراضي السكان الأصليين نجد أنها أسست من جانب "مبشرين" (كما ينظر الأميركيون اليوم إلى أسلافهم) وفدوا إلى تلك الأرض لنشر المسيحية، وأن دورهم كان نشر كلمة الله في العالم، بمعنى أنهم وبحكم التطور الاجتماعي التاريخي مشبعون –إلى اليوم- بحماسة لهذه الرسالة، الأمر الذي يعني وجود تصور ديني رسالي لدى الأميركيين عن هدفهم بنشر كلمة الله بتصور مسيحي غربي قد يفسر السعي لتعميم نمط الحياة الأميركية وما يعرف بالسلام الأميركي Pax-Americana.

يشير "توكفيل" (صاحب كتاب الديمقراطية في أميركا بأجزائه الأربعة) منذ القرن التاسع عشر إلى أن "الطهوريين" البروتستانت -وهم شديدو التشبث بمثلهم الدينية والأخلاقية- هم الذين أسسوا الولايات المتحدة بعد أن ذاقوا القمع والتهجير، وهو الأمر الذي يستندون إليه في الدفاع عن حقهم في الاستمتاع بملذات الحياة، وهو ما يتسق ومقوم الديمقراطية الأساسي الذي أصبح مقوما للحياة الأميركية بعدها وهي "الفردانية" Individualism التي يحميها القانون.

فقد أصبح "الأميركي لا يعول إلا على نفسه وعلى العقل المشاع ولا يعتمد على أيدولوجيا وفلسفة، همه الأكبر النجاح المادي وجمع المال والثروة"، الأمر الذي يبرز جلياً في طبيعة الاقتصاد الأميركي القائم على تلبية حاجة الفرد وتقديسه كما تدلل عليه صورة البطل الفرد في المنتجات الفلمية الهوليودية. وعليه فإن الرؤية الأميركية الدينية (الأصولية) تتميز بفرديتها كما تشير بعض الدراسات عن تغيير العقائد لدى الأميركيين لا بتيار أو بصيغة تنظيم جماعي.

وما سبق يعني أن المجتمع الأميركي يستند إلى رساليته (وهو ما ينعكس على سياستها الخارجية) وإلى الفردانية (التي تنظم شأن المجتمع الداخلي)، فنجد أن هذين المقومين تعبر عنهما في المجتمع الأميركي "الطبقة الوسطى" التي تعد حاضنة للفرد ومعبرة عن هويته في مجتمع متعدد الأعراق والثقافات، فتصيغ طبيعة النظام الاجتماعي المفتقر إلى حاضن اجتماعي أو عرقي أو ديني بل اقتصادي اجتماعي يتمثل بالطبقة الوسطى، فـ"الدولار" بذلك هو الطوطم المعبر عن الهوية الجمعية للأميركيين.

وكما أن الطبقة الوسطى معبرة عن هوية المجتمع فهي المكون الرئيسي للحكم والسلطة، فهي تعبير عن مصالح اقتصادية ونتاج التطور الصناعي في الغرب وبروز حق الملكية (القرنين السابع عشر والثامن عشر)، حيث إن الديمقراطية بشكلها الأثيني (نسبة إلى أثينا) القديم كانت تقوم على حق الجميع (ما عدا النساء) في إدارة شؤون الدولة عن طريق مؤتمر عام يضمهم كلهم. ومع تزايد الناس وصعوبة جمع كل أفراد الشعب في مؤتمر ما، برزت الديمقراطية النيابية بقيام مجموعة أشخاص بتمثيل مصالح فئات المجتمع الذي ينتخبهم. وقد ترسخ هذا المفهوم مع عصر التطور الصناعي وبروز الطبقة الوسطى التي أصبحت تحدد من يمثلها في صنع القرار السياسي بما يتماشى ومصالحها.

وتتضح مسألة النيابة في نظام الحكم في الولايات المتحدة فنجد أنها ترتكز على نظام الولايات بوجود مجموعات تسوس نفسها بنفسها عن طريق ممثلين (كما لاحظ توكفيل من قرنين)، وكما يلاحظ بالدور الفاعل لجماعات المصالح في عملية صنع القرار الأميركي، وكذلك الحال بالنسبة للأحزاب التي لم تكن عقائدية ولا هرمية بل عبارة عن آليات انتخاب، فلا يوجد زعيم للحزب الجمهوري أو الديمقراطي إلا بعد أن يصبح رئيساً بعد انتخابه من المؤتمر القومي للحزب استناداً إلى ائتلافات مصلحية ترجح كفة الشخص المؤهل لتمثيل مصالحها في الحكم بشكل يبرز تطبيق الديمقراطية النيابية.

وعليه نجد أن المجتمع الأميركي يستند إلى الطبقة الوسطى كهوية حاضنة للفرد عن طريق سيادة القانون والمساواة، وتعد الطبقة ذاتها أساس السياسة والاجتماع فيه، بمعنى أن الهوية الجمعية للمجتمع تستند إلى تلك الطبقة بحكم تعددية المجتمع عرقياً وثقافياً لغياب الشق الاجتماعي الموحد للهوية الأميركية أو ما يعرف بالعصبية وفق الفهم الخلدوني.

صدمة 11 سبتمبر/أيلول


أحداث 11 سبتمبر هزت المجتمع الأميركي مما دفع الفرد إلى البحث عن مؤسسة تحميه في مواجهة الخطر الذي برز منذ الأحداث، حيث لم تكفل الطبقة الوسطى وما تمثله من قانون له الحماية، فسعى بالتالي إلى الانغلاق على ذاته المزاوجة بين العرقية والدينية

كان لصدمة الحادي عشر من سبتمبر تأثير ببلورة بعض التحولات في المجتمع الأميركي، فبرزت نزعات عنصرية ضد المسلمين أو ذوي البشرة السمراء عموما، وتمثلت برش مساجد بدم خنزير، وإطلاق النار على المحال التجارية التي يملكها أو يعمل بها أفراد ذوي بشرة سمراء، وإرسال التهديدات عبر البريد الإلكتروني والبريد العادي تتوعد وتهدد المسلمين، وكيل الشتائم لهم، ومضايقة المحجبات.

وفي مقابل هذه النزعة العنصرية برز اتجاه في المجتمع الأميركي سعى إلى تبني وجهة نظر مختلفة لنزعة الحقد والكراهية تقوم على دعم المسلمين ومواساتهم و"تقديم الورود لهم" وتقديم الحماية المعنوية لأماكن عباداتهم. إلا أن وجهة النظر هذه هي تعبير عن توجه الدولة الأميركية للحفاظ على توازن المجتمع. وباعتبار أن الطبقة الوسطى هي الحافظ للمجتمع الأميركي المتعدد والمتنوع فإن النزعات العنصرية ستغيّب دورها الحاضن للفرد، الأمر الذي يجعل النزعات العنصرية تلك تشمل المجتمع كله من الآسيويين والهسبانك والمكسيكيين وغيرهم ممن يشكلون المجتمع الأميركي. فنجد أن من يمدح الإسلام ويشير إلى أن عداء الأميركيين موجه للإرهابيين لا للمسلمين هم أولئك الذين يمثلون الدولة، والرئيس الأميركي جورج بوش مثال على ذلك، أو كما يشير إمام المركز الثقافي الإسلامي في لوس أنجلوس إلى أن العنصريين في المجتمع الأميركي أقلية.

فأحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول هزت المجتمع الأميركي مما دفع الفرد إلى البحث عن مؤسسة تحميه في مواجهة الخطر الذي برز منذ الأحداث، حيث لم تكفل الطبقة الوسطى وما تمثله من قانون له الحماية، فسعى بالتالي إلى الانغلاق على ذاته المزاوجة بين العرقية والدينية.

فبعد الحادي عشر من سبتمبر/أيلول وكما تشير مجلة "نيوزويك" برز نزوع للعودة إلى "الأمة.. وروح متجددة من الوحدة"، وانتشار الأعلام الأميركية والأناشيد القومية بشكل يدل على بحث الفرد عن حام له.


المجتمع الأميركي مرشح لتزايد النزعات العنصرية ليس ضد المسلمين فحسب، بل وبروز تمايزات بين أفراد هذا المجتمع المتعدد والمتنوع بأعراقه وثقافاته رغم ما لهذا التنوع من فوائد في تعايش الثقافات وتلاقحها

ومن هنا برز دور الدولة في السعي إلى تصوير حربها على "الإرهاب" بأنه ليس ضد الإسلام، لتتفادى النزعات العنصرية التي قد تعصف بكل المجتمع. لكن النزوع العرقي هذا لم يأت كنتيجة مباشرة لأحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، بل إن الأحداث بلورت هذا النزوع وأضفت عليه صبغة سلوكية. فمنذ انهيار الاتحاد السوفياتي وبفعل عمليات الاقتصاد المفتوح وانتشار النمط الاستهلاكي على مستوى العالم (العولمة) وتحكم قوى السوق وهيمنتها على الإنسان وازدياد عدد المهمشين في الأرض، رصد المراقبون ظاهرة تزايد النزعات الأولية (القومية، العرقية، الدينية.. إلخ) وذلك كأطر تحمي الأفراد في مواجهة انتشار قيم السوق وبروز الخطر على هوية الإنسان. ولا أدل على ذلك مثل الصراعات العرقية الدينية التي تزايدت أو تجددت بنسب عالية منذ نهاية الثمانينيات.

وبذلك فإن الأميركي ورغم أنه صاحب الاتجاه العولمي في العالم يحتاج إلى إثبات ذاته وهويته في مقابل الهويات الأخرى المستندة إلى البعد الاجتماعي، وهو البعد الذي تفتقده الهوية الأميركية لصالح البعد الاقتصادي. وبذلك كانت أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول المتنفس لذلك.

كما أن الدولة الأميركية وإن سعت إلى حماية بنيانها الاجتماعي فإنها استخدمت لذلك معول هدم دون أن تدري، وذلك عن طريق الإجراءات الحمائية التي اتخذتها لمواجهة "الإرهاب" على المستوى الداخلي. فإن كان استناد الفردانية إلى الطبقة الوسطى وما تفرزه من قانون كما ذكرنا، فإن مقتضيات هذه الفردانية تتطلب حرية ذلك الفرد، وقد جاءت الإجراءات الأميركية متناقضة مع ذلك، الأمر الذي دفع البعض للإشارة إليها بأنها لا تختلف عن إجراءات دول العالم الثالث في "تقنين القمع والاعتداء على الحريات المدنية".

فقد هزت أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول المجتمع الغربي بل ونموذجه الديمقراطي كله عبر إعلان الولايات المتحدة الطوارئ وإصدار القوانين التي تتيح حق المراقبة والتنصت على كافة وسائل الاتصال بين الأفراد ومراقبة حساباتهم البنكية، وما إلى ذلك من قوانين جاءت في مرسوم الرئيس الأميركي جورج بوش والذي عرف بالمرسوم الوطني Patriot Act.

هذه الإجراءات ستهدم الشق المتعلق بالحرية للفردانية الأميركية كما ستهدم عولمتُها الهويةَ الأميركية. وبذلك فإن المجتمع الأميركي مرشح لتزايد النزعات العنصرية ليس ضد المسلمين فحسب بل وبروز التمايزات بين أفراد هذا المجتمع المتعدد والمتنوع بأعراقه وثقافاته رغم ما لهذا التنوع من فوائد في تعايش الثقافات وتلاقحها.

أدلجة المجتمع الأميركي


دفعت أحداث 11 سبتمبر إلى أدلجة المجتمع الأميركي على مستويين: البنية المجتمعية، والسلطة. لذا فإننا نجد مفردات الحروب الصليبية تطغى في الخطاب الأميركي

دفعت أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول -استناداً إلى ما سبق- إلى أدلجة المجتمع الأميركي على مستويين: البنية المجتمعية، والسلطة. فنجد مثلاً مفردات الحروب الصليبية تطغى في الخطاب الأميركي، ونرى أن القس الأميركي "فيليب بينهام" (يحمل شهادتي بكالوريوس في العلوم السياسية والعلاقات الدولية وماجستير في اللاهوت) يتابع من منابر الوعظ والشوارع "الحملة الصليبية ضد الشر لإنقاذ الولايات المتحدة… عن طريق كشف كذبة اسمها الإسلام"، ويعلن أن "يسوع هو الحل" وأن "النبي محمد ذبح الملايين منذ ظهوره مطلع القرن السابع"، والمفارقة أن هذا الخطاب يتقاطع وخطابات عقلانية وعلمانية أخرى في كواليس السلطة والإعلام الأميركي بإيراد مفردات الحروب الصليبية وتقسيم العالم إلى خير وشر، حضارة وبربرية إلخ.

فإعادة إنتاج مفردات الحروب الصليبية تعبير في الحالة الأميركية عن أدلجة المجتمع، بمعنى أن "زلة لسان" الرئيس الأميركي بوش عن الحرب على "الإرهاب" بأنها حرب صليبية لم تكن زلة لسان إلا عندما نبه إلى مدلولها في العالم الإسلامي كحرب دينية، فهي في الوجدان الغربي مثال للخدمة النزيهة ورمز لقضية نبيلة تستهدف بلوغ الخير الأسمى والسلام، وهو ما يفسر إطلاق اسم "الحرب العادلة" على الحملة ضد الإرهاب، بمعنى أن الرئيس الأميركي خاطب الشعب الأميركي بعد الحادي عشر من سبتمبر/أيلول بثقافتهم وما نشؤوا عليه من تعاليم دينية كانت أساساً لبناء دولتهم، وهذا يعني أنه يعيد إنتاج الخطاب الديني سعياً لتعبئة المجتمع في مواجهة ظروف الحادي عشر من سبتمبر/أيلول.

فالرئيس بوش متدين بطبعه، ويشير إلى دور زوجته "لورا" في تدينه وإلى فكرتها في المشاركة في صلاة نهاية الأسبوع الأول بعد الحادي عشر من سبتمبر/أيلول حيث قرأ سفرا من الإنجيل يقول "مع أن ضيفاً سيقاتل ضدي فإن قلبي لن يخشى، ومع أن الحرب ستقوم ضدي فإنني سأكون واثقاً"، كما أن الرئيس الأميركي وزوجته يجيبان عند سؤالهما عن دور الدين والإيمان في مثل هذه الظروف بأنهما يعنيان الكثير لهما حتى قبل الحادي عشر من سبتمبر/أيلول والرئيس يعد التهديدات مشيئة الله.

نجد مما سبق وبإعادة إنتاج الخطاب الديني بالشكل الذي ذكرناه أنه يأتي في سياق أدلجة المجتمع، وهو الأمر الذي تبرز خطورته في حالة المجتمع الأميركي المتعدد ثقافياً، فبحث المجتمع عن هوية جامعة تعبر عن التفكير الديني المحافظ وعن العرق الأبيض في مواجهة الآخر قد تعزز من الإشكاليات التمييزية في ذات المجتمع الأميركي.


المجتمع الأميركي يبحث عن هوية جامعة تعبر عن التفكير الديني المحافظ وعن العرق الأبيض في مواجهة الآخر، وهو أمر قد يعزز من الإشكاليات التمييزية

السلطة في الولايات المتحدة أُدلجت هي أيضاً وبشكل غير مباشر من جراء سعي الإدارة الأميركية إلى إبقاء التعبئة الجماهيرية في أعلى مستوياتها ليتاح لصانع القرار هامشاً واسعاً من الحرية، فقد أصبح أي نقد للحملة الأميركية على أفغانستان في المحافل العامة يعد من المحرمات، وهو ما بلور تياراً من المحافظين غدت أفكارهم البسيطة إطاراً مهماً في تعبئة الرأي العام الأميركي، وأضحى تياراً ثقافياً على الساحة الأميركية، حيث إن فوز بوش في الانتخابات الرئاسية أتاح للتيار اليميني المحافظ أن يفرض رؤاه وفلسفته السياسية بكل قوة فأضحى بوش معبراً عن هذا التيار في مقابل التيار الليبرالي الذي مثله "كلينتون" إبان حكمه.

كما أن التعبير عن أدلجة السلطة يبرز عن طريق إثبات الحس القومي كمعيار للتنافس في انتخابات الكونغرس وغيرها، وفي صراعات السلطة داخل الإدارة نفسها، فمثلاً وزير الخارجية الأميركي "كولن باول" يُنظر إليه كشخص معتدل في إدارة من الصقور، والمفارقة في أن هذا الفرز بين صقور وحمائم أو بين معتدلين ومتشددين يستند إلى اختلاف أيدولوجي إزاء دور الولايات المتحدة والنظرة إلى العالم لا إلى مجرد خلاف شخصي (شأن خلافات السلطة الأميركية تاريخياً)، فمثلاً في إطار الصراع العربي الإسرائيلي فإن تأييد اليمين الديني (المتحالف مع اللوبي الصهيوني) لإسرائيل يتجاوز مجرد الواجب الديني (وعد الرب اليهود بأرض إسرائيل وبقائها كشرط لعودة المسيح في نهاية العالم) إلى اقتناع هذا التيار بحق إسرائيل في أن تفعل بالسلطة الفلسطينية ما فعلته الولايات المتحدة بطالبان، أظهر إلى السطح الخلاف الأيدولوجي داخل الإدارة الأميركية، حيث إن نظرة بوش لقضية الشرق الأوسط -كما ظهرت في خطابه الشهير مؤخرا- بعدم إشارته إلى الدولة الفلسطينية أكدت وجهة نظر دائرة مقربة منه صاغت له خطابه ليناقض ما كان "كولن باول" يؤكده من ضرورة عقد مؤتمر دولي لبحث إقامة الدولة الفلسطينية، وهو الأمر الذي يعني أن السلطة ذاتها قد تتحول إلى نوع من السلطة المؤدلجة التي ترفع من حدة الظاهرة الصراعية بين أقطابها، فقد كان للتنافس الحاد بين "آل غور" و"بوش" في الانتخابات الرئاسية فرادة في التاريخ الأميركي حيث دفعت إلى مناوشات بين المؤيدين لكل طرف، وهو ما يؤكد فكرة البحث عن الانتماءات لدى الأميركيين، وبحث الفرد عن إطار حاضن له في ظل أن الأحزاب الأميركية الرسمية تتميز بلاأيدولوجيتها كما ذكرنا. خاصة إن أدركنا الدور الحاسم لليمينيين الدينيين في فوز بوش وبالتحديد دور "جيري فولويل" و"بات روبنسون" اللذين قادا حملة بوش ضد منافسه داخل الحزب الجمهوري "جان ماك كين" في الانتخابات الأولية، وهما من نجوم التبشير في القنوات التلفزيونية الأميركية، وهما ممن يرون أن ابتعاد المجتمع الأميركي عن الدين السبب في العقاب الإلهي بالحادي عشر من سبتمبر/أيلول.

الخاتمة
على ما سبق نجد أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول أثرت في المجتمع الأميركي على مستويين اجتماعي وسياسي، الأول عن طريق استفزازها للبحث عن هوية جمعية للشعب الأميركي تعبر عن انتماء أولي إما ديني أو عرقي، وذلك كبلورة لفعل عمليات العولمة وطغيان دكتاتورية السوق. وأما سياسياً فعبر أدلجة السلطة وفرز اتجاهات سياسية قد تزيد من حدة الصراع الذي تستند إليه السلطة الأميركية في صنع القرار لدرجة قد لا تتيح التسوية Compromise بين الأقطاب، كما يتم حل مثل هذه الصراعات في مؤسسات السلطة الأميركية، وهو الأمر الذي قد يدفع باتجاه أدلجة الأحزاب السياسية غير المؤدلجة أصلاً في الولايات المتحدة كما برز في الانتخابات الرئاسية والتنافس بين "بوش" و"آل غور" بشكل دلل على بحث المجتمع عن انتماء أولي يعلي من البعد الاجتماعي للهوية.

وعلى ذلك فإن الأثر الاجتماعي لتلك الأحداث قد يزيد من التمييز داخل المجتمع الأميركي رغم سعي السلطة للتخفيف من حدته، خاصة وأنه مجتمع متعدد الأعراق والثقافات، لكن المفارقة تكمن في أن السلطة ذاتها قد تكون طرفاً في الإشكالية كونها هي ذاتها أيضاً تتأدلج عبر استمرارها في تعبئة المجتمع لتحقيق الرسالة الأميركية المتمثلة في السلام الأميركي Pax-Americana.

وفي هذا السياق يبرز الدور العربي الإسلامي خاصة وأنهم المعنيون بالأحداث التي ارتبطت بهم، حيث إن هناك غيابا لقراءة دقيقة للمجتمع وبنيته وتكويناته الفرعية، فجاءت أغلب ردود الفعل العربية في إطار "دفع التهمة" أو "رد الشبهة" دون تقديم خطاب يعي الخصوصية الأميركية ويستوعب الشريحة المهمشة في المجتمع الأميركي بغية تكوين رؤية إستراتيجية تهدف في المحصلة إلى التأثير في صنع القرار السياسي لا يضطرها إلى اللجوء إلى تخصيص مبلغ لا يعادل ما يتقاضاه مذيع مشهور في الولايات المتحدة "لتحسين صورة العرب لدى الشعب الأميركي".
_______________
كاتب أردني