مصطفى كبها

جذور فكرة الدولة ثنائية القومية
الفكرة بين مؤيد ومعارض
 

عند الحديث عن دولة ثنائية القومية (فلسطينية- صهيونية)، يجب التأكيد من البداية أن هناك أكثر من سيناريو وشكل محتمل لهذه الدولة.

سيما أن المتحدثين عنها (لدى الطرفين) بعضهم يتحدث عن دولة ثنائية القومية على كل مساحة فلسطين الانتدابية تارة، وبعضهم الآخر يتحدث عن دولة ثنائية القومية (عربية يهودية) في حدود دولة إسرائيل تارة أخرى.

الحديث هنا هو عن دولة ديمقراطية ثنائية القومية على كل مساحة فلسطين الانتدابية، والقائلون فيها تتعدد دوافعهم ومنطلقاتهم.

فمنهم من يرى في هذه الفكرة (من منطلقات أيديولوجية راسخة) حلا عادلا وممكنا للنزاع الفلسطيني–الإسرائيلي.

ومنهم من يرى في ذلك حلا يتعامل مع الأمر الواقع والأمور المستجدة على الأرض التي تمنع بشكل فعلي تطبيق فكرة الدولة أحادية القومية لكلتا المجموعتين القوميتين.

جذور فكرة الدولة ثنائية القومية

"
بعد احتلال إسرائيل للضفة الغربية وقطاع غزة عام 1967 ووقوع كامل مساحة فلسطين الانتدابية تحت السيطرة الإسرائيلية تراجعت فكرة الدولة ثنائية القومية في المجتمع الإسرائيلي
"

تعود جذور هذه الفكرة في أوساط الاستيطان اليهودي في عهد الانتداب البريطاني إلى مجموعات فكرية هامشية، معظمها من الفئات غير الصهيونية (الحزب الشيوعي الفلسطيني) والقليل منها من اليسار الماركسي الصهيوني (الجناح اليساري لمنظمة هشومير هصعير التي انبثق عنها فيما بعد حزب مبام اليساري الصهيوني).

والملفت للنظر أن هاتين الحركتين فشلتا في الوصول إلى المركز الفاعل والتيار المركزي في مجتمع الاستيطان اليهودي والتأثير في دفعه إلى تأييد هذه الفكرة في فترة الانتداب، علما بأنهما تخلتا عن الفكرة بعد إقامة دولة إسرائيل وتحدثنا عن فكرة "دولتين لشعبين". 

في حين دأبت الحركة الشيوعية على تطوير الفكرة جاعلة منها الأساس الفكري للحزب الشيوعي ثنائي القومية، فشل حزب مبام (المنبثق عن هشومير هصعير) في الامتحان منذ بدايته حينما أكد زعماؤه التاريخيون (مئير يعاري ويعقوب حزان) أنهم حزب صهيوني قبل كل شيء ضاربين بعرض الحائط مطالب حلفائهم العرب (رستم بستوني وجماعته) جعل الحزب حزبا ثنائي القومية.  

وفي الحالتين تعامل الطرفان (كل من منطلقاته) مع إسرائيل على أنها دولة الشعب اليهودي التي قامت إثر قرار التقسيم وحرب 1948 وطالبا بإقامة الدولة الفلسطينية التي لم تقم في حينه.  

وفيما كانت حدود قرار التقسيم هي المرجعية التي اعتمدها الحزب الشيوعي أساسا للحل المحتمل (حتى حرب يونيو/ حزيران 1967)، رأت مبام حدود الهدنة  المعقودة بين إسرائيل والدول العربية عام 1949 هي المرجعية لتطبيق مبدأ "دولتين لشعبين".

وبعد احتلال إسرائيل للضفة الغربية وقطاع غزة عام 1967 ووقوع كامل مساحة فلسطين الانتدابية تحت السيطرة الإسرائيلية، تراجعت فكرة الدولة ثنائية القومية  في المجتمع الإسرائيلي وتركزت المواقف الإسرائيلية تبعا للواقع الجديد في ثلاثة مواقف رئيسية:

  • الأول الذي تبنته قوى اليمين وعلى رأسها حزب جاحال (الليكود لاحقا) القائل بترسيخ الواقع الجديد من خلال العمل بفكرة "أرض إسرائيل الكاملة" وتوطيدها من خلال سياسة الأمر الواقع المتمثلة بإقامة المستوطنات اليهودية في الأراضي المحتلة بغية تعقيد أمر الانسحاب وعرقلة إقامة دولة فلسطينية حتى في إطار حدود الرابع من يونيو/ حزيران 1967.
  • أما الموقف الثاني الذي تبناه حزب العمل الحاكم آنذاك وبعض حلفائه فقد تلخص بالعمل على استغلال نتائج حرب يونيو/ حزيران 1967 من خلال غض الطرف عن مساعي قوى اليمين لإقامة المستوطنات في الأراضي المحتلة بل المبادرة والمساهمة في الإقامة والدعم وتخصيص الميزانيات الحكومية لذلك بغرض فرض تنازلات على الطرف الفلسطيني– العربي متمثلة بالاستجابة للمطالب الأمنية الإسرائيلية بشكل يمنع الطرف الفلسطيني من العودة للمطالبة بحدود التقسيم كمرجعية لأي حل مستقبلي محتمل.
  • أما الموقف الثالث فقد تمثل في تحول الحزب الشيوعي الإسرائيلي وأطراف يسارية أخرى عن مرجعية قرار التقسيم إلى مرجعية قرار 242  الصادر عن مجلس الأمن الدولي على أثر حرب يونيو/ حزيران 1967، علما بأن الحزب استمر برفع الشعار الفضفاض "دولتين لشعبين" ولكن دون تحديد حجم هاتين الدولتين الأمر الذي يعني قبولا ضمنيا بواقع دولة يهودية تستحوذ على قرابة الـ80% من مساحة فلسطين الانتدابية ودولة فلسطينية على ما تبقى من الأرض، إضافة إلى الميزات الأمنية المطلقة الممنوحة للدولة اليهودية مقابل التحديدات القسرية المفروضة على الدولة الفلسطينية المقترحة.

ومع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى وازدياد المطالبة بإقامة دولة فلسطينية مستقلة تناقص عدد القائلين بهذه الفكرة، خاصة أن عملية أوسلو خلقت مناخا يوحي بقرب تحقق "دولتين لشعبين"، ولكن بعد فشل الأطراف بتطبيق تفاهمات أوسلو نصا وروحا بشكل قاد إلى اندلاع الانتفاضة الثانية ووصول الأطراف إلى طريق مسدود، عادت فكرة "الدولة الثنائية القومية" لتجد لها مكانا في حيز الجدل العام في المجتمع الإسرائيلي.

إذ إن فشل عملية السلام والرفض الإسرائيلي المستمر لمبدأ الانسحاب التام من الأراضي المحتلة واستمرار التيار المركزي الإسرائيلي بالحديث عن الانسحاب المجزوء واستمرار الاستيطان، كل هذه العوامل مجتمعة قادت إلى إعادة طرح فكرة "الدولة ثنائية القومية".

وأعيد هذا الحديث خاصة من قبل أشخاص ينتمون إلى اليسار الذين بدؤوا يؤمنون بتزايد الصعوبات والعوائق أمام إمكانية إقامة دولة فلسطينية مستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة، وذلك إزاء الواقع على الأرض



الذي يفقد هذه الدولة العتيدة (يوما بعد يوم) قدرتها على إمكانية الوقوف على قدميها والاستمرار بالحياة.

الفكرة بين مؤيد ومعارض

"
الذي يجب فعله هو محاولة الوصول إلى حالة من المساواة على المستويين الفردي والجماعي في إطار نظام عام واحد في جميع أرجاء البلاد

ميرون بنبنستي
"

كان المقال الذي نشره الصحافي "أرييه شابيط" في صحيفة هآرتس في مطلع أغسطس/ آب 2003، هو فاتحة جدل صحفي وفكري نشط  أعاد فكرة "الدولة ثنائية القومية" إلى الأذهان وإلى مركز الجدل في الأوساط المصممة للرأي العام الإسرائيلي.  

حمل المقال عنوان "فلننس الصهيونية" بدأ فيه الصحافي برسم صورة لتغييرات جدية حاصلة في التيارات الجوفية لدى أوساط اليسار الصهيوني نحو طبيعة الحل النهائي الدائم مع الفلسطينيين، عارضا التغييرات التي حصلت على مواقف رمزين من رموز اليسار على أطيافه المختلفة:

  1. ميرون بنبنستي (نائب رئيس بلدية القدس سابقا المرشح السابق للكنيست عن حزب راتس)
  2. وحاييم هنغبي (مؤسس حركة متسبين الراديكالية ومن مؤسسي القائمة التقدمية للسلام ومن زعماء جوش شالوم).

والتقى الرمزان -كل من منطلقاته- في نقطة مفادها ضرورة إحداث تغييرات جذرية في مواقف اليسار الإسرائيلي والتأكيد على أن الحل يكمن في إقامة دولة ديمقراطية واحدة للشعبين من النهر إلى البحر، ما يعني بالضرورة الإهمال شبه النهائي لفكرة "دولتين لشعبين".

أفكار بنبنستي وهنغبي
يشرح حاييم هنغبي المراوحة بين الفكرتين لديه قائلا "عندما تبنيت مبدأ الدولتين في الثمانينيات فعلت ذلك بصعوبة بالغة، تخللها صراع مرير مع نفسي، لم أنضم لليسار الصهيوني ولم أترك أفكاري الثورية ولكني أعتقدت حينها أن فكرة الدولتين فكرة جديرة بالتبني.

في السنوات الأخيرة فهمت مدى الخطأ الذي وقعت فيه، فعندما أدركت أن عدد المستوطنات مستمر بمضاعفة نفسه فهمت حينها أن إسرائيل أهدرت الفرصة التاريخية التي أتيحت لها".

أما ميرون بنبنستي فيقول إن تبنيه للفكرة لم يكن جديدا  وإنما بدأ ببداية الثمانينيات (قبل اندلاع الانتفاضة الأولى) معللا ذلك بأن بناء المستوطنات واستمرار الاستيلاء على الأراضي في المناطق المحتلة خلق واقعا جديدا غير قابل للتغيير.

ثم يضيف قائلا "كان عدد المستوطنين حينها 20 ألفا واليوم عددهم 230 ألفا وعليه فقد نتجت الكتلة التي كنت أخشاها والتي لن تسمح بتغيير الوضع الراهن مثلما لن تفلح أوسلو أو الجدار الفاصل أو الحديث عن دولة فلسطينية في تغيير هذا الوضع.

فالواقع الذي نعيشه اليوم هو واقع ثنائي القومية، وهذا الواقع هو عامل ثابت لا يمكن تجاهله أو إنكاره".

ويضيف  بنبنستي أيضا "في السنة الأخيرة وصلت إلى عبرة مفادها أن علينا التفكير حسب مفاهيم جديدة، يجب أن نرى أرض إسرائيل الغربية كوحدة جيو-سياسية واحدة".  

على إسرائيل أن تفهم أنه ليس بوسعها فرض مفاهيمها المهيمنة على 3.5 ملايين فلسطيني في الضفة وغزة وعلى 1.2 مليون فلسطيني من مواطني إسرائيل.

الذي يجب فعله هو محاولة الوصول إلى حالة من المساواة على المستويين الفردي والجماعي في إطار نظام عام واحد في جميع أرجاء البلاد".

الدولة الثنائية في كتابات أكاديميين 
بالإضافة إلى هنغبي وبنبنستي بدأت فكرة الدولة ثنائية القومية بالظهور في كتابات بعض الأكاديميين الإسرائيليين أمثال أمنون راز، كراكستين وسارة أوساسكي لازار (كلاهما محاضران جامعيان).

ففي مقال مطول نشره راز بموقع الإنترنت "كيدما بوابة الشرق على إسرائيل" اقترح فيه "أن يتم النظر لمصطلح ثنائي القومية" بمنظار أوسع من النظر إليه كحل سياسي وحسب، وإنما كإطار ناقد لمجمل القيم والمبادئ التي يجب وضعها أساسا لأي حل سياسي.

هذه القيم والمبادئ يمكن أن تكون حجر الزاوية لحل الدولتين أو حل الدولة الواحدة. وهي يجب أن ترتكز على مساواة قومية ومدنية بين العرب واليهود وعلى مصالحة تاريخية مبنية على اعتراف إسرائيل بمسؤوليتها عن قضية اللاجئين وحقوقهم أساسا لأي حل مبني على الشراكة والعدل". 

معارضو الفكرة ومسوغاتهم
أثارت هذه الفكرة معارضة في أوساط من اليمين واليسار على حد سواء، فمعارضة اليمين ليست ضد فكرة دولة واحدة بين النهر والبحر (التي يريدونها دولة قومية يهودية بالطبع)، وإنما على طبيعة هذه الدولة وأسس كيانها التي يرون فيها إلغاء لمبادئ الحركة الصهيونية وللحقوق اليهودية التاريخية على الأرض.

ولهذا تنحصر دعاوى اليمين المعارضة بالترويج لخطورة هذه الفكرة على صهيونية الدولة ويهوديتها، وهو أمر كاف في المرحلة الراهنة لمنع زيادة عدد المؤيدين لها في المجتمع اليهودي الإسرائيلي.

أما المعارضة من اليسار فقد جاءت من  أناس شاركوا هنغبي وبنبنستي نشاطهم داخل معسكر اليسار أمثال أوري أفنيري الذي كان قد أسس مع هنغبي الحركة الحمائمية "جوش شالوم".

كتب أفنيري في يوليو/ تموز 2003 مقالا في موقع الإنترنت "الضفة اليسارية" تحت عنوان "وعاش الذئب مع الحمل" -وهو مقتبس من سفر إشعيا ونبوءته- جاء فيه:

"من الغريب بعض الشيء أن تظهر هذه النبوءة المثالية مرة أخرى وفي هذه الأيام بالذات بعد أن كانت قد فشلت فشلا تاما في جميع أنحاء العالم، الاتحاد السوفياتي متعدد القوميات تفكك، يوغسلافيا تفككت، البوسنة تفككت ثم جمعت من جديد بشكل مصطنع، صربيا تفككت ومقدونيا على كف عفريت، كندا تتأرجح، قبرص صاحبة الدستور ثنائي القومية أصبحت ذكرى، والقائمة طويلة، إندونيسيا والفلبين وإسبانيا وجارتنا لبنان".

أما ديفد شاحام (كاتب في الضفة اليسارية) فيصف الفكرة على أنها ثمرة فجة لم ينضج السياق التاريخي بعد لطرحها، وفي طرحها الآن يمكن أن تشكل عائقا أمام حل محتمل وذلك لأنها تسكب زيتا على الموقدة وترسخ سيطرة أحد الشعبين على الآخر.

إمكانيات تحقق هذه الفكرة
لم يظهر طارحو الفكرة تفاؤلا زائدا لتجسيدها في المستقبل القريب وهم لا يطمحون حتما لإحداث انقلاب في الرأي العام الإسرائيلي لصالحها.

ولكن ازدياد عدد المثقفين ومصممي الرأي العام الطارحين لها يمكن أن يكون مؤشرا لعملية جدلية حثيثة معادلتها النهائية تقول:

كلما تعقدت إمكانيات الحل المبني على فكرة الدولتين على أساس قومي يزداد عدد القائلين بحل الدولة الواحدة على أساس ثنائية القومية.



وهو كما يبدو سيكون الملجأ الوحيد لطالبي الحلول العادلة والدائمة.
_______________
كاتب عربي من إسرائيل