كان إقدام الجيش في الجزائر عام 1992 على إلغاء الانتخابات التشريعية التي فاز في جولتها الأولى الجبهة الإسلامية للإنقاذ بمثابة الشرارة التي فجرت الأوضاع الداخلية، فانتشرت نيران الانتقام وراحت تأكل الأخضر واليابس، وعمت الفوضى السياسية وشاع الانفلات الأمني ودخلت البلاد في دوامة رهيبة من العنف المسلح انعكست آثاره على النواحي الاقتصادية والاجتماعية حتى أصبح أكثر من نصف الجزائريين يعيشون على أقل من دولار واحد فقط في اليوم، ووصل تعداد العاطلين عن العمل إلى أكثر من أربعة ملايين جزائري من مجموع القوى العاملة البالغ تسعة ملايين عامل.

وكانت محصلة سنوات الصراع تلك مقتل أكثر من مائة ألف جزائري واختفاء ما يزيد عن سبعة آلاف ناشط سياسي، واستحق هذا العقد بالفعل أن يطلق على سنواته "العشرية الحمراء".

في غضون ذلك اختفت من الساحة السياسية أحزاب وتكونت أخرى وصدرت قوانين وجرت تعديلات دستورية وتغير شكل الحياة البرلمانية الجزائرية فأضيف مجلس جديد سمي مجلس الأمة إلى المجلس الشعبي الوطني وحددت التعديلات الدستورية عام 1996 نظامه الانتخابي.

ولم تقبل بعض الأحزاب مثل جبهة القوى الاشتراكية والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية بقواعد اللعبة الجديدة فأعلنت مقاطعتها للانتخابات التي من المقرر إجراؤها يوم الثلاثين من مايو/أيار الجاري رغم أهميتها على المستوى السياسي والأمني، أما الأحزاب التي أعلنت موافقتها على المشاركة فكان أهمها التجمع الوطني الديمقراطي وجبهة التحرير الوطني وحركة مجتمع السلم إضافة إلى حزب العمال وحركتي الإصلاح والنهضة.

ودخلت هذه الأحزاب جميعها حلبة المنافسة تحت قيادات سياسية أبرزها بن فليس، أويحي، نحناح، حنون، إضافة إلى جاب الله وبوكروح ببرامج حزبية أعلن عنها المرشحون تكاد تتفق في المبادئ العامة فتدعو إلى نبذ العنف وتؤكد على التمسك بالثوابت الوطنية وتطرح المسألة الديمقراطية كمخرج من الأزمة التي تعيشها البلاد، وتختلف في آليات العمل كل حسب تكويناته الحزبية وتوجهاته الأيدولوجية وحساباته السياسية، ويأمل كل حزب أن يحظى بأكبر عدد من المقاعد ليغير من نسب القوى السياسية الممثلة داخل البرلمان الحالي.

ورغم كل ما يقال عن هذه الانتخابات ورغم التساؤلات العديدة حول ضمان نزاهتها ومدى قدرتها على رد الاعتبار للإنسان والمجتمع الجزائري الذي أرهقته الصراعات السياسية، فإن المؤمل من هذه الانتخابات أن تكون حلا للمشكلة بعد أن كانت سببا فيها. فهل حقا ستكون كذلك؟ ذلك ما سيحاول هذا الملف الإجابة عليه.