*بقلم/ داود سليمان

يتوجه الرئيس الأميركي جورج بوش إلى شرم الشيخ والعقبة ليجتمع ببعض الزعماء العرب لدفع عربة السلام التي أدار لها ظهره منذ دخوله البيت الأبيض في العام 2001، وذلك بعد أن استعرض قوته في بولندا وروسيا ففرنسا.

شرم الشيخ والتمهيد لقمة العقبة
ستكون محطة بوش الأولى في المنطقة العربية مدينة شرم الشيخ حيث سيلتقي زعماء كل من مصر والأردن والسعودية والبحرين لتكون متممة لقمة العقبة التي ستجمعه برئيس الوزراء الفلسطيني محمود عباس ورئيس الحكومة الإسرائيلية أرييل شارون، وذلك بعد رفض الأمير عبد الله بن عبد العزيز الجلوس على طاولة واحدة مع شارون.

ويأتي اجتماع بوش والقادة العرب ليعطي دلالات واضحة على طبيعة قمة العقبة التي ستكون بداية لإعادة إطلاق عملية التسوية من جديد، إذ يحرص بوش على أن توفر قمة شرم الشيخ أجواء دعم عربية لخارطة الطريق والضغط على الطرف الفلسطيني لوقف العمليات العسكرية.

وعلى الرغم من أن بوش سيلتقي بعضا من القادة العرب فإن اجتماعه مع أولئك القادة يشير إلى أن أميركا أرادت أن يكون الزعماء العرب ممثلين عن العالم العربي والإسلامي في آن واحد.

فمصر هي القائد الفعلي للسياسة العربية كما أنها لعبت ولا تزال تلعب دورا محوريا في عملية التسوية بين الفلسطينيين والإسرائيليين، فيما تعد الأردن أحد الأطراف الرئيسية في تطبيق خارطة الطريق من حيث مساهمتها مع مصر في جهد إعادة بناء وتدريب قوى الأمن الفلسطينية، وتأتي مشاركة الأمير عبد الله بالقمة من موقع أن السعودية صاحبة المبادرة العربية التي تبنتها قمة بيروت ولموقع السعودية الديني في المنطقة، أما البحرين فهي التي ترأس القمة العربية ويعطي حضورها للقمة مظلة عربية واسعة لما يتم الموافقة عليه من قبل العرب.

ويلاحظ أن قمة شرم الشيخ وقمة العقبة قد استثنتا ياسر عرفات من المشاركة فيها مما يدلل على أنه قد تم تهميش الرجل عربيا بعد أن تم تهميشه أميركا وإسرائيليا ولتتويج محمود عباس (أبو مازن) زعيما فلسطينيا جديدا ليقود المركب الفلسطيني المتعثر، وهو ما تدلل عليه تصريحات السفير الأردني في واشنطن كريم قعوار الذي قال إن أبو مازن هو الزعيم الفلسطيني الأوحد ولا مكان لزعامة موازية للرئيس عرفات.

وقد يعمد بوش إلى استغلال صورته الجديدة بأنه رئيس حازم في دفع العرب إلى القبول بإعادة سفرائهم إلى إسرائيل والبدء بعودة التعامل مع إسرائيل من جديد كعضو في المنطقة وشريك في رسم مستقبلها.

قمة العقبة والعصر الفلسطيني الجديد
وتأتي قمة العقبة استكمالا لقمة شرم الشيخ بعد التوافق بين أميركا والعرب على دعم أبو مازن وإعطائه الشرعية التي يحتاجها للتحرك بحرية على المسار الفلسطيني وعدم الالتفات كثيرا للقيادة التاريخية للفلسطينيين بعد أن أصبح التعامل معها عنوانا للبعد عن أميركا ورفض خططها بشأن المنطقة، إضافة إلى تعهد عربي بمحاربة ما تسميه أميركا إرهابا والعمل على وقف المقاومة الفلسطينية "وتجفيف قنوات تمويل الإرهاب" للمحافظة على القبول الإسرائيلي بالعودة إلى التفاوض مع الفلسطينيين.

وهكذا سيحضر أبو مازن قمة العقبة متسلحا بتفويض عربي جاء بضغوط أميركية واستعداد عربي للقبول بما يتم طرحه، إضافة إلى وجود مزاج عربي سياسي يريد أن يرى نتائج سياسية ملموسة على الأرض ترفع عن كاهله عبئا قد بدأ يثقل في ظل الظروف التي تمر بها المنطقة.

رغم إدراك أبو مازن لصعوبة الاتفاق مع شارون إذ اعترض عدد من أعضاء الحكومة الفلسطينية على خطوات بناء الثقة الإسرائيلية التي تمثلت في تخفيف الحصار والسماح لنحو عشرة آلاف فلسطيني بالعمل داخل الخط الأخضر وتسهيل حركة المسؤولين الفلسطينيين، مع الطلب من أعضاء الحكومة الإسرائيلية مخاطبة نظرائهم الفلسطينيين بالوزراء وتكثيف الاتصال بهم وتوسيع مناطق صيد الأسماك في غزة والاستعداد لإطلاق سراح نحو 100 معتقل، فهو يدرك انه أمام اختبار عليه تجاوزه بنجاح للمضي قدما في مشروع إنشاء دولة فلسطينية وعدم تحميل السلطة مسؤولية أي فشل في تطبيق خارطة الطريق قد ينتج في المستقبل مما قد يجعله عرضه للاختفاء من المشهد السياسي الفلسطيني كما حصل مع غيره.

وفي الوقت الذي ستسعى فيه إسرائيل إلى الحصول على إعلان أمني بالدرجة الأولى من الفلسطينيين فإن أبو مازن سيسعى إلى ربط أي إعلان أمني محتمل بأفق سياسي عبر التمسك بخارطة الطريق بشكل كامل.

لذا سيسعى أبو مازن في القمة إلى الحصول من إسرائيل على إجراءات ميدانية تعطي انطباعا بأن الحكومة الإسرائيلية بدأت بالتخفيف من قبضتها على الأراضي الفلسطينية وأنها مستعدة للدخول في عملية مفاوضات جادة ليتمكن من القيام بشرط وقف العمل العسكري الموجه ضد الاحتلال الإسرائيلي خصوصا بعد أن شرح لشارون توصل الأطراف الفلسطينية كافة إلى قناعة بوقف "شامل لكل أعمال العنف وغيرها" حسبما صرح للتلفزيون الإسرائيلي، وهو ما سيعزز موقفه عند الحوار مع حركات المقاومة للتوصل معها إلى اتفاق هدنة مؤقتة إذ إن الخيار الآخر أمام أبو مازن هو الدخول في حرب أهلية فلسطينية وهو ما لا يريد أن يبدأ عهده به، فقد قال للتلفزيون الإسرائيلي "نحن لا نريد أن نستعمل العنف في ما بيننا، لا نريد أن نستعمل الحرب الأهلية، هذا مدمر لنا، وإذا أمكن أن نستفيد من الحوار وأن ترقى كل الأطراف إلى مسؤوليتها وأن يقتنع الجميع بأن المسؤولية تقتضي أن نتوقف.. وأن نعمل على التهدئة فلماذا لا نستخدم هذا الأسلوب".

ولإدراك الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي أن أميركا لا تريد للقمة أن تفشل وحرص الرئيس بوش على عدم تكرار خطأ سلفه كلينتون فإن الطرفين سيعمدان إلى التهدئة ولو بشكل مؤقت.

المقاومة والانحناء للعاصفة
فصائل المقاومة الفلسطينية وعلى رأسها حركة حماس ترى أن القمة عبارة عن ذر للرماد في العيون، لكن حركة حماس التي دخلت في حوار مع الحكومة الفلسطينية بهدف التوصل إلى تهدئة للأوضاع في الأراضي الفلسطينية لن تناور كثيرا في موقفها حتى لو لم تصرح علنا بأنها ستوقف العمل العسكري لفترة محدودة خصوصا مع تزامن الحوار مع الأنباء التي تحدثت عن وجود ضغوط عربية خصوصا من قبل بعض دول الخليج على قيادات حركة حماس لوقف العمل العسكري لفترة محدودة تماشيا مع ظروف وضرورات الواقع التي باتت محكومة بالموقف الأميركي.

وتراهن حركات المقاومة الفلسطينية على أن الحكومة الإسرائيلية ستُفشل الاتفاق وبالتالي تخرج نفسها من مأزق اتهامها من قبل السلطة الفلسطينية والعرب بأنها أفشلت اتفاقا كان من الممكن له أن يخفف من سوء الوضع الفلسطيني.

ومهما تكن تصورات الأطراف الفلسطينية إزاء قمة العقبة وما ستؤول إليه نتائجها التي لن يتوقع لها أن تخرج عن نموذج اتفاق أوسلو الذي امتاز بسهولة في التوافق على شروط المرحلة الانتقالية وقضاياها ليصطدم بتعقيدات قضايا الحل النهائي، فإن الفلسطينيين سيدخلون بعد قمة العقبة مرحلة وعهدا جديدين في تاريخهم يدشنهما أبو مازن، عندها سيتضح إلى أين يمضي المركب الفلسطيني.
______________
*كاتب فلسطيني