أحمد إبراهيم محمود

الضغط ومعادلة القوة  
القدرات السورية
الاتهامات الأميركية الإسرائيلية 
أبعاد الموقف السوري

لا تعتبر الاتهامات الأميركية والإسرائيلية لسوريا بالعمل على امتلاك أسلحة الدمار الشامل ووسائل إيصالها اتهامات جديدة، بل على العكس دأب الجانبان منذ فترة طويلة على تكرار هذه الاتهامات.

الضغط ومعادلة القوة

"
فى الوقت الذى تتهم فيه سوريا فإن إسرائيل تمتلك ترسانة ضخمة ومتطورة من الأسلحة النووية والكيماوية والبيولوجية، ووسائل إيصالها الجوية والصاروخية والبحرية والبرية

"

وفي كثير من الحالات لا يكون هناك أي أساس للاتهامات الموجهة إلى سوريا، بقدر ما يكون الهدف الرئيسي هو:

  • تكثيف الضغوط السياسية على سوريا لتليين مواقفها بشأن قضايا أخرى قد لا يكون لها علاقة أصلاً بأسلحة الدمار الشامل، مثل الوضع فى العراق أو الدعم السوري لحزب الله في لبنان.. أو غير ذلك.
  • أو لإحراج القيادة السورية وشغلها بالدفاع عن نفسها وإثبات براءتها من هذه الاتهامات.

وبغض النظر عن مدى صحة هذه الاتهامات، فإنها تثير مفارقة غريبة للغاية.

إذ في الوقت الذي تتهم فيه سوريا فإن إسرائيل تمتلك ترسانة ضخمة ومتطورة من الأسلحة النووية والكيماوية والبيولوجية، ووسائل إيصالها الجوية والصاروخية والبحرية والبرية. 

وهذا فى الوقت الذى تسبغ فيه الولايات المتحدة دعمها اللامحدود للموقف الإسرائيلي المتعنت من قضايا ضبط التسلح في الشرق الأوسط.، بل وتحتفظ الولايات المتحدة ذاتها بترسانات هائلة من كافة منظومات أسلحة الدمار الشامل.

وذلك وفق سلوك لا يرتبط قط بقواعد القانون الدولي، وإنما يرتبط فقط بعلاقات قوة فجة يسعى خلالها الطرف القوي إلى فرض إرادته ورغباته على الطرف الأضعف نسبياً.



 القدرات السورية

تقتصر القدرات السورية فى مجال أسلحة الدمار الشامل على بعض القدرات غير المؤكدة في المجالات الكيماوية والبيولوجية.

القدرات النووية

"
سوريا عجزت عن الحصول على أية مفاعلات نووية أو حتى أية قدرات نووية يعتد بها ويقتصر نشاطها على إجراء بحوث أساسية فى المجالات النووية

"

أما في المجال النووي، فإن سوريا كانت قد انضمت إلى معاهدة منع الانتشار النووي منذ عام 1969, كما وقعت على اتفاقية الضمانات الدولية عام 1984، والتي تسمح للوكالة الدولية للطاقة الذرية بالقيام بجولات تفتيش مفاجئة على المواقع السورية.

وتخضع منشآتها النووية ـ بموجب هذه المعاهدة ـ لتفتيش دوري من جانب الوكالة. وتؤكد سوريا دوماً أن برنامجها النووي مخصص بالكامل للأغراض السلمية, وفق القواعد التي تحددها معاهدة منع الانتشار النووي.

وقد عجزت سوريا عن الحصول على مفاعلات نووية بسبب الملاحقة الأميركية لكل الاتفاقات التي أبرمتها سوريا مع دول أخرى في هذا الشأن، برغم تأكيدات سوريا على أن جهودها في هذا المجال تندرج في إطار الاستخدامات السلمية للطاقة الذرية.

وتذكر بعض التقارير أن الصين كانت تعتزم عام 1991 بيع مفاعل أبحاث طاقته 30 ميغاوات لسوريا، إلا أن الولايات المتحدة والوكالة الدولية للطاقة الذرية تدخلتا لإيقاف هذه الصفقة. وفى عام 1995، ضغطت الولايات المتحدة على الأرجنتين لمنعها من بيع مفاعل إلى سوريا.

وقد ذكرت بعض التقارير أن سوريا وروسيا تباحثتا منذ عام 1997 بشأن بيع مفاعل نووي روسي لسوريا، ووقع الجانبان اتفاقاً للتعاون في مجال الاستخدامات السلمية للطاقة الذرية في 23 فبراير/ شباط 1998.

واتفق الجانبان بالفعل في يوليو/ تموز 1998 على برنامج زمني لتوريد مفاعل أبحاث نووي روسي طاقته 25 ميغاوات، يعمل بالماء الخفيف، إلى سوريا، يتم تركيبه فى محطة للأسمدة في حمص تملكها هيئة الطاقة الذرية السورية، إلا أن الولايات المتحدة مارست ضغوطا على روسيا لإيقاف هذه الصفقة أيضا.

وتشير بعض التقارير غير المؤكدة إلى أن سوريا شاركت بصورة أو بأخرى فى البرامج الليبية المختلفة لإنتاج أسلحة الدمار الشامل، ولا سيما البرنامج النووي، وإلى أن سوريا حصلت على معدات ومكونات نووية من باكستان، شأنها فى ذلك شأن ليبيا وإيران وكوريا الشمالية.

ويدل استعراض تطور الجهود السورية في المجال النووي على أن سوريا عجزت عن الحصول على أية مفاعلات نووية، أو حتى أية قدرات نووية يعتد بها. ويقتصر النشاط الرئيسي لسوريا في المجال النووي على إجراء بحوث أساسية فى المجالات النووية.

وبالتالي يصبح من غير المنطقي توجيه اتهامات لسوريا بالعمل على امتلاك السلاح النووي.

"
رفضت سوريا التوقيع على معاهدة حظر الأسلحة الكيماوية، فى إطار الموقف الجماعي العربى الذي تقرر من خلال الجامعة العربية، واستنادا إلى أن التخلي عن الأسلحة الكيماوية يجب أن يشمل كل الشرق الأوسط

"

القدرات الكيماوية والبيولوجية
أما في مجال القدرات الكيماوية، فإن الكثير من التقارير يذكر أن الجهود السورية في هذا المجال تعود إلى بداية السبعينيات، وأن سوريا تمتلك كميات من غازات الأعصاب، مثل السارين والخردل وفي أكس.

وتشير بعض التقارير إلى أن سوريا ربما تكون قد حققت تقدماً فى تطوير وإنتاج الأسلحة الكيماوية يفوق ما كان العراق قد حققه فى الثمانينيات فى هذا المجال، مستفيدة فى ذلك من تعاونها مع الاتحاد السوفياتى السابق، ثم روسيا الاتحادية من بعده.

وقد رفضت سوريا التوقيع على معاهدة حظر الأسلحة الكيماوية، فى إطار الموقف الجماعي العربى الذي تقرر من خلال الجامعة العربية، استناداً إلى أن تخلي سوريا عن ما لديها من الأسلحة الكيماوية يجب أن يأتي في إطار تعامل شامل ومتكامل مع مختلف قضايا ضبط التسلح في الشرق الأوسط.

كما يجب أن يرتبط بمدى استجابة إسرائيل بالذات للمطالب الدولية بالانضمام إلى معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية ووضع منشآتها النووية تحت نظام الرقابة الدولية.

وأخيراً تعترف المصادر الغربية بأن قدرات سوريا فى مجال القدرات البيولوجية ربما لا تتعدى مراحل البحوث والتطوير. فقد انضمت سوريا إلى معاهدة حظر الأسلحة البيولوجية في 14 أبريل/ نيسان 1972، أى فور الانتهاء من صياغتها، ولكنها لم تصدق على هذه المعاهدة. وتكتفي المصادر الغربية بالإشارة فقط إلى شكوكها في أن سوريا ما زالت تواصل جهود البحوث والتطوير فى المجال البيولوجي.

أما في مجال وسائل الإيصال المختلفة، فإن سوريا تمتلك طرازات متنوعة من صواريخ سكود (بي/ سي/ دي) كانت قد حصلت عليها من الاتحاد السوفياتي السابق، أو وريثته روسيا الاتحادية، على فترات متباعدة.

ويقدر عدد ما لدى سوريا من هذه الصواريخ بما لا يقل عن 280 صاروخاً، بالإضافة إلى ما لا يقل عن 45 منصة إطلاق صاروخية. وتمتلك هذه الصواريخ القدرة على الوصول إلى كافة أرجاء إسرائيل بحكم القرب الجغرافي.



الاتهامات الأميركية الإسرائيلية

ينطلق الموقفان الأميركي والإسرائيلي من الاقتناع بأن سوريا تسعى إلى تطوير قدراتها في مجال أسلحة الدمار الشامل، استناداً إلى تحليل يتبناه الجانبان مفاده أن سوريا تواجه صعوبات تمويلية ضخمة في تحديث قدراتها العسكرية التقليدية، مما يجعل من الصعب عليها الحفاظ على التوازن العسكري في مواجهة إسرائيل.

"
اكتشفت السلطات السويدية ووكالة الاستخبارات المركزية الأميركية أن شركة مياب السويدية سلمت سوريا محطة لمعالجة حمض الفوسفور، مخصصة للأبحاث النووية، فى صفقة تقدر قيمتها بأربعة ملايين يورو

"

ولذلك تسعى إلى تعويض هذا الخلل من خلال العمل على تطوير ما يعرف بـ "قدرات الحرب غير المتماثلة"، ومن بينها التركيز على اقتناء أسلحة الدمار الشامل والصواريخ الباليستية، بهدف بناء ذراع هجومية طويلة المدى، بما يحقق لسوريا نوعاً من التوازن العسكري في مواجهة إسرائيل.

وقد بدأت الموجة الأخيرة من الاتهامات لسوريا فى هذا المجال قبيل بدء الحرب الأميركية على العراق، وجاءت مع اتهام مسؤولين أميركيين وإسرائيليين لسوريا بالمشاركة في إخفاء أسلحة الدمار الشامل العراقية في الفترة التي سبقت اندلاع الحرب.

وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون قد أعلن في أواخر ديسمبر/ كانون الأول 2002 أن إسرائيل تشتبه في أن العراق نقل أسلحة كيماوية وبيولوجية إلى سوريا لإخفائها عن مفتشي الأمم المتحدة. 

وعلى الرغم من أن شارون كان قد أشار وقتذاك إلى أن هذه التصريحات تعتمد على معلومات غير مؤكدة، وأن إسرائيل تحاول الحصول على تأكيدات على صحة هذه المعلومات، فإن الكثير من المسؤولين الإسرائيليين والأميركيين تعاملوا بعد ذلك مع هذه المسألة كما لو كانت مؤكدة، وذلك في إطار مسعى هادف إلى تكثيف الضغوط على سوريا.

ونظراً لأن سوريا كانت قد اقتربت كثيراً خلال تلك الفترة من الحصول على مفاعل نووي من روسيا الاتحادية، فقد نشطت الضغوط الأميركية والإسرائيلية على الحكومة الروسية لمنعها من القيام بهذه الخطوة.

وكانت وزارة الخارجية الروسية قد أعلنت في يناير/ كانون الثاني 2003 إبرام اتفاق تمهيدي بشأن بناء مفاعلات نووية في سورية، إلا أن الضغوط الدولية أدت إلى تراجع روسيا عن هذا الإعلان.

وجرى على الفور نفي وجود أي اتفاق  بشأن قيام روسيا ببناء منشآت نووية في سوريا، بل والتأكيد على أنه ليست هناك من الأصل أي محادثات جارية بهذا الخصوص.

وقد قدمت الحكومة الروسية خلال تلك الفترة ضمانات لإسرائيل بشأن التزامها بعدم بناء منشآت نووية في سورية، وذلك أثناء مباحثات لنائب رئيس الوزراء الإسرائيلي ناتان شارانسكي مع وزير الخارجية الروسي إيغور إيفانوف.

وقد ظل المسؤولون الأميركيون، ولاسيما وكيل وزارة الخارجية الأميركية لشؤون الأمن الدولي جون بولتون، ومدير الاستخبارات المركزية السابق جورج تينيت، يشيرون في تقاريرهم الدورية أمام لجان الكونغرس وفي مناسبات أخرى عديدة، إلى القلق البالغ من البرنامج النووي السوري، والخوف من احتمالات توسيع التعاون النووي بين سوريا وروسيا الاتحادية، الأمر الذي يمكن أن يؤدي ـ عند حدوثه ـ إلى زيادة قدرات سوريا إذا قررت السعي من أجل الحصول على الأسلحة النووية.

وكان التطور الأهم فى الاتهامات الأميركية لسوريا بالعمل على امتلاك برنامج نووي سوري يتمثل في التقارير التي أشارت إلى أن سوريا قامت باستيراد بعض المكونات الداخلة فى برنامجها النووي من السويد بدون ترخيص قانوني، حيث اكتشفت السلطات السويدية ووكالة الاستخبارات المركزية الأميركية أن شركة مياب السويدية سلمت سوريا محطة لمعالجة حمض الفوسفور، مخصصة للأبحاث النووية، فى صفقة تقدر قيمتها بأربعة ملايين يورو، بدون الحصول على ترخيص قانوني.

وكانت اللجنة السورية للطاقة الذرية هي التي تسلمت المحطة في يناير/ كانون الثاني 2004. وتنبع أهمية هذه المحطة من أنها يمكن أن تستخدم فى معالجة اليورانيوم، وهو ما يتم القيام به في محطة رانستاد مينرال النووية السويدية.

وقد أجرى الجانبان السويدي والأميركي تحقيقاً حول هذه المسألة، جرى خلاله تفتيش المحطة النووية السويدية المذكورة، كما تم اكتشاف حصول خبراء سوريين على دورة تأهيل في تلك المحطة خلال الفترة بين عامي 1999 و 2002.

ولم يخفف من حدة الزوبعة التي أثيرت حول هذا الموضوع إلا إعلان مسؤولي الشركة السويدية أن المحطة التى جرى تصديرها إلى سوريا مخصصة في الأصل لإنتاج الأسمدة، وأنها لن تفيد في أي برنامج نووي سري.

"
الاتهامات الأميركية والإسرائيلية الموجهة لسوريا تخدم أهدافاً سياسية وعسكرية عديدة للجانبين، سواء فيما يتعلق بالعمل على دفع سوريا نحو تليين موقفها بشأن العديد من قضايا الصراع مع إسرائيل، أو بشأن قضايا إقليمية أخرى

"

وكان موضوع أسلحة الدمار الشامل موضوعاً شائكاً أيضا في مفاوضات سوريا مع الاتحاد الأوروبي للتوقيع على اتفاقية للتعاون الاقتصادي والسياسي الواسع النطاق بين الجانبين، في إطار مساعي الاتحاد الأوروبي لإنشاء منطقة للتجارة الحرة مع دول البحر المتوسط بحلول نهاية العقد الجاري.

فالاتفاقية المذكورة تتضمن بنداً ينص على الالتزام بمنع انتشار أسلحة الدمار الشامل، وهو البند الذى تحفظت سوريا على التوقيع عليه، إذ أصرت على ضرورة الإشارة صراحة في هذا البند إلى أن تكون منطقة الشرق الأوسط ـ بما فيها إسرائيل ـ خالية تماماً من أسلحة الدمار الشامل.

وقد أدى ذلك إلى تأجيل التوقيع على هذه الاتفاقية لمدة عام تقريباً، ولم يتم إنهاء هذا الخلاف إلا عقب إعادة صياغة هذا البند بما يرضي كلا الطرفين، مما أتاح لسوريا التوقيع على الاتفاقية في أواخر أكتوبر/ تشرين الأول 2004.



أبعاد الموقف السوري

يشير التحليل السابق إلى أن قدرات سوريا فى مجال أسلحة الدمار الشامل تعتبر محدودة للغاية، وهي لا تقارن بأي حال من الأحوال بقدرات إسرائيل الضخمة في كافة مجالات السلاح النووي والكيماوي والبيولوجي والصاروخي، مما يثير التساؤل بشأن أبعاد الضجة التي تثيرها الولايات المتحدة وإسرائيل حول هذه القدرات السورية.

الواقع، أن الاتهامات الأميركية والإسرائيلية المذكورة لسوريا تخدم أهدافاً سياسية وعسكرية عديدة للجانبين، سواء فيما يتعلق بالعمل على دفع سوريا نحو تليين موقفها بشأن العديد من قضايا الصراع مع إسرائيل، أو بشأن قضايا إقليمية أخرى.

ولكن الأهم من ذلك يتمثل في أن هذه الاتهامات وما يرافقها من ضغوط على سوريا وعلى الأطراف الأخرى، تهدف إلى منع سوريا من تطوير قدراتها في كافة مجالات القوة العسكرية عموماً، وفي مجال أسلحة الدمار الشامل خصوصاً، وفي المجال النووي بصورة أخص، حتى لا يؤدي ذلك إلى حدوث أي تحول في ميزان القوى الإقليمي القائم حالياً، والذي يميل بقوة لصالح إسرائيل، مع تدهور كامل للموقف العسكري والإستراتيجي العربي.

في المقابل، تؤكد سوريا دوماً على حقها في الاحتفاظ بما لديها من قدرات محدودة في مجال أسلحة الدمار الشامل، استناداً إلى عاملين رئيسيين:

  1. أولهما أن جزءاً من أراضيها ما زال خاضعاً للاحتلال الإسرائيلي، وتتعرض الأراضي السورية لهجمات إسرائيلية بين الحين والآخر، مما يتطلب من سوريا امتلاك القدرة على الدفاع عن النفس.
  2. وثانيهما أن إسرائيل ذاتها تحتفظ بترسانة ضخمة غير معلنة من الأسلحة النووية والكيماوية والبيولوجية والصواريخ الباليستية، وتصر على رفض الانضمام إلى معاهدة منع الانتشار النووي، مدعومة في ذلك بقوة من جانب الولايات المتحدة.

_______________
خبير بمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام.