أضاع العالم وقتا طويلا في البحث عمن خطط ونفذ.. وتحول الجميع بين عشية وضحاها إلى خبراء في الشؤون الأمنية والاستخباراتية.. هذا يتهم القاعدة وزعيمها بن لادن، وذاك يقسم بالأيمان المغلظة أن الأصابع الخفية للموساد والـ CIA هي التي تحركت تحت جنح ظلام دامس فأحدثت تلك المفاجأة المرعبة صبيحة ذلك اليوم الأسود المسمى الحادي عشر من سبتمبر.

وضاعت وسط كل هذا الضجيج أصوات العقلاء الذين لم يحجب عنهم غبارُ برجي مركز التجارة المنهارين ولا دهشة التدمير الجزئي الذي لحق بالبنتاغون، النظر إلى خلفيات الحادث ومسبباته وتداعياته الثقافية وتحليل ركام الكراهية والعداء الذي تكنه الكثير من شعوب العالم للولايات المتحدة وسياستها، وتأثير هذا الحادث في المجتمع الأميركي وتبعات شعور مواطنيه بالأمن المفقود داخل أقوى دولة عظمى في العالم.

ولم يستمع الكثيرون ممن لا يزالون يسعون للبحث عن الفاعل إلى أصوات من يحذرون من استغلال الحادث في تكريس تلك المقولة المشبعة برائحة الدم الداعية إلى صدام الحضارات وتغيير خريطة الجغرافيا السياسية في الكثير من مناطق العالم الحساسة.

صحيح أن الحادث كان فرصة للمخططين الإستراتيجيين الأميركيين لإعادة ترتيب أحجار كثيرة كانت قد تبعثرت بين أيديهم على رقعة شطرنج السياسات الخارجية في السنوات الماضية، فبدأ الترتيب في أفغانستان ويتجه الآن صوب العراق وإيران وسوريا ولبنان وباكستان وربما يمتد إلى المملكة العربية السعودية وغيرها من البلدان التي كانت تظن أن علاقتها بواشنطن من القوة والصلابة بحيث تقاوم كل عوامل التعرية.. هذا كله صحيح لكن من غير المعقول ألا تقاوم هذه الدول ما يمس أمنها ويهدد حاضرها ومستقبلها تحت وهم أن المخططات الأميركية في هذا النظام الدولي الجديد قدر محتوم لا فكاك منه ولعنة ستحل بمن تريد سواء أكان موجودا على ظهر الأرض أم اختبأ في باطنها.

عام كامل مر على ذلك الزلزال بأحداثه وشخصياته، وكلما مرت شهوره وظن الناس أنهم قد استراحوا جاءتهم من جديد توابعه لتذكرهم أن استعادة الهدوء والاستقرار على ظهر هذا الكوكب المسكين بات مطلبا عزيز المنال رغم كل ما كتب وكثرة ما أذيع.