تجمع للمسلمين في إندونيسيا

بقلم د. حمدي عبد الرحمن*
اكتسب مؤتمر القمة الإسلامي التاسع الذي عقد في الدوحة في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي أهمية بالغة، وذلك لعدد من الاعتبارات والمتغيرات الإقليمية والدولية، إضافة إلى التحديات التي تواجه العالم الإسلامي. ومن ذلك ما يلي:

أولاً: أنها تمثل أول اجتماع لقادة الدول الإسلامية في الألفية الثالثة من الميلاد، ومن ثم تواجهها تحديات جسام في عصر العولمة وتكنولوجيا المعلومات والتكتلات الاقتصادية الكبرى. وكل ذلك يفرض ضرورة إعادة النظر في مسألة إصلاح المنظمة بما يؤدي إلى تفعيل دورها في قضايا تضامن وتنمية العالم الإسلامي.


مثلت قمـة الدوحة التاسعة أول اجتماع لقادة الدول الإسلامية فـي الألفيـة الثالثة مـن الميلاد، ومن ثم تواجهها تحديات جسام فـي عصر العولمة وتكنولوجيا المعلومات والتكتلات الاقتصادية الكبرى

ثانياً: منظمة المؤتمر الإسلامي بحاجة إلى إعادة تقويم خبرتها السابقة في مجال الأمن الجماعي والتسوية السلمية للمنازعات بين الدول الأعضاء. فالاتجاه العام الذي سيطر على موقف المنظمة هو الابتعاد عن النزاعات العربية والأفريقية وتركها للمنظمات الدولية المعنية مثل الأمم المتحدة ومنظمة الوحدة الأفريقية وجامعة الدول العربية. ولعل حالة الحرب العراقية الإيرانية تؤكد هذا الاتجاه. والشيء ذاته ينطق -وبدرجة أكثر وضوحا- على مسألة الاحتلال العراقي لدولة الكويت.

ثالثاً: دخلت القضية المحورية التي ارتبطت بنشأة وتطور منظمة المؤتمر الإسلامي -وهي قضية فلسطين والقدس الشريف- منعطفا هاما وخطيراً، ولاسيما بعد أن جاءت نتائج اجتماعات "كامب ديفد الثانية" مخيبة للآمال، واندلاع انتفاضة الأقصى. ومعنى ذلك أن الدبلوماسية الإسلامية الجماعية لا تزال مطالبة أكثر من أي وقت مضى بالتفكير في مستقبل التسوية السلمية للقضية الفلسطينية، وذلك على ضوء أمرين هامين ومتلازمين:

أولهما: يشير إلى استمرار تفاقم الخلل في التوازن الاستراتيجي لصالح إسرائيل. وثانيهما: يتمثل في تكريس حقائق إسرائيلية جديدة على أرض الصراع، وذلك مع استمرار الهجرة اليهودية من الخارج، وحركة الاستيطان اليهودي في الأراضي الفلسطينية، والمحاولات الصهيونية الدؤوبة لتهويد مدينة القدس الشريف.

رابعاً: فرضت التحولات التي شهدها النظام الدولي خلال العقدين الأخيرين من القرن العشرين آثارا وانعكاسات هامة على مستوى التفاعلات والعمليات التي تثور -بدرجة أو بأخرى من الكثافة- على مستوى النظم الفرعية في العالم الإسلامي. ومن ذلك:
   1- قضية التحول الديمقراطي والإصلاحات السياسية التي شهدتها بعض الدول الإسلامية.
   2- قضايا الأمن ولاسيما التسلح النووي والقيود المفروضة من قبل النظام الدولي على تسلح الدول الإسلامية بأسلحة الدمار الشامل.
   3- الأنماط الجديدة من الصراعات الإقليمية وسبل إدارتها، مثال ذلك الصراعات في القرن الأفريقي وشمال القوقاز والبلقان.
   4- قضية الروابط مع النظام الرأسمالي العالمي في ظل هيمنة نموذج اقتصاد السوق. وهنا يطرح التساؤل حول موضوع النموذج الإسلامي في التنمية. وليس بخافٍ أن كل هذه التحولات والتغيرات تحتاج إلى وجود تفكير استراتيجي إسلامي واضح المعالم يتجاوز الخلافات الجزئية وينظر في تحديات البقاء والوجود التي تجابهه.

وبغض النظر عن كل ما يوجه إلى منظمة المؤتمر الإسلامي من انتقادات ومثالب، فإن قدرتها على الصمود وسط التغيرات والتطورات المتلاحقة التي عصفت بالنظام الدولي تعد من الأمور الإيجابية التي تحسب لها، فقد التأمت القمة الإسلامية في تسع دورات بالإضافة إلى القمة الاستثنائية التي عقدت في إسلام آباد عام 1997 بمناسبة مرور نصف قرن على تأسيس دولة باكستان، كما أن وزراء خارجية الدول الأعضاء في المنظمة عقدوا ثمانية وعشرين اجتماعا كان آخرها الاجتماع الوزاري الذي عقد في الدوحة في تشرين الثاني/ نوفمبر من العام الحالي.

وأيا كان الأمر فإن المنظمة انشغلت في اجتماعاتها المختلفة بجملة من القضايا المحورية والأساسية التي تهم العالم الإسلامي، وسوف نشير في هذه الدراسة إلى أبرز هذه القضايا:
- فلسطين
- جامو وكشمير
- أفغانستان
- البلقان
- العراق
- الشيشان

وذلك من خلال التعرف على الجهود المختلفة التي بذلتها المنظمة في سبيل التوصل إلى تسوية سلمية لهذه القضايا.

فلسطين
لا مراء  في أن القضية الفلسطينية وتطوراتها المختلفة قد مثلت محور نشاط منظمة المؤتمر الإسلامي منذ إنشائها. ولعل ذلك يتسق مع حقيقة نشأة هذه المنظمة ذاتها والتي جاءت رد فعل إسلامي لواقعة الاعتداء على حرمة المسجد الأقصى المبارك من جانب حفنة من المتطرفين اليهود في 21 أغسطس/ آب 1969. وقد اختص ميثاق منظمة المؤتمر الإسلامي فلسطين بهدف مستقل عندما ذكر في مادته الثانية فقرة أ/5 ما نصه "تنسيق العمل من أجل الحفاظ على سلامة الأماكن المقدسة وتحريرها، ودعم كفاح الشعب الفلسطيني ومساعدته على استرجاع حقوقه وتحرير أراضيه"، ولعل ذلك يعكس بجلاء مدى الأهمية الكبرى التي توليها الدبلوماسية الإسلامية الجماعية للقضية الفلسطينية.


الدبلوماسية الإسلامية الجماعية لا تزال مطالبة أكثر من أي وقت مضى بالتفكير في مستقبل التسوية السلمية للقضية الفلسطينية

ويمكن التمييز في سياق نشاط وجهود المنظمة تجاه القضية الفلسطينية بين مستويين أساسيين:
أولهما: قضية القدس الشريف.
ثانيهما: القضية الفلسطينية في عمومها ولاسيما ما يتعلق بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وهو ما سوف نورده بشيء من التفصيل.

قضية القدس الشريف 
ليس بخافٍ أن منظمة المؤتمر الإسلامي ما فتئت تنظر إلى قضية القدس باعتبارها جوهر القضية الفلسطينية ومحور الصراع العربي الإسرائيلي. ويمكن التدليل على هذا الموقف من خلال أمرين هامين:
الأول: يرتبط بالطبيعة العقدية لمنظمة المؤتمر الإسلامي، حيث جعلت من بين أهدافها -كما سلف القول- المحافظة على حرمة الأماكن المقدسة في فلسطين.
الثاني: يرتبط بحقيقة أن قضية القدس قد مثلت وباتفاق الباحثين الموضوع الأساسي الذي اتفقت عليه كلمة الدول الأعضاء دوماً ولو على المستوى الرسمي.

وقد اتسم موقف المنظمة على صعيد التحرك  الدبلوماسي بالقوة والتأكيد على الحقوق العربية والإسلامية المشروعة في الأماكن المقدسة في مدينة القدس، بل إننا لا نجافي الحقيقة إذا قلنا إن جميع المؤتمرات الإسلامية التي عقدت في إطار المنظمة سواء على مستوى القمة أو على مستوى وزارة الخارجية قد أشارت في بياناتها الختامية إلى قضية القدس.

انتفاضة الأقصى

فالبيان الختامي للقمة الإسلامية الأول في الرباط عام 1969 تضمن النص على أن حكومات الدول الإسلامية وشعوبها قد ".. عقدت العزم على رفض أي حل للقضية الفلسطينية لا يكفل لمدينة القدس وضعها السابق لأحداث يونيو/ حزيران 1967 ".

وعلى صعيد آخر جاءت القمة الإسلامية الثالثة المنعقدة في مكة المكرمة والطائف عام 1981 تحت شعار "دورة فلسطين والقدس الشريف". وقد اشتمل البيان الختامي لهذا المؤتمر على نص خاص بالقدس الشريف وهو ما تم التعبير عنه في البندين 14 و15 على النحو التالي:
   1- الالتزام بتحرير القدس العربية لتكون عاصمة للدولة الفلسطينية.
   2- استعمال جميع القدرات الاقتصادية والموارد الطبيعية للدول الإسلامية من أجل إضعاف الاقتصاد الإسرائيلي، وإيقاف ما تحصل عليه إسرائيل من دعم مالي واقتصادي وسياسي، والعمل على تغيير المواقف السياسية الدولية لصالح الشعب الفلسطيني ودعم منظمة التحرير الفلسطينية.

وقد استمر هذا الموقف العام للمنظمة ثابتا وراسخا في جميع مؤتمرات القمة الإسلامية التالية، ففي البيان الختامي للدورة الثامنة لمؤتمر القمة الإسلامي المنعقدة في طهران في ديسمبر/ كانون الأول 1997 تم التأكيد على إدانة استمرار احتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية والعربية الأخرى ومن بينها القدس الشريف والجولان السوري وجنوب لبنان. كما تمت إدانة الممارسات الإسرائيلية الهادفة إلى تغيير الوضع السكاني والجغرافي لمدينة القدس. وبنفس الطريقة أكد البيان الختامي لقمة المؤتمر الإسلامي التاسع في الدوحة على إنهاء القمع الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني الأعزل.

أما على صعيد التحرك التنظيمي والمؤسسي فقد اتجهت جهود المنظمة صوب إنشاء عدد من الأجهزة التي استهدفت تحقيق التعاون والتنسيق مع الجهات والمنظمات الدولية الأخرى صاحبة الشأن، ويأتي في مقدمة هذه الأجهزة لجنة القدس والصندوق الخاص بها.

لجنة القدس
صدر القرار الخاص بإنشاء لجنة القدس عن المؤتمر السادس لوزارء الخارجية للدول الإسلامية الذي انعقد بجدة في يوليو/ تموز 1975م. وتتكون اللجنة من ممثلين عن 15 دولة عضواً في المنظمة يتم انتخابهم بواسطة المؤتمر الوزاري لمدة ثلاث سنوات. وقد تحددت اختصاصات هذه اللجنة في الأمور التالية:
    1- دراسة الوضع العام للمدينة.
    2- متابعة تنفيذ قرارات مؤتمرات وزارء الخارجية ذات الصلة.
    3- الاتصال بالمنظمات الدولية الأخرى للتنسيق معها بشأن حماية المدينة المقدسة.
    4- متابعة القرارات المختلفة الصادرة عن الهيئات الدولية بشأن القدس.
    5- تقديم المقترحات للدول الأعضاء وللمنظمات الدولية المعنية بالأمر فيما يختص بالخطوات المناسبة التي يجب اتخاذها لضمان تنفيذ القرارات المشار إليها.

صندوق القدس
صدر القرار الخاص بإنشاء صندوق القدس عن مؤتمر وزراء الخارجية الإسلامي السابع الذي انعقد في العاصمة التركية إستانبول في مايو/ أيار 1976م. ويعمل هذا الصندوق تحت إشراف كل من لجنة القدس والأمانة العامة للمنظمة، ويسعى إلى تحقيق الأهداف التالية:
    1- المحافظة على الطابع العربي والإسلامي لمدينة القدس.
    2- مساعدة الشعب العربي في القدس ودعم المقاومة الفلسطينية داخل الأراضي المحتلة.
    3- التصدي لسياسات التهويد والاستيطان التي تنتهجها سلطات الاحتلال الإسرائيلية.
    4- العمل على إعمار المسجد الأقصى.

القضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي
ظلت قضايا الصراع العربي الإسرائيلي بتداعياتها المختلفة تمثل دوما أحد الموضوعات الرئيسية على قائمة أعمال منظمة المؤتمر الإسلامي سواء على مستوى القمة أو المستوى الوزاري. ويمكن إبراز موقف المنظمة في هذا الخصوص من خلال الإشارة إلى الأمور التالية:
    1- دعم المنظمة لحركة المقاومة الفلسطينية والتأكيد على شرعية منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني.
    2- قبول منظمة التحرير الفلسطينية عضوا كامل العضوية في منظمة المؤتمر الإسلامي في فبراير/ شباط 1974 وذلك خلال القمة الإسلامية الثانية التي عقدت في لاهور. وبهذا الموقف تكون المنظمة قد سبقت جامعة الدول العربية التي لم تمنح منظمة التحرير الفلسطينية هذه الصفة إلا في عام 1976.
    3- رفضت المنظمة دوماً الحلول السلمية المنفردة مع إسرائيل، وهو ما دفعها إلى تجميد عضوية مصر عقب قيامها بتوقيع اتفاقية سلام مع إسرائيل عام 1979. على أن عودة مصر إلى المنظمة عام 1984 لم يمنع هذه الأخيرة من التأكيد على موقفها الرافض لمبدأ الحلول الانفرادية مع إسرائيل.

ومن الملاحظ أن المنظمة خلال السبعينات والستينات ساندت إعلان الجهاد المسلح لتحرير الأراضي العربية المحتلة في فلسطين، فقد قرر المؤتمر الوزاري الثالث (1973) إنشاء صندوق لدعم الثورة الفلسطينية وتم تخصيص مساعدات مالية وعينية سنوية لدعم نضال الشعب الفلسطيني. وما فتئت المؤتمرات الإسلامية اللاحقة على اختلاف مستوياتها تشير إلى قضية الجهاد المقدس لتحرير القدس والأراضي الفلسطينية المحتلة.

بيد أن أعوام التسعينات شهدت تحولا ملحوظا في موقف منظمة المؤتمر الإسلامي، وذلك اتساقا مع التطورات التي شهدتها عملية التسوية السلمية للصراع العربي الإسرائيلي، حيث أكدت على ضرورة إيجاد حل سلمي عادل وشامل للقضية الفلسطينية. وعلى سبيل المثال فقد رحب مؤتمر القمة الإسلامية السابع المنعقد في الدار البيضاء عام 1994 بالاتفاقات التي تم عقدها فى إطار "مسيرة السلام"، استناداً إلى قرارات الشرعية الدولية ومبدأ الأرض مقابل السلام. وفي المؤتمر الوزاري لمنظمة المؤتمر الإسلامي الذي عقد في كوالالمبور في يونيو/ حزيران 2000 تم الإعلان فى ختام المؤتمر عن "نداء القدس" الذي يؤكد أن قيام الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف تشكل القاعدة الأساسية لإحلال السلام الدائم في الشرق الأوسط. كما أكد المؤتمر دعمه الكامل لعملية السلام وتنفيذ جميع الاتفاقات  -في هذا الإطار - التي انطلقت على أسس مؤتمر مدريد ومبدأ الأرض مقابل السلام وقراري مجلس الأمن (242) و(338). ودعا بيان المؤتمر دول العالم الإسلامي إلى الاعتراف بدولة فلسطين عند الإعلان عنها على الأراضي الفلسطينية وتقديم جميع أشكال الدعم للشعب الفلسطيني.

جامو وكشمير
على الرغم من أن ميثاق منظمة المؤتمر الإسلامي لم يشر إلى مفهوم الأقليات الإسلامية، فإن المادة الثانية فقرة أ/6 تؤكد على "دعم كفاح جميع الشعوب الإسلامية في سبيل المحافظة على كرامتها واستقلالها وحقوقها الوطنية. ومع ذلك فإن هذه القضية بالغة الحساسية بالنسبة للدبلوماسية الإسلامية الجماعية لكونها تثير مسألة التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وهو ما يفسر إحجام المؤتمر الوزاري الإسلامي الثامن عن تأسيس إدارة خاصة بالأقليات المسلمة.


أكد ميثاق منظمـة المؤتمر الإسلامـي دعمها لكفاح جميـع الشعـوب الإسلامية في سبيل المحافظـة علـى كرامتها واستقـلالها  وحقوقهـا الوطنية

صحيح أن المؤتمر الوزاري اللاحق الذي عقد عام 1978 قد وافق على تأسيس هذه الإدارة، ولكن تحت مسمى آخر هو "إدارة الجاليات المسلمة في الدول غير الأعضاء" تكون مهمتها توفير البيانات والمعلومات والإحصاءات عن هذه الجاليات، وتنظيم الاتصالات بها ورعاية شؤونها في إطار احترام ارتباطها بالدول التي تنتمي إليها.

والملفت للنظر حقا أنه بينما اهتمت منظمة المؤتمر الإسلامي منذ إنشائها بقضايا الأقليات والجاليات المسلمة في العالم مثل مسلمي الفلبين وقبرص، لم تظهر الاهتمام ذاته بأوضاع مسلمي الهند عامة إلا في وقت متأخر نسبيا. ومن المعلوم أن الأمم المتحدة تعترف بحق شعب جامو وكشمير في تقرير المصير منذ عام 1948م، إلا أن الهند ضربت بقرارات الشرعية الدولية عرض الحائط وادعت بأن كشمير جزء لا يتجزأ من الأراضي الهندية وعملت على تكريس احتلالها لكشمير. وليس بخاف أن نزاع جامو وكشمير يشكل جوهر القضية التي تؤدي دوما إلى توتر العلاقات الهندية الباكستانية، وهو الأمر الذي دفع كلا البلدين إلى إجراء تجارب نووية.

وقد أبدت اجتماعات القمة الإسلامية اهتماما واضحا بقضية كشمير منذ بداية أعوام التسعينات، ففي المؤتمر الوزاري الإسلامي التاسع (1991)  تمت الدعوة إلى إيجاد تسوية سلمية للنزاع في جامو وكشمير، طبقاً لما أصدرته الأمم المتحدة من قرارات ذات صلة ولما نصت عليه اتفاقية "شملا" من الهند وباكستان. وقد ندد المؤتمر بالحملات التعسفية الواسعة النطاق والموجهة ضد حقوق الإنسان في كشمير، ودعا إلى احترام هذه الحقوق بما فيها حق تقرير المصير. ويلاحظ من صياغة هذا البيان الختامي أن المنظمة تتبنى سياسة مزدوجة إزاء هذه القضية الحساسة، حيث إنها ناشدت في الوقت نفسه الحكومة الهندية السماحَ للجان حقوق الإنسان والمنظمات الإنسانية بزيارة جامو وكشمير. ولكون باكستان تتمتع بعضوية منظمة المؤتمر الإسلامي، فقد أعربت المنظمة عن استعدادها لإرسال بعثة مساع حميدة لتخفيف حدة التوتر بين البلدين.

وتجدر الإشارة إلى أن وثائق منظمة المؤتمر الإسلامي لا تشير قط إلى شعب جامو وكشمير باعتباره شعبا مسلما وكفى. وربما يعزى ذلك إلى أمرين هامين أولهما ينبع من خصوصية المشكلة التي لا يمكن اعتبارها فقط مشكلة أقلية مسلمة في دولة ذات أغلبية غير مسلمة. أضف إلى ذلك فإن الإقليم تم ضمه إلى الهند باستخدام القوة المسلحة، وهذا يعطي سكانه بغض النظر عن انتمائهم العقدي حق تقرير المصير.

ويرتبط الأمر الثاني بطبيعة مرحلة ما بعد الحرب الباردة، حيث تسعى المنظمة إلى اعتبار قضية جامو وكشمير ذات طابع إنساني عام، وهو ما يستأهل دعم المجتمع الدولي.

وإذا كان موقف المنظمة إزاء القضية الكشميرية ظل ثابتا لا يبرز حرجاً، فإن المؤتمر الوزاري الإسلامي الحادي والعشرين أولى القضية اهتماما بالغا، فقد قدم السكرتير العام تقريرا مطولا عن الموقف في جامو وكشمير، انتهى المؤتمر إلى إقراره وتأييده. ومع ذلك  لم يطرأ جديد على موقف المنظمة سوى أنها واصلت مساعيها الهادفة لدعم حق تقرير المصير للشعب الكشميري بموجب قرارات الأمم المتحدة.

وبهذا الخصوص برز دور فريق الاتصال بشأن جامو وكشمير الذي استحدثته الدورة الاستثنائية السابعة للمؤتمر الإسلامي لوزراء الخارجية والتي عقدت بإسلام آباد في سبتمبر/ أيلول 1994م، فقد عقد فريق الاتصال هذا عددا من الاجتماعات على المستوى الوزاري على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك، وعلى هامش دورة لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة بجنيف، وذلك بغية لفت أنظار المجتمع الدولي إلى الانتهاكات الواسعة النطاق التي تقوم بها السلطات الهندية في جامو وكشمير، وللإعراب عن تأييد الكفاح الكشميري من أجل الحصول على حق تقرير المصير على أساس قرارات مجلس الأمن الدولي. وقد أكد مؤتمر القمة الإسلامي الثامن الذي عقد في طهران في ديسمبر/ كانون الأول 1997 جميع أحكام القرارات الإسلامية بشأن جامو وكشمير، ودعا في هذا الصدد إلى إيجاد تسوية سلمية لهذه القضية تتفق مع قرارات الأمم المتحدة ذات العلاقة على نحو ما تم التوصل إليه في اتفاق "شملا".

وأيا كان الأمر فإن جهود منظمة المؤتمر الإسلامي ركزت على أن للمشكلة الكشميرية جانبين متشابكين وهما: الاستمرار في حرمان شعب كشمير من حقه الأساسي في تقرير المصير بموجب قرارات الأمم المتحدة، والانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان الكشميري.

واتساقا مع ما تقدم يمكن القول إن إصرار منظمة المؤتمر الإسلامي على القيام بدور فاعل في تسوية المشكلة الكشميرية من خلال مساعيها الدبلوماسية الحميدة في الوقت الذي تؤكد فيه على مسؤولية الأجهزة الدولية ذات العلاقة بالمشكلة، إنما يعكس رغبة المنظمة في العمل ضمن إطار المنظومة الدولية الجديدة في مرحلة ما بعد الحرب الباردة.

أفغانستان
أصبحت القضية الأفغانية على جدول أعمال منظمة المؤتمر الإسلامي منذ غزو القوات السوفييتية الأراضي الأفغانية في ديسمبر/ كانون الأول 1979 وتنصيب حكومة موالية في كابول. واستنادا إلى المادة الثانية فقرة أ/6 من الميثاق عملت المنظمة على حماية استقلال وكرامة الشعب الأفغاني، وعليه فقد عقد في إسلام آباد في يناير/ كانون الثاني 1980 أول اجتماع وزاري إسلامي استثنائي لمناقشة قضية الغزو السوفييتي لأفغانستان.

ويتضح الموقف العام للمنظمة كما أظهرته هذه الدورة غير العادية من خلال الإعلان عن:
   1- إدانة الاعتداء العسكري السوفييتي على الشعب الأفغاني والمطالبة بانسحاب كل القوات السوفييتية من أفغانستان فورا دون قيد أو شرط. 
   2- تجميد عضوية أفغانستان في منظمة المؤتمر الإسلامي ومطالبة الدول الأعضاء بالامتناع عن الاعتراف بالنظام غير الشرعي في أفغانستان وقطع العلاقات الدبلوماسية معه.
   3- وقف كل أشكال المساعدات والدعم للحكومة الأفغانية حتى يتم انسحاب القوات السوفييتية بالكامل من أفغانستان.


دعت قمة المؤتمر الإسلامـي الثامن إلى المراعاة التامة لسيادة أفغانستـان ووحـدة أراضيـها واستقلالها وهويتـها الإسلامية وكذلك عدم التدخل في شؤونها الداخليـة

وعلى الرغم من جهود المنظمة غير المنكرة في إدانة العدوان السوفييتي على أفغانستان، وتشكيل لجنة من الأمين العام ووزراء خارجية باكستان وإيران للبحث عن سبل تسوية الأزمة الأفغانية، وذلك خلال المؤتمر الوزاري الحادي عشر المنعقد في إسلام آباد في مايو/ أيار 1980م، فإن تباين مواقف الدول الأعضاء إزاء الاتحاد السوفييتي دفع إلى أمرين:
أولهما: لم تتبن المنظمة أي قرار بقطع العلاقات الدبلوماسية مع الاتحاد السوفييتي وإنما اقتصر الأمر عند حد الإدانة والاستنكار.
ثانيهما: لم يتم الاعتراف بالمجاهدين الأفغان ولم يتم منحهم حق تمثيل أفغانستان طوال فترة الاحتلال السوفييتي.

وبعد الانسحاب السوفييتي من أفغانستان استمرت القضية الأفغانية على أجندة القمة الإسلامية والمؤتمرات الوزارية، وذلك للتأكيد بصورة أساسية على دور المجاهدين الأفغان في إعادة إعمار البلاد وعودتها إلى مكانتها الدولية السابقة. وقد استمرت منظمة المؤتمر الإسلامي في تركيز جهودها على تعزيز السلام والاستقرار من خلال تشجيع الوحدة والوفاق والمصالحة بين جميع شرائح المجتمع الأفغاني. وإزاء تعقد الموقف في الأزمة الأفغانية دعت المنظمة أمينها العام لمراقبة تطور الأوضاع في أفغانستان والقيام بمساعيه الحميدة متى طلب منه ذلك. ومن جهة أخرى أكدت المنظمة على حق الشعب الأفغاني في اختيار حكومته دون أي ضغط أو إكراه أو تدخل خارجي.

وقد أكد مؤتمر القمة الإسلامي الثامن المنعقد بطهران على جميع القرارات السابقة التي تم اتخاذها بشأن أفغانستان، وأعرب عن قلقه العميق إزاء استمرار الصراع الدموي بين الإخوة في أفغانستان وركز على ضرورة تشجيع المصالحة الوطنية والتقارب وتكوين حكومة ذات قاعدة عريضة وحل المجموعات المسلحة وتكوين جيش وطني وقوة للشرطة. كما دعا المؤتمر إلى المراعاة التامة لسيادة أفغانستان ووحدة أراضيها واستقلالها وهويتها الإسلامية وكذلك عدم التدخل في شؤونها الداخلية. وأكد المؤتمر على ضرورة إنشاء صندوق تحت رعاية منظمة المؤتمر الإسلامي لمساعدة الشعب الأفغاني.

ظروف التعليم في ظل الحرب الأفغانية
وعليه يمكن القول بأن الموقف العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي من القضية الأفغانية يتمثل في الآتي:
   1- التأكيد على عدم وجود حل عسكري للأزمة الأفغانية ودعوة كافة الأطراف إلى وقف فوري وغير مشروط لإطلاق النار.
   2- دعوة جميع الدول للتوقف فورا عن إمداد جميع أطراف النزاع في أفغانستان بالأسلحة والذخائر.
   3- إنشاء صندوق تحت رعاية منظمة المؤتمر الإسلامي لمساعدة شعب أفغانستان.
   4- التعاون الوثيق مع الأمم المتحدة من أجل تحقيق تسوية سلمية في أفغانستان.

منطقة البلقان
من المعلوم أن البلقان ليست برمتها منطقة إسلامية، وإنما تشتمل على كيانات وجاليات إسلامية كبيرة مثل البوسنة وكوسوفا وألبانيا، فضلا عن الأقليات المسلمة في مقدونيا واليونان وبلغاريا. وفي ظل النسيج الإثني والديني والقومي بالغ التعقيد في منطقة البلقان والذي ترك بصماته على تاريخها وسياستها في أوروبا وشكل علاقاتها مع الدول الأخرى والقوى المجاورة، فإن القضايا التي أثارتها التفاعلات الدولية في المنطقة انقسمت إلى قسمين أساسيين يرتبط أولهما بمشاكل الهوية والانتماء القومي، في حين يتعلق الثاني بمشاكل إعادة ترسيم خريطة البلقان في ظل تفكك اتحاد الجمهوريات اليوغسلافية السابق.

حالة البوسنة والهرسك
أظهرت منظمة المؤتمر الإسلامي اهتماما ملحوظا بقضية البوسنة والهرسك حتى قبل العدوان الصربي عليها في أبريل/ نيسان 1992. ففي المؤتمر الوزاري العشرين المنعقد في أغسطس/ آب 1991 سمح لممثل الجماعات المسلمة في يوغسلافيا بالتحدث أمام المؤتمر لشرح الموقف. على أن هذا الاهتمام الإسلامي بقضية البوسنة والهرسك اتخذ مضمونا سياسيا فعالا بعد ذلك، حيث بحثت هذه القضية في مؤتمرات متتالية واتخذت بصددها قرارات عديدة، فقد قرر المؤتمر الاستثنائي لوزراء الخارجية الذي عقد في إسطنبول سنة 1992 إنشاء لجنة تعنى بشؤون البوسنة والهرسك، كما قرر إقامة برنامج مشترك بين منظمة المؤتمر الإسلامي والبنك الإسلامي للتنمية من أجل توفير مساعدات إنسانية وإعمارية لحكومة وشعب جمهورية البوسنة والهرسك، وناشد الدول الأعضاء والمؤسسات الإسلامية ومحبي الخير تقديم تبرعات سخية لهذا الغرض، وأوصى الدول الأعضاء بتخصيص يوم للتضامن مع الشعب البوسني وتنظيم حملات خاصة لجمع الأموال على المستوى الوطني لمساعدته.


أكدت منظمـة المؤتمر الإسلامي دورهـا في توفير الدعـم الأخلاقـي والدبلوماسـي لشعب البوسنـة، بمطالبتها للأمم المتحدة باتخاذ التدابيـر اللازمـة لحمايـة اسـتقلال وسيادة جمهورية البوسنة

ومن الملاحظ أن منظمة المؤتمر الإسلامي طالبت مرارا الأمم المتحدة بضرورة اتخاذ كافة التدابير اللازمة –بما فيها العسكرية– لحماية استقلال وسيادة جمهورية البوسنة والهرسك وردع العدوان الصربي عليها، بما يعني ذلك بعبارة أخرى أن المنظمة الإسلامية أكدت على دورها في توفير الدعم الأخلاقي والدبلوماسي لشعب البوسنة. وتأكيدا على هذا الدور خصص البنك الإسلامي للتنمية برنامجا للمساعدة في إعمار البوسنة، كما تم تشجيع الدول الأعضاء على تقديم المساعدات الإنسانية والاقتصادية والقانونية والدفاعية للبوسنة والهرسك.

وعلى الرغم من هذه الجهود الإنسانية والدبلوماسية التي قامت بها منظمة المؤتمر الإسلامي فإن ثمة ملاحظتين أساسيتين تبرزان في هذا السياق:
أولاهما: أنه لا يمكن التقليل من أثر الدعم الدبلوماسي الذي وفرته منظمة المؤتمر الإسلامي لقضية البوسنة والهرسك، إذ أفضى ذلك إلى قبول البوسنة عضوا في الأمم المتحدة، وساعد من  جهة أخرى في تبني مجلس الأمن قرار فرض الحظر الاقتصادي على جمهوريتي الصرب والجبل الأسود.
ثانيتهما: تتمثل في استعداد المنظمة لتوفير المساعدة العسكرية، وذلك استنادا إلى خبرة التدخل العسكري في أزمة الخليج الثانية تحت غطاء الشرعية الدولية.

بيد أن  نقطة التحول الأساسية في جهود منظمة المؤتمر الإسلامي جاءت في أثناء انعقاد المؤتمر الوزاري الإسلامي الحادي والعشرين في أبريل/ نيسان 1993 حينما تم توجيه انتقاد لاذع للجهود الدولية الرامية لتسوية مشكلة البوسنة، ولا سيما تقاعس المنظمات الدولية عن استخدام القوة العسكرية ضد القوات الصربية، بالإضافة إلى قيام الأمم المتحدة بفرض حظر على الأسلحة التي تستوردها حكومة البوسنة.

وبعد إقرار اتفاق دايتون في نوفمبر/ تشرين الثاني 1995 والذي أنهى الحرب رسميا في البوسنة، ظلت قضية البوسنة على أجندة اجتماعات منظمة المؤتمر الإسلامي تأكيداً على الأمور التالية:

إحدى ضحايا الحرب في البوسنة

   1- التأكيد على الوحدة الإقليمية والسيادة لدولة البوسنة والهرسك ضمن حدودها المعترف بها دوليا.
   2- دفع عملية التنفيذ الفعال والبناء والحيادي لاتفاقية دايتون للسلام.
   3- حث المجتمع الدولي على تنفيذ برنامج الإعمار الشامل للبوسنة وذلك لضمان نجاح العملية السلمية.
   4- التأكيد على أهمية حماية حرية الحركة في كل أنحاء البلاد وعودة اللاجئين والمشردين إلى ديارهم.
   5- اتخاذ التدابير اللازمة لإلقاء القبض على جميع المتهمين بجرائم الحرب.

ومن الواضح أن الموقف العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي ظل ثابتا إزاء تدعيم المسيرة السلمية في البوسنة وإقامة دولة ذات سيادة وديمقراطية ومتعددة الأعراق والأديان.

حالة كوسوفو
تطرح مشكلة كوسوفو التي تفجرت في أواخر عام 1997 ليس فقط سعي أقلية قومية تطالب بالاستقلال والانفصال، وإنما تعبر أيضا عن نزاع معقد وطويل الأمد بين أكبر شعبين في غرب البلقان: الصرب والألبان.

من آثار الحرب في كوسوفو

وقد كانت كوسوفو التي يبلغ عدد سكانها 2,1 مليون نسمة 90 % منهم من المسلمين الألبان، تتمتع بحكم ذاتي في يوغسلافيا طبقا لدستور 1974. على أن تنامي النزعة القومية الصربية المطالبة بتوحيد "صربيا الكبرى" نجحت في إلغاء الحكم الذاتي لكوسوفو عام 1989. وفي المقابل فإن الألبان الذين يطرحون شعار "كوسوفا جمهورية" ردوا على الإجراء الصربي بإعلان الاستقلال والجمهورية عام 1990، ومنذ ذلك الحين نشأت وضعية بالغة التعقيد في الإقليم.

وقد أدرجت قضية كوسوفو على جدول أعمال مؤتمر القمة الإسلامي الثامن، حيث أدان المؤتمر وبكل شدة أعمال القمع والتمييز العنصري وانتهاكات حقوق الإنسان التي تقترفها سلطات جمهورية يوغسلافيا الاتحادية وعلى نطاق واسع ضد الشعب الألباني الأعزل. ودعا المؤتمر المجتمع الدولي إلى اتخاذ التدابير اللازمة لوضع حد لانتهاكات حقوق الإنسان ضد الألبان في كوسوفو فورا، وإلغاء التشريعات التمييزية وخاصة تلك التي طبقت منذ سنة 1989م.


دعت منظمـة المؤتمـر الإسلامـي المجتمع الدولـي إلى اتخــاذ التدابيـــر اللازمـة لوضع حـد لانتهاكــات حقوق الإنسـان ضد الألبان فـي كوسوفـا فورا وإلغـاء التشريعـات التمييزية

وتابعت منظمة المؤتمر الإسلامي مفاوضات السلام حول كوسوفو والتي عقدت في مدينة رامبويه الفرنسية خلال شهري فبراير/ شباط ومارس/ آذار 1999م، وأيدت مشروع السلام الذي اقترحته القمة والقاضي بقيام حكم ذاتي لإقليم كوسوفو. وبعد قرار حلف شمال الأطلسي توجيه ضربات عسكرية جوية على يوغسلافيا في مارس/ آذار 2000 دخلت قضية كوسوفا منعطفا جديدا، إذ لم تعد مجرد قضية أقلية مسلمة راغبة في الانفصال، وإنما أصبحت ترتبط ارتباطا مباشرا بالأمن الأوروبي برمته وبالتوازنات الإقليمية والعالمية في مرحلة ما بعد الحرب الباردة.

وأيا كان الأمر فإن منظمة المؤتمر الإسلامي أولت كوسوفو ومنطقة البلقان اهتماما خاصا، فإضافة إلى كونها على أجندة اجتماعات المنظمة دوما، نجد أن فريق الاتصال المنبثق عن المنظمة والخاص بمنطقة البلقان ما فتئ يسعى حثيثا من أجل تعبئة الجهود لتحقيق السلام والآمال في كل من البوسنة وكوسوفو.

العـراق
إن متابعة جهود منظمة المؤتمر الإسلامي في تسوية النزاع العراقي الكويتي والآثار المترتبة على غزو العراق للكويت في أغسطس/ آب 1991م، تظهر التقليد الذي سيطر على المنظمة منذ إنشائها والذي يقضي بعدم تدخلها النشيط في النزاعات العربية البينية.

طفل عراقي أصيب في غارة أميركية بريطانية

ولا أدل على ذلك من أنه حينما وقع الغزو العراقي الشامل للتراب الكويتي كان المؤتمر التاسع عشر لوزراء خارجية الدول الإسلامية منعقدا في القاهرة، وقرر تأجيل جلساته بغرض إتاحة الفرصة للوزراء العرب للتشاور ومناقشة الحدث، ولاسيما أن أمين عام جامعة الدول العربية كان حاضرا في هذا المؤتمر. يعني ذلك أن منظمة المؤتمر الإسلامي ارتأت إحالة قضية الغزو برمتها إلى جامعة الدول العربية بحسبانه نزاعا بين دولتين عربيتين.

وعلى أي الأحوال فقد أصدر المؤتمر الوزاري الإسلامي التاسع عشر بيانا خاصا "بالوضع بين الكويت والعراق" أدان فيه "العدوان العراقي على الكويت"، وطالب بالانسحاب الفوري للقوات العراقية من الأراضي الكويتية والعودة إلى مواقع ما قبل العاشر من محرم سنة 1411هـ (2 أغسطس/آب 1990)، والالتزام بمبادئ ميثاق منظمة المؤتمر الإسلامي وبصفة خاصة ما نصت عليه من ضرورة تسوية المنازعات بين الدول الأعضاء بالطرق السلمية.

ومن الأمور الجديرة بالاهتمام أن المنظمة تراجعت منذ اندلاع حرب الخليج في 17 يناير/ كانون الثاني 1991 لكي تؤيد الخيار العسكري لتحرير الكويت، إذ لم يتحمس الأمين العام لأي من المبادرتين الإيرانية والباكستانية الراميتين لوقف إطلاق النار من خلال مبادرة سياسية في إطار منظمة المؤتمر الإسلامي. ويرى بعض الباحثين أن المنظمة تقاعست عن استخدام الأدوات المنصوص عليها في ميثاقها لتسوية المنازعات بين الدول الأعضاء، وأنها عوضا عن ذلك انحازت لوجهة نظر أحد طرفي النزاع.


يرى بعض الباحثين أن منظمـة المؤتمر الإسلامـي تقاعست عن استخدام الأدوات المنصوص عليها في ميثاقها لتسوية النزاع العراقي الكويتي

ويظهر تتبع جميع القرارات الإسلامية ذات الصلة بالقضية العراقية أن منظمة المؤتمر الإسلامي أكدت على أمرين اثنين:
أولهما: ضرورة قيام العراق بتنفيذ القرارات الصادرة عن مجلس الأمن الدولي بشكل كامل، ولا سيما ما يتعلق منها بإطلاق سراح المعتقلين الكويتيين.
ثانيهما: تحمل العراق مسؤولية الأوضاع الصعبة التي يعاني منها الشعب العراقي، حيث يرجع ذلك إلى عدم التزامه بقرارات الشرعية الدولية.

وقد أورد تقرير الأمين العام المقدم إلى الدورة السادسة والعشرين للمؤتمر الإسلامي لوزراء الخارجية في بوركينا فاسو في الفترة من 24-28 مايو/ أيار 1999 طبيعة الالتزامات العامة والخاصة الواجبة على العراق بمقتضى قرارات الأمم المتحدة، حيث تشتمل على ما يلي:
   1- مراعاة عدم انتهاك الحدود الدولية.
   2- الالتزامات المتعلقة بالأسلحة.
   3- إعادة المعتقلين الكويتيين في العراق إلى الكويت وإطلاق سراح غيرهم من الدول الأخرى.
   4- التزام العراق بتعويض الكويت والدول الأخرى عن الأضرار والخسائر التي لحقت بها نتيجة للغزو والاحتلال غير المشروع للكويت.
   5- تسديد الديون العراقية مع خدمة الديون.
   6- إعادة الممتلكات التي نهبتها القوات العراقية أثناء غزوها واحتلالها الكويت.
   7- تقديم كشف شهري باحتياطي الذهب بالعملات الأجنبية.
   8- عدم ارتكاب أعمال الإرهاب الدولي أو مساندتها.
   9- دور مجلس الأمن بالنسبة للمدنيين العراقيين.

وأيا كان الأمر فإن الدبلوماسية الإسلامية الجماعية في إطار منظمة المؤتمر الإسلامي لم تقم بدورها المنشود في سبيل التغلب على آثار الغزو العراقي للكويت وإعادة الاستقرار والأمن للنظام الإقليمي في المنطقة، فقد ركنت المنظمة منذ البداية إلى إدانة العراق وتحميله المسؤولية كاملة بالامتثال الكامل لقرارات مجلس الأمن الدولي. أما الآثار التي خلفها الحصار الغربي على العراق والمأساة الإنسانية التي يعيشها الشعب العراقي فإنها لم تثر سوى قلق وأسف مؤتمرات القمة الإسلامية. وربما يطرح  ذلك إشكالية فعالية منظمة المؤتمر الإسلامي والتحديات التي تواجهها في مرحلة ما بعد الحرب الباردة.

الشيشان
أعاد انفراط عقد الاتحاد السوفييتي للذاكرة الإسلامية وعيها بالشعوب المسلمة في شمال القوقاز. وكانت حرب الشيشان الأولى (1994-1996) تعبيرا عن أزمة التفكك التي أصبح يعاني منها الاتحاد الروسي وريث الاتحاد السوفييتي المنهار.

لاجئون شيشان
على أن الأزمة ظهرت مرة أخرى في عام 1999 حينما لجأت روسيا إلى استخدام القوة العسكرية لمواجهة الحركات (الانفصالية) في كل من داغستان والشيشان. وعلى الرغم من أن الحرب الشيشانية ليست أمرا عفويا أو طارئا، حيث إنها تأتي في سياق الميراث التاريخي للمقاومة الشيشانية الرافضة للهيمنة الروسية، فإنها تطرح في مرحلتها الحالية إشكالات تتعلق بطبيعة البيئة الإقليمية حول القوقاز والبيئة الدولية، ولاسيما ما يتصل بها من دور الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي إضافة إلى الشأن الداخلي الروسي.

والمتتبع لموقف منظمة المؤتمر الإسلامي سواء في مرحلة الحرب الأولى 1994-1996 أو الحرب الثانية 1999-2000 يلاحظ أنه يتسم بعدم الوضوح، وأنه ينزع إلى التأكيد على الجوانب الإنسانية للحرب في الشيشان. ففي أثناء الحرب الأولى اقتصر موقف المنظمة على مجرد إصدار بيان للإعراب عن قلق المسلمين في العالم من تطورات الأوضاع في الشيشان، والأمل في أن تؤخذ في الاعتبار الحقوق الإنسانية لمسلمي الشيشان. وقد طالبت الهيئات الإسلامية في روسيا بتفعيل دور منظمة المؤتمر الإسلامي باعتبارها الأوْلى من المنظمات الدولية الأخرى، ولكنها لم تتحرك بإيجابية إلا في شهر ديسمبر/ كانون الأول 1999 حينما أرسلت وفدا إلى موسكو برئاسة وزير الخارجية الإيراني كمال خرازي وعدد من الوزراء في الدول الإسلامية لبحث الوضع في الشيشان. وقد صرح خرازي بأن المسألة الشيشانية هي قضية داخلية وتتعلق بوحدة أراضي روسيا التي يحترمها العالم الإسلامي. وأكد على أن منظمة المؤتمر الإسلامي، يمكن أن تقدم المساعدة لدى البحث عن الصيغ السياسية وليس العسكرية لحل الأزمة الشيشانية.

وقد تم التأكيد على الموقف السابق لمنظمة المؤتمر الإسلامي من المسألة الشيشانية في الدورة السابعة والعشرين لاجتماع وزارء الخارجية والذي عقد في كوالالمبور خلال الفترة 27-30 يونيو/ حزيران 2000م، فقد أشار البيان الختامي للمؤتمر على أن الحل السياسي والتفاوض هو السبيل لإحلال سلام دائم في القوقاز، ومن ثم يتعين على الحكومة الروسية إجراء مفاوضات مع السلطة الشرعية الشيشانية استنادا إلى الاتفاق المبرم بين الطرفين عام 1996. وطالب المؤتمر كذلك الحكومة الروسية بتوفير الرعاية اللازمة للاجئين في المخيمات شمال القوقاز، والمساعدة على إعادة الإعمار والتنمية في الشيشان، مع إبداء استعداد الدول الإسلامية تقديم المساعدة في إيجاد حل سياسي واستعدادها كذلك تقديم المعونة الفنية والاقتصادية إذا طلب منها ذلك.


طـالبت منظمـة المؤتمر الإسلامـي في بيـانها الختامي لقمتــي طهـران والدوحـة، الحكومة الروسيـة بضرورة التـفــاوض مـع الشيشانيين للوصول إلى حل سياسـي للأزمـة في الشيشـان

ويلاحظ أن مواقف الدول الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي إزاء المسألة الشيشانية جد متباينة، إذ رفضت بعض الدول -مثل مصر والسعودية وقطر- الاتهامات الروسية بأنها تقدم مساعدات للمقاتلين في الشيشان، وأكدت أنها تركز على الجانب الإنساني في القضية. على أن بعض الدول الأخرى التزمت الصمت تماما إزاء تطور الأوضاع في الشيشان.

وثمة اعتبارات مصلحية حكمت مواقف دول إسلامية أخرى، فإيران بحاجة إلى الخبرة الروسية في مجال الطاقة النووية بعد أن توقف تعاونها مع الصين، أما تركيا  التي تضم بين جنباتها الآلاف من أبناء القوقاز فقد قامت بجمع المساعدات وتوفير الدعم للشيشان خلال فترة الحرب الأولى، ولاسيما أن موسكو كانت تدعم في الوقت ذاته حزب العمال الكردستاني، ولكنها خلال الحرب الشيشانية الثانية تفاهمت مع روسيا على توقيع اتفاق تعاون مشترك، وهو الأمر الذي أدى إلى تأكيد قطع تركيا دعمها للمقاومة الشيشانية.

والملفت للنظر حقا أن المواقف الإسلامية غير الرسمية كانت أكثر وضوحا وأسرع تبلورا من المواقف الرسمية، وتنوع التعبير عنها ما بين مساندة معنوية ومساندة مادية. بيد أن السؤال الذي يظل مطروحا هو: هل يظل موقف منظمة المؤتمر الإسلامي مقتصرا على الأساليب السياسية والدبلوماسية، أي انتقاد العنف الروسي وآثاره على الأبعاد الإنسانية لمشكلة اللاجئين؟

نظرة إلى أداء المنظمة
يذهب فريق من الباحثين إلى القول بأن أداء منظمة المؤتمر الإسلامي على مستوى التطبيق العملي اقتصر في عمومه على مجرد النظر في الموضوعات محل الاهتمام ومناقشتها وإصدار توصيات عامة بشأنها، أي أنها شكلت منبرا للحوار والنقاش بين قادة العالم الإسلامي.

المستوى السياسي
ويحمد للمنظمة أنها ساعدت بشكل أو بآخر على بلورة مواقف إسلامية مشتركة إزاء عدد من القضايا الملحة التي تواجه العالم الإسلامي، ويمكن أن نذكر في هذا السياق القضية المحورية "فلسطين والقدس الشريف". كما أنها أسهمت في خلق تضامن إسلامي في مواجهة الاحتلال السوفييتي لأفغانستان.

وعلى صعيد آخر ما فتئت المنظمة تثير الاهتمام بقضايا ومشكلات الأقليات والجاليات الإسلامية في العالم، من خلال التعريف بأعداد المسلمين ومشكلاتهم وتحديد أوجه حمايتهم وفقا للمواثيق والأعراف الدولية. وقد توصلت المنظمة إلى مدونة سلوك لمكافحة الإرهاب وهي اتفاقية تمثل نموذجا يحتذى على الصعيدين الإقليمي والدولي.

المستوى الاقتصادي
وعلى الصعيد الاقتصادي فإن الطبيعة السياسية الغالبة على المنظمة أدت إلى ضعف الاهتمام بقضية التعاون الاقتصادي بين الدول الإسلامية. ومع ذلك فإن المنظمة سعت جاهدة لوضع قواعد قانونية ومؤسسية تفصيلية لدعم وتنظيم العلاقات الاقتصادية بين الدول الأعضاء، ومن ذلك على سبيل المثال: توقيع الاتفاقية العامة للتعاون الاقتصادي والفني والتجاري (1977)، توقيع اتفاقية تنشيط الاستثمارات وحمايتها (1981). وعلى المستوى المؤسسي يمكن الإشارة إلى البنك الإسلامي للتنمية، والمؤسسة الإسلامية للعلوم والتكنولوجيا، واللجنة الإسلامية للشؤون الاقتصادية والثقافية والاجتماعية، والغرفة الإسلامية للتجارة والصناعة وتبادل السلع.

المستوى الثقافي
أما على الصعيد الثقافي فقد اهتمت المنظمة بوضع بعض الأطر التنظيمية مثل: المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (الأيسيسكو)، ووكالة الأنباء الإسلامية الدولية (إينا)، واللجنة الدائمة للتعاون الثقافي والاجتماعي، إضافة إلى ذلك تم إنشاء أربع جامعات إسلامية في النيجر وأوغندا وبنغلاديش وماليزيا.

تطوير المنظمة ومسؤولية الدول الأعضاء
وعلى أي حال فإن عملية إصلاح منظمة المؤتمر الإسلامي ترتبط بالإرادة السياسية للدول الأعضاء، إذ إن هذه الدول وحدها تستطيع أن تجعل من المنظمة أداة فعالة لتحقيق التضامن الإسلامي ودعم العمل الإسلامي المشترك. ولعل هذه المسألة أصبحت بمثابة خيار استراتيجي، على قيادة العالم الإسلامي مواجهته في ظل التحديات والمتغيرات التي تفرضها طبيعة المرحلة الراهنة في النظام الدولي الجديد.

ويمكن من خلال تنمية التعاون الاقتصادي وإقامة تكتل إسلامي اقتصادي دولي تفعيل الدور السياسي للمنظمة وإيلاء قضية الأمن الجماعي في العالم الإسلامي أهمية محورية. فهل يمكن أن تكون نتائج قمة الدوحة الأخيرة خطوة على هذا الاتجاه الصحيح
_____________
* أستاذ العلوم السياسية-جامعة القاهرة