متظاهرون يطالبون باستقلال إقليم آتشه عن إندونيسيا أمام مقر الأمم المتحدة في جاكرتا

بقلم: د. محمد السيد سليم*

أولاً: نشأة وتطور التدخل الأجنبي في إندونيسيا

ثانياً: التدخلات الأجنبية في إندونيسيا في حقبة الحرب الباردة

ثالثاً: التدخلات الأجنبية في إندونيسيا بعد الحرب الباردة
    1- الأزمة المالية الإندونيسية
    2- التدخل الأجنبى ومشكلة تيمور الشرقية
    3- التدخل الأجنبي في الصراع الإسلامي المسيحي في إندونيسيا

أ. د.محمد السيد سليم

تعتبر إندونيسيا من أوائل البلاد الإسلامية التي تعرضت لتدخلات القوى الاستعمارية، مما خلف آثارا مهمة على السياسة الإندونيسية المعاصرة تمثلت في الطابع التقليدي للسياسة والحكم وتهميش دور الإسلام في النظام السياسي لجاكرتا.

وبعد الاستقلال دخلت إندونيسيا معترك السياسة الدولية، وتأثرت حركتها السياسية الداخلية بأنماط التدخلات الأجنبية. فبعد انتهاء الحرب الباردة سنة 1991 عادت التدخلات الأجنبية لتطرح آثارها بشدة على إندونيسيا، ويتمثل ذلك في الأزمة المالية الإندونيسية، وأزمة انفصال تيمور الشرقية، وتفاقم الصراع الإسلامي المسيحي في إندونيسيا، ودور البعثات التبشيرية في إذكاء الصراع الطائفي في تلك الدولة.

وسنحاول في هذه الدراسة أن نلقي الضوء على تلك التدخلات محاولين تحديد آثارها المحتملة على مستقبل إندونيسيا.

أولاً: نشأة وتطور التدخل الأجنبي في إندونيسيا

بدأ التدخل الأجنبي في إندونيسيا أوائل القرن السادس عشر نظرا لثراء بعض الجزر الإندونيسية وهي جزر الملوك (أو جزر التوابل)، ورغبة الدول الأوروبية في الحصول على تلك الموارد. وقد تمركز البرتغاليون منذ سنة 1516 في منطقة ملقا على الساحل الغربي لشبه جزيرة الملايا، ومن هذا الموقع حاولوا السيطرة على مناطق إنتاج التوابل في الجزر الإندونيسية. ونتيجة للتدخل البرتغالي ظهرت مجموعة من الإمارات الإسلامية (حيث إن الإسلام كان قد انتشر في الجزر الإندونيسية مع نهاية القرن الثالث عشر) حاولت الرد على هذا التدخل ونجحت في ذلك. وكان من بين هذه الإمارات إمارة آتشه في شمال سومطره.


بدأ الاستعمار الهولندي وجوده في إطار شركة الهند الشرقية الهولندية، وباستعمال القوة والتحالفات مع القيادات المحلية اتسعت السيطرة الهولندية في الأرخبيل الإندونيسي
وفي أوائل القرن السابع عشر ظهر الهولنديون على المسرح في الجزر الإندونيسية في إطار شركة الهند الشرقية الهولندية التي تأسست سنة 1602. فقد وصل جان بيترزون كوين Jan Pieterszoon Coen  إلى جزيرة جاوا أوائل ذلك القرن وأسس هناك مدينة باتافيا (جاكرتا حاليا) لتكون نقطة وثوب للنفوذ الهولندي. ومن خلال استعمال القوة المسلحة والتحالفات مع القيادات المحلية استطاع كوين أن يمد نطاق الهيمنة الهولندية، مما أدى إلى منع الإمارات الإسلامية الإندونيسية من الاشتغال بالتجارة الدولية للتوابل، واستطاعت الشركة الهولندية أن تحتكر تجارة التوابل حيث سمحت بزراعة التوابل في جزر آمبون وباندا وحظرتها في الجزر الأخرى. كذلك أدخلت الشركة نظام التوريد الإجباري للمحاصيل، ولتحقيق ذلك شجعت الهجرة الصينية إلى الجزر الإندونيسية، إذ تعاون معها التجار الصينيون. ويعد ذلك بداية وجود الأقلية الصينية في إندونيسيا التي أصبحت فيما بعد إحدى القوى الاقتصادية المحورية في إندونيسيا، وأداة من أدوات التدخل الأجنبي في الشأن الإندونيسي.

من ناحية أخرى أدى التدخل الهولندي في شؤون إمارة ماترام الإسلامية في وسط جاوا إلى تقسيم تلك الإمارة سنة 1755 إلى قسمين سوراكرتا ويوجياكرتا. ومع تدهور شركة الهند الشرقية الهولندية وإفلاسها في نهاية القرن الثامن عشر، ثم حل الشركة سنة 1799 واستيلاء الحكومة الهولندية على أملاكها في الجزر الإندونيسية، تم تدشين التدخل الهولندي الصريح.

في ما بين 1825-1830 قاد الأمير ديبونيجورو من جاوا حركة مسلحة ضد الحكم الهولندي، وأسفرت المواجهات بينهماعن سقوط 200 ألف قتيل من الطرفين مما يدل على اتساع المواجهات وعمقها. وانتهت الحرب بانتصار الهولنديين وضم وسط جاوا إلى النفوذ الهولندي. وقد اتجه الهولنديون بعد ذلك إلى "نظام المزارعة" وبموجبه يلتزم الفلاحون بتخصيص نسبة معينة من أراضيهم لزراعة محاصيل تصديرية تحددها الحكومة الهولندية بدلا من الأرز. وقد أدى فرض نظام المزارعة إلى نقص حاد في إنتاج الأرز وبالتالي إلى انتشار المجاعات في جاوا في الأربعينيات والخمسينيات من القرن التاسع عشر. ونتيجة احتجاج العناصر الليبرالية الهولندية تم تخفيف النظام في السبعينيات.

ومن منطقة نفوذهم في جاوا مد الهولنديون سيطرتهم إلى داخل سومطره اعتبارا من سنة 1837. وفي سنة 1858 ضموا الإمارات الشمالية الشرقية الساحلية، كما فرضوا حكمهم المباشر على كل الأقاليم التي تنتج النفط والمطاط والقصدير في الجزر.

وإذا كان الهولنديون قد أخمدوا المقاومة التي قادها ديبوينجورو، فإنهم ما لبثوا أن واجهوا مقاومة استمرت ثلاثين عاما في آتشه، وبالي (1879-1909). ومع نهاية المقاومة في آتشه وبالي تم فرض الحكم الهولندي في جزر الملوك ومعظم جزيرة بورنيو. ولكن نهاية المقاومة المسلحة تضمنت أيضا بداية تبلور الحركة القومية الإندونيسية بأشكال أخرى. فقد أدت سياسة التوسع في التعليم والخدمات الصحية والزراعة إلى نشوء قوى اجتماعية جديدة (طبقة المتعلمين، وطبقة رجال الأعمال) بدأت تنافس التجار الصينيين وتطالب بدور أكبر في الحياة الاقتصادية والسياسية يتناسب مع قدراتها التعليمية والاقتصادية، وقد اتخذت حركة القوى الإندونيسية الجديدة من الإسلام إطارا فكريا لها.


وافقت هولندا على تمثيل برلماني محدود للشعب الإندونيسي ولكن بصفة استشارية للحاكم الهولندي، كما تم ذلك إبان الحرب العالمية الأولى بهدف كسب ولاء الإندونيسين
وهكذا تكونت سنة 1912 حركة "الاتحاد الإسلامي" Sarekat Islam وضمت حوالي مليوني عضو. وإزاء ذلك اضطرت الحكومة الهولندية إلى إدخال نوع محدود من التمثيل البرلماني (مجلس الشعب) وهو مجلس يقدم الرأي الاستشاري للحاكم العام الهولندي، وقد تم ذلك سنة 1916 أي في سياق الحرب العالمية الأولى وبهدف اكتساب ولاء الإندونيسيين بدليل أنه بعد انتهاء الحرب عادت هولندا إلى سياستها القمعية.

إزاء ذلك كون بعض الزعماء الإندونيسيين مثل أحمد سوكارنو، ومحمد حتي "الحزب القومي الإندونيسي" (PNI) سنة 1927. وقد طالب الحزب لأول مرة بالاستقلال الكامل عن هولندا. ورغم نفي زعماء الحزب عدة مرات، وحظر الحزب فإن الحركة القومية الإندونيسية لم تفقد قوة الدفع حتى جاءت الحرب العالمية الثانية.

وإبان الحرب العالمية الثانية أصبحت إندونيسيا مسرحا للتنافس الاستراتيجي بين القوى المتحاربة، ففي عام 1942 احتلت اليابان الجزر الإندونيسية. وقد أسهم الاحتلال الياباني في تقوية الحركة القومية الإندونيسية، إذ إن اليابانيين أعطوا سوكارنو قدرا من الحرية السياسية في محاولة منهم لاجتذاب ولاء الإندونيسيين. كذلك أنشأ اليابانيون مليشيات إندونيسية مدربة عسكريا في جاوا وبالي وسومطره لمساعدتهم في مواجهة احتمالات هجوم الحلفاء على إندونيسيا. وقد أصبحت تلك المليشيات نواة الحركة القومية الإندونيسية المسلحة بعد الحرب. كذلك أقام اليابانيون نظاما للحكم الذاتي.

وفي 17 أغسطس/ آب سنة 1945 أي بعد يومين من استسلام اليابان أعلن سوكارنو وحتي استقلال إندونيسيا وأصبح الأول رئيسا للجمهورية والثاني نائبا له. وتحت ضغط بريطانيا وقع سوكارنو مع هولندا اتفاق لينجاياتي Linggaiati Agreement، وبموجبه اعترفت هولندا بسلطة الحكومة الجديدة في جاوا وسومطره، ولكن الاتفاق كان بمثابة فرصة لالتقاط الأنفاس بالنسبة لهولندا، إذ ما لبثت أن شنت هجوما واسعا على الجمهورية الجديدة في يوليو/ تموز 1947 بزعم أنها قد انتهكت الاتفاق، واستطاعت هولندا مد نطاق سيطرتها إلى الأقاليم الداخلية في جاوا وسومطره، كما فرضت حصارا بحريا عليها.

وفي الوقت نفسه كانت جامعة الدول العربية تعلن مساندتها لاستقلال إندونيسيا بموجب قرار صادر من الجامعة في 18 نوفمبر/ تشرين الثاني 1946، وذلك بعد أن أجرى عبد الرحمن عزام أول أمين عام للجامعة، اتصالات مع محمد رشيد وزير خارجية إندونيسيا. ولنقل القرار إلى القيادة الإندونيسية وإظهار الدعم الغربي لاستقلال إندونيسيا اتفق عزام مع النقراشي باشا رئيس وزراء مصر آنذاك، على إرسال محمد عبد المنعم مصطفى قنصل مصر العام في بومباي، إلى جاكرتا لمقابلة سوكارنو. ورغم الحصار الهولندي على إندونيسيا فقد وصل محمد عبد المنعم إلى جاكرتا بطائرة خاصة، وقابل سوكارنو في 15 مارس/ آذار 1947 حاملاً معه رسالة تحمل دعم الجامعة العربية والحكومة المصرية. كذلك فقد ساند عزام باشا القضية الإندونيسية في الأمم المتحدة، وعمل على تمكين الوفد الإندونيسي من الدفاع عن قضيته وقام بتغطية تكاليفه. وفي 10 يونيو/ حزيران 1947 وقع النقراشي باشا مع نائب رئيس وزراء إندونيسيا آجوس سالم معاهدة صداقة وتعاون في القاهرة رغم احتجاج هولندا.

بناء على تدخل من "لجنة المساعي الحميدة" التي كونتها الأمم المتحدة تم التوصل إلى اتفاق رينفيل سنة 1948، وبموجبه وافقت هولندا على إجراء استفتاء في المناطق الخاضعة لسيطرتها حول الاستقلال، ولكن الهولنديين ما لبثوا أن خرقوا الاتفاق وهاجموا الجمهورية الإندونيسية بما في ذلك عاصمتها جوجياكرتا، وقاموا باحتلالها والقبض على معظم قادة الحركة القومية بمن فيهم سوكارنو وحتي. ولكن المقاومة الوطنية والضغوط الدولية أجبرت الهولنديين على التراجع. وفي مؤتمر لاهاي المنعقد سنة 1949 اعترفت هولندا باستقلال إندونيسيا ما عدا منطقة غرب إيريان (إيريان جايا حاليا) في إطار "الولايات المتحدة الإندونيسية". وقد أعيدت إيريان جايا إلى إندونيسيا سنة 1963.


حول الاستعمار الهولندي المسلمين إلى مواطنين من الدرجة الثانية إذ احتل الأوروبيون المرتبة الأولى، والصينيون المرتبة الثانية
رغم طول فترة التدخل الأجنبي في إندونيسيا فإنها ظلت تقريبا تحت حكم دولة واحدة هي هولندا، مما أنشأ روابط قوية بينهما ما زالت مستمرة حتى اليوم. فلم تتعرض إندونيسيا لصراعات القوى الأجنبية حولها باستثناء فترة الاحتلال الياباني أثناء الحرب العالمية الثانية. كذلك فقد كان الحكم الهولندي في معظم فتراته حكما غير مباشر يتم من خلال الأجهزة التقليدية للسلطة. ومن ثم فقد استمرت المفاهيم التقليدية للسلطة في إندونيسيا، واستمرت معظم عناصر الثقافة السياسية التقليدية حتى بعد الاستقلال. وكذلك يلاحظ أنه رغم أن مؤسسات الدولة (الأحزاب السياسية، والبيروقراطية، والمؤسسة العسكرية) قد تم بناؤها على النمط الغربي فإن مضمونها فى الممارسة ظل تقليديا، أي يقوم على المفاهيم التقليدية للعلاقات الاجتماعية والممارسة السياسية.

من ناحية أخرى فقد أدى الاحتلال الهولندي إلى تحويل المسلمين في إندونيسيا إلى مواطنين من الدرجة الثالثة في السلم الاجتماعي، حيث احتل الأوروبيون المرتبة الأولى، ومثل الصينيون المرتبة الثانية. وأصبح من يمثلون الدرجتين الأولى والثانية هم صلب النخبة الإندونيسية، واستمر هؤلاء يشكلون نواة النخبة الحاكمة حتى بعد الاستقلال. وفي هذا الإطار جرى الترويج لفكرة أن وحدة إندونيسيا تستند إلى تهميش دور الدين الإسلامي. ولذلك فإن الدستور الإندونيسي الصادر بعد الاستقلال والذي مازال قائما لا يشير إلى الإسلام من قريب أو بعيد، وإنما يشير إلى أن إندونيسيا تقوم على مبادئ البانجاسيلا وهي مبادئ خمسة (الربانية، الإنسانية، والوحدة، والعدالة، والشورى).

وفي ظل الاحتلال الهولندي بدأت عمليات التنصير المسيحي بين المسلمين، واستمرت تلك العمليات حتى بعد الاستقلال. وذهبت إلى حد محاولة تنصير أول وزير إندونيسي للشؤون الدينية بعد الاستقلال وهو محمد رشيد. ويمكن أن نلمس هنا جذور العلاقات العدائية بين المسلمين والمسيحيين في إندونيسيا حيث يشكل المسلمون 88% على الأقل من السكان.

ثانياً: التدخلات الأجنبية في إندونيسيا في حقبة الحرب الباردة

سلكت إندونيسيا بعد استقلالها طريق التضامن الأفريقي الآسيوي وعدم الانحياز. وقد انعقد المؤتمر الأفريقي الآسيوي الأول في باندونغ سنة 1955. وقد دشن هذا المؤتمر عصر الريادة الإندونيسية في العالم الثالث، واتجهت إلى التقارب مع الاتحاد السوفياتي والصين الشعبية. وقد أدى ذلك إلى زيادة نفوذ الحزب الشيوعي الإندونيسي في إطار برنامج "الديمقراطية الموجهة" الذي كان يقوده سوكارنو.

ولكن الولايات المتحدة دبرت انقلابا ضد سوكارنو تزعمه قائد الجيش الإندونيسي آنذاك سوهارتو. وقد قام الأخير بتصفية الحزب الشيوعي الإندونيسي تصفية دموية كاملة. ومقابل ذلك ساندت الولايات المتحدة حكم سوهارتو، بل وتغاضت عن ضمه الإجباري لتيمور الشرقية سنة 1975، وعن حكمه الدكتاتوري. وقامت الولايات المتحدة بمنح المعونات إلى إندونيسيا مما أدى إلى تحويلها لتكون إحدى دعائم النفوذ الغربي في جنوب شرق آسيا. ودخلت إندونيسيا رابطة دول جنوب شرق آسيا "آسيان" التي أنشئت سنة 1967 تحت رعاية الولايات المتحدة عندما بدأ أوار الحرب الفيتنامية في التزايد. كذلك فقد انعزلت إندونيسيا عن مجمل قضايا التحرر الأفريقي الآسيوي. وفي هذا الإطار حدث الصعود الاقتصادي الإندونيسي، واستطاعت إندونيسيا أن تبني صناعة حربية متقدمة، وأن تلحق بركب النمور الآسيوية، مما جعلها نموذجا للدول الآسيوية الحليفة للغرب والمتقدمة.

ثالثاً: التدخلات الأجنبية في إندونيسيا بعد الحرب الباردة

مع انهيار الاتحاد السوفياتي بدأت إندونيسيا تفقد بالتدريج أهميتها الاستراتيجية للغرب، بيد أن ذلك التحول حدث تدريجيا، وبدأ بالفعل مع الأزمة المالية سنة 1997. فمنذ سنة 1991 وحتى سنة 1997 استمر الغرب في مد إندونيسيا بالسلاح حتى أن ألمانيا أهدت إندونيسيا معظم السلاح البري لألمانيا الشرقية، فضلا عن إمدادها بخمس غواصات.

ولكن إندونيسيا ابتداء من سنة 1997 بدأت تشهد نمطا جديدا من التدخلات الأجنبية يجمع بين خصائص التدخل الاستعماري التقليدي الهادف إلى السيطرة على الموارد الطبيعية وخصائص الصراع الحضاري الإسلامي المسيحي الهادف إلى إبعاد إندونيسيا عن العالم الإسلامي وتسهيل عملية التبشير المسيحي فيها والتقريب بين إندونيسيا وإسرائيل. وقد تمثلت تلك التدخلات في اندلاع الأزمة المالية الإندونيسية سنة 1997، وتغاضى الغرب عن سقوط حليفه الاستراتيجي سوهارتو سنة 1998، ثم ضغوط الغرب على إندونيسيا للقبول باستقلال تيمور الشرقية عنها.

1- الأزمة المالية الإندونيسية


وصل معدل نمو الاقتصاد الإندونيسي 8% في حين لم يتجاوز العجز في الحساب التجاري نسبة 4% وذلك
قبل الهبوط المفاجئ 
للعملة الإندونيسية إبان الأزمة الاقتصادية سنة 1997
في يوليو/ تموز 1997 شهدت تايلند هبوطا مفاجئا في أسعار عملاتها وأوراقها المالية، وما لبث هذا الهبوط أن انتشر إلى دول أخرى في جنوب شرق آسيا أبرزها إندونيسيا. وحينما بدأت الأزمة في إندونيسيا كان الاقتصاد الإندونيسي ينمو بمعدل 8% سنويا في العامين السابقين كما أن العجز في الحساب الجاري لم يتجاوز 4%، بل إنه حتى سبتمبر/ أيلول 1998 كان البنك الدولي يذكر في موقعه على الإنترنت أن "إندونيسيا قد حققت نجاحا تنمويا ملاحظا في العقد الماضي، كما أنها تعتبر من أفضل الاقتصادات الآسيوية". ورغم ذلك انهار سعر الروبية الإندونيسية بشكل مفاجئ، وبدأ المستثمرون الأجانب في بيع الأسهم مما أدى إلى هبوط عام في سوق الأوراق المالية، وانعكس على المجتمع ككل حيث زادت معدلات البطالة، وعجز كثير من الإندونيسيين عن مواصلة التعليم.

وللتعامل مع الأزمة وافق الرئيس الإندونيسي سوهارتو على التوقيع على اتفاق مع صندوق النقد الدولي يقوم الأخير بموجبه بتوفير قروض من مصادر مختلفة قيمتها 43 مليار دولار لمساعدة إندونيسيا على الخروج من الأزمة مقابل التزام إندونيسيا "بروشتة" الإدارة الاقتصادية التي يقدمها الصندوق للجميع، وهي تحرير التجارة الخارجية، وتخفيض التعريفات الجمركية، والإسراع في الخصخصة بالسماح للشركات الأجنبية بشراء الشركات المحلية، وإلغاء مشروعات التصنيع الكبرى في إندونيسيا، ولما تفاقمت الأزمة في يناير/ كانون الثاني 1998 حاول سوهارتو أن يتحلل من بعض التزاماته إزاء الصندوق، ولكن قادة الدول الغربية الكبرى (الولايات المتحدة، وأستراليا، وألمانيا) واليابان تدخلوا بشكل فوري وشخصي لحث سوهارتو على الالتزام باتفاقه مع الصندوق رغم الآثار الاجتماعية السيئة التي كان الاتفاق قد أثمرها.

وقد اختلف الباحثون حول تحديد مصادر الأزمة المالية الآسيوية عموما. وعزا بعضهم هذا الأزمة (وفي مقدمتهم مهاتير محمد رئيس وزراء ماليزيا، وساكاكيبارا نائب وزير مالية اليابان السابق) إلى تدخل الولايات المتحدة من ناحية، والخطأ الذي ارتكبته الدول الشرق آسيوية بالاندماج المبكر مع تيار العولمة. هذا بينما عزا البعض الآخر الأزمة (مدرسة صندوق النقد الدولي عموما) إلى خطأ الأصول الاقتصادية التي تأسست عليها النماذج الشرق آسيوية للتنمية.

والراجح عندنا أن الأزمة المالية الإندونيسية لم تكن بعيدة عن مخططات القوى الغربية مستعملة صندوق النقد الدولي واجهة للتدخل، وأن الهدف كان هو السيطرة على الاقتصاد الإندونيسي من خلال إجبار إندونيسيا على فتح أسواقها أمام التجارة الغربية وشراء الشركات الإندونيسية التي تضررت من الأزمة، ودفع إندونيسيا إلى إيقاف مشروعاتها الاقتصادية العملاقة (كبناء الطائرات والتصنيع الحربي).

2- التدخل الأجنبى ومشكلة تيمور الشرقية


تمثل أزمة تيمور الشرقية نموذجا واضحاً لأثر التدخل الأجنبي في الشأن الإندونيسي
تعتبر مشكلة تيمور الشرقية نموذجا لأثر التدخلات الأجنبية في الشأن الإندونيسي من ناحية، ولازدواجية المعايير في "النظام العالمي الجديد" من ناحية أخرى. ففي سنة 1975 انسحبت البرتغال من مستعمرة تيمور الشرقية التي تقع إلى الجنوب الشرقي من إندونيسيا، وقد سلمت البرتغال السلطة في تيمور الشرقية للجبهة الثورية لتيمور الشرقية "فريتلين". ولكن حكومة سوهارتو في إندونيسيا قامت بالاستيلاء على تيمور الشرقية في ديسمبر/ كانون الأول من السنة نفسها، وقامت بضمها باعتبارها المحافظة الرابعة والعشرين.

لم تساند الولايات المتحدة وأوروبا فريتلين في السعي نحو الاستقلال، وساندت إندونيسيا بالسكوت. وقد كان ذلك راجعا إلى ظروف الحرب الباردة حيث كانت إندونيسيا أحد أركان النفوذ الأميركي في منطقة جنوب شرق آسيا بعد أن قام سوهارتو بتصفية الحزب الشيوعي الإندونيسي سنة 1965. وقد حدث ذلك رغم أن أغلبية سكان تيمور الشرقية من المسيحيين.

بعد اختفاء الاتحاد السوفياتي فقدت إندونيسيا تدريجيا قيمتها الاستراتيجية للولايات المتحدة. ومن ثم فإن الأخيرة وأوروبا وأستراليا بدأت تساند حركة استقلال تيمور الشرقية، وتمارس ضغوطا على إندونيسيا للموافقة على منح تيمور الشرقية الاستقلال. وقد انتهزت الدول الغربية فرصة الهزة الاقتصادية التي أصابت إندونيسيا نتيجة الأزمة المالية ثم توقيعها على اتفاق مع صندوق النقد الدولي يوفر أداة للضغط الاقتصادي عليها، انتهزت ذلك كله للضغط على حكومة الرئيس يوسف حبيبي للموافقة على مبدأ استقلال تيمور الشرقية. ولعل من أهم الشواهد على ذلك هو أنه في اليوم الذي أعلن فيه الرئيس السابق حبيبي موافقته في 28/4/1999 على تحديد موعد للاستفتاء حول مستقبل تيمور الشرقية في 8 أغسطس/ آب 1999 وافق البنك الدولي للإنشاء والتعمير على تقديم قرض لإندونيسيا قيمته 600 مليون دولار. وتحت إشراف دولي أجري استفتاء في تيمور الشرقية في أغسطس/ آب 1999 أسفر عن رغبة 78% من السكان في الاستقلال، وهو ما اضطرت إندونيسيا إلى التسليم به.

إن أهمية هذا التطور هو أنه فتح الباب على مصراعيه للحركات الأخرى الراغبة في الاستقلال، وخاصة الحركات المتمركزة في إقليم آتشه وجزر آمبون وجزر الملوك، مما أدى إلى دخول إندونيسيا في دوامة العنف السياسي التي مازالت تعاني منه حتى اليوم.

من ناحية أخرى فإن استقلال تيمور الشرقية لم يكن كافيا لدى الغرب، وإنما بدأ يطالب بمحاكمة القادة العسكريين الإندونيسيين المتهمين بقمع حركة الاستقلال في تيمور الشرقية. وكانت المطالبة هي أن تتم المحاكمة أمام محكمة دولية، وهو ما رفضه الرئيس الإندونيسي حبيبي، ولكن خليفته عبد الرحمن واحد اضطر إلى التضحية بوزير الدفاع ويرانتو وبعض القادة العسكريين للتخفيف من الضغوط الغربية.

ومن المفيد أن نقارن بين الضغوط التي مورست على إندونيسيا للتسليم باستقلال تيمور الشرقية وإجراء استفتاء تحت حماية دولية، ورفض الغرب أن يمارس أي ضغط على إسرائيل للتسليم باستقلال فلسطين أو مجرد إرسال قوة حماية دولية إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة.

كذلك فإنه لأول مرة قبلت إندونيسيا أن تجرى الانتخابات التشريعية التي أجريت في يونيو/ حزيران 1999 تحت إشراف 500 مراقب دولي كان منهم الرئيس الأميركي السابق كارتر.

3- التدخل الأجنبي في الصراع الإسلامي المسيحي في إندونيسيا
من أهم النتائج التى أسفرت عنها الأزمة المالية الإندونيسية ضعف الحكومة المركزية. وفي ظل تلك الظروف تطفو على السطح الصراعات العرقية والطائفية والدينية.


أذكى استقلال تيمور الشرقية عن إندونيسيا روح العداء بين المسيحيين والمسلمين كما زاد الصراع الديني بينهما، ولعل العنف القائم في جزر الملوك مثالا واضحا على ذلك
وقد زاد الصراع الديني الإسلامي المسيحي في إندونيسيا حيث إن المسلمين رأوا في استقلال تيمور الشرقية نموذجا لدور الغرب المسيحي في تقسيم البلاد، كما أن ذلك الاستقلال قد رفع من الروح المعنوية لمسيحيي إندونيسيا. ولعل من أبرز المواقع التي حدث فيها هذا الصراع جزر الملوك. وفي تلك الجزر سقط في النصف الأول من سنة 2000 حوالي أربعة آلاف قتيل من الطرفين. وفي ذلك السياق طالب المسيحيون في جزر الملوك في يوليو/ تموز 2000 بالتدخل الدولي في أعقاب وصول آلاف من مسلمي جاوا إلى جزر الملوك تضامنا مع سكانها المسلمين. كذلك فقد طالب أسقف آمبون الموسنيور مانداجي بتدخل مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان.

وفي 8 يوليو/ تموز أعلن وزير الخارجية الإندونيسي علوي شهاب معارضة بلاده لأي تدخل أجنبي في الصراع في جزر الملوك، ولكن مع تصاعد الصراع في جزر الملوك أعلن الرئيس الإندونيسي عبد الرحمن واحد في 18/7/2000 أن بلاده قد "تلجأ إلى الحصول على مساعدات دولية محدودة لإنهاء الأزمة في الجزر".

وتعبيرا عن الاضطرابات السياسية لدى القيادة الإندونيسية عاد علوي شهاب في 20/7 ليطلب من الدول الغربية عدم التدخل في الصراع في جزر الملوك ويؤكد أن إندونيسيا ستواجه أي تدخل أجنبي في تلك الجزر بكل حزم. وفي اليوم نفسه أعلن أسد بهاردجو قائد الشرطة الإندونيسية، أن بلاده قد تجد نفسها مضطرة إلى قبول التدخل في جزر الملوك.

ختام
يمكن القول إن مستقبل إندونيسيا قد أصبح مرتبطا إلى حد بعيد بدور القوى الأجنبية، ذلك أن الأزمة المالية قد رهنت مصير إندونيسيا بما يفعله صندوق النقد الدولي، كما أن إندونيسيا أصبحت مكشوفة أمام الضغوط الغربية. والراجح أن سعي الرئيس الإندونيسي عبد الرحمن واحد لبناء علاقات اقتصادية مع إسرائيل يمثل بالنسبة له قناة للتفاهم مع الغرب، أو للحصول على الدعم الغربي عبر إسرائيل.

ولكن يمكن القول إن دور القوى الغربية في إندونيسيا سيعمل باتجاه بقاء إندونيسيا دولة موحدة ما لم تتمرد على صندوق النقد الدولي. فليس من مصلحة الغرب تفكك إندونيسيا سياسيا، إذ إن ذلك سيفتح الباب أمام وجود عشرات الدول المتصارعة في المنطقة الاستراتيجية المهمة التي تحتلها إندونيسيا. وتمثل إندونيسيا قوة استراتيجية مهمة للغرب واليابان لحماية مضايق ملقا وطريق العبور بين المحيطين الهادي والهندي. كذلك فإن العلاقات الإسلامية المسيحية في إندونيسيا ستحدد مدى التدخل الغربي في إندونيسيا، فإذا تدهورت تلك العلاقات فإنه من المؤكد أن الغرب سيتدخل في الشأن الإندونيسي.
_____________
* مدير معهد البحوث والدراسات الآسيوية، كلية العلوم السياسية، جامعة القاهرة.