عندما سارت الدول العربية في طريق الاستدانة الوعر كانت تظن نفسها قادرة على تحقيق معادلة صعبة طرفها الأول هو الحصول على الديون واستغلالها في برامج التنمية المختلفة وطرفها الثاني هو سداد هذه الديون وفوائدها. لكن بعد مرور سنوات طويلة على السير في هذه الاتجاه وجدت نفسها في حيرة.. فلا هي حققت التنمية المطلوبة ولا هي أصبحت قادرة على سداد ديونها الخارجية أو الداخلية حتى أصبح مجموع هذه الديون مجتمعة 560 مليار دولار يدفع للقسم الخارجي منها فقط كل عام 40 مليارا.

وأمام العجز عن سداد الديون واستجابة لضغوط المؤسسات الدولية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي لجأت الدول العربية إلى مزيد من الاستدانة أو إعادة جدولة ديونها وفقا لشروط الدائنين الجدد في نادي باريس، مما يثير تساؤلات عن مدى الحاجة إلى اللجوء لمثل هذه الإجراءات.

والأسباب التي دفعت الدول العربية إلى الاستدانة كثيرة، بعضها داخلية كالعجز في الموازنات العامة والتضخم الذي أثر في قيمة العملات الوطنية والركود الاقتصادي المحلي والعالمي وعبء المديونية الخانق، وهو الأمر الذي انعكس على معدلات النمو حيث وصلت في بعض الأقطار العربية إلى ما دون الصفر، وهددت قطاعات حيوية كقطاع الغذاء التي أحدثت به فجوة بلغت قيمتها حوالي 20 مليار دولار.

يضاف ذلك إلى ما يعانيه معظم العرب -باستثناء الدول النفطية الغنية- من تدن كبير في مستويات الدخول حتى أصبح دخل الفرد لا يكفي سد احتياجاته الأساسية من غذاء ومسكن وخدمات صحية وتعليمية ومواصلات، وزادت نسب البطالة إلى أن وصلت لما بين 20 و25% من مجموع القوى العاملة البالغة 100 مليون نسمة.

وبعضها خارجية كالركود العالمي الحالي وانخفاض أسعار المواد الخام الأولية وارتفاع قيمة الفائدة وغيرها من الأسباب التي أصبحت مصطلحات شهيرة اليوم.

لكن التساؤل هنا.. هل كانت هذه الاختلالات الهيكلية في الاقتصاديات العربية سببا للاستدانة أم نتيجة لها؟ على أية حال وسواء أكانت سببا أم نتيجة فإن الدول العربية المدينة وجدت نفسها مضطرة إلى الرضوخ لـ شروط المؤسسات المالية المانحة سواء الدولية منها كـ صندوق النقد الدولي والبنك الدولي اللذان يلزمان الدول المدينة باتباع سياسات اقتصادية واجتماعية معينة. أو المؤسسات المالية العربية التي لم تكتف بإخضاع الدول العربية المقترضة للشروط نفسها التي يطلبها صندوق النقد والبنك الدوليين فحسب وإنما أضافت إليها شروطها الخاصة والتي تحرص فيها عادة على ألا تتخذ الدول المقترضة مواقف سياسية تتعارض مع سياسات الدول الدائنة مما خلق معايير مختلفة في التعامل مع الدول العربية المقترضة كما حدث مع مصر وسوريا والأردن بعد حرب الخليج الثانية.

والآن بعد أن تعثرت الدول العربية المدينة في سداد أقساط ديونها وتراكمت فوائدها مما أثر في إرادتها السياسية، تثور تساؤلات عن أجدى الطرق للخروج من الأزمة، فهل يكون باللجوء إلى إعادة الجدولة عن طريق نادي باريس وتستجيب لشروطه كما استجابت من قبل لشروط مؤسسات التمويل الدولية والعربية حتى يعاد جدولة ديونها وتلتقط أنفاسها وتحاول ترتيب أوراقها من جديد، أم ربما يكون الحل في العمل على خلق استقرار تشريعي ودعم البنية التحتية وتحسين السياسات المالية لإيجاد مناخ صحي للاستثمار يشجع رؤوس الأموال العربية المهاجرة -والتي تقدر بما يتراوح بين 800 و2400 مليار دولار- على العودة إلى أوطانها حتى ولو كانت عودة جزئية.

ويبقى من الضروري استشراف آفاق المستقبل والتفكير في التخلص من مشكلة الديون وهو ما يحاول هذا الملف أن يلقي الضوء عليه بعد أن يستعرض جذور المشكلة ويتتبع تطوراتها.