جيم سواير المتحدث باسم عائلات الضحايا البريطانيين في قضية لوكربي

بقلم: د. عبد الرحيم صالح

مقدمة
مسار العلاقات
حظر استيراد البترول والغارات الجوية
حادثة تفجير لوكربي
تداعيات التعويضات

مقدمة

من الثابت تاريخيا أن حكومة الولايات المتحدة لم تعارض انقلاب العسكر عام 1969 الذي أتى بالقذافي ورفاقه من "الضباط الوحدويين الأحرار" للسلطة في ليبيا. والسبب الرئيسي وراء هذا القبول هو استمرار الحرب الباردة التي كانت تخوضها أميركا ضد الاتحاد السوفياتي وحلفائه آنذاك. فلقد رأت الولايات المتحدة في الانقلابيين الجدد نظاما يقف موقفا حازماً ضد انتشار الشيوعية، ويحظى بدعم شعبي واضح. بل وهناك من المعلقين من أشار إلى احتمال وجود علاقة دعم لحركة الضباط السرية من قبل وكالة المخابرات المركزية سهلت لهم أمر الاستيلاء على الحكم والإطاحة بالنظام الملكي الدستوري.

وبالرغم من استعجال النظام الجديد في إنهاء عقود القواعد العسكرية -البريطانية في برقة، والأميركية في طرابلس- وإصراره على رفع حصة ليبيا من إنتاج البترول، الذي كانت تقوم بمعظمه شركات أميركية، فإن العلاقات الأميركية-الليبية لم تتأثر سلبيا بهذه الخطوات. ولكن بدأت هذه الصورة بالتغيّر تدريجيا مع ارتفاع وتيرة الخطاب الأيديولوجي للنظام الليبي ضد المصالح الأميركية، مما أدى إلى قيام أميركا بسحب سفيرها في طرابلس عام 1973 احتجاجاً على دعم الحكومة الليبية لمجموعات "ثورية" و "إرهابية". ومنذ ذلك التاريخ، وحتى الآن، والعلاقات بين البلدين في تأرجح ما بين حالة توتر وحالة تأزم.

مسار العلاقات وأهم الأحداث والمحطات

أثرت عدة تطورات سياسية وعسكرية واقتصادية بشكل مباشر أو غير مباشر في تدهور العلاقات الأميركية-الليبية. وفيما يلي عرض تاريخي موجز لأهم الأحداث والمحطات.

أبلغت ليبيا وزارة الخارجية الأميركية يوم 11 أكتوبر/ تشرين الأول 1973 عن نيتها إغلاق خليج السدرة للملاحة العالمية، واعتباره جزءا من المياه الإقليمية الليبية. ولما كان هذا يتعدى الـ 24 ميلا المعترف بها حسب القانون الدولي، رفضت واشنطن الطلب يوم 11 فبراير/ شباط 1974، لأن امتداد خليج السدرة يتجاوز 300 ميلاً ولأن ليبيا لا تملك مقومات إثبات سيطرتها على هذا الخليج الكبير. ولعل السبب الرئيسي وراء هذا الرفض هو الحاجة لاستخدام الخليج من قبل القوات الأميركية الموجودة بالبحر المتوسط.

ثم زادت حدة التوتر بين البلدين عام 1977 عندما وجهت أميركا تهمة محاولة اغتيال سفيرها بالقاهرة هيرمان إيلتز (Hermann Eiltz) إلى عناصر ليبية. وعلى إثر ذلك قامت الولايات المتحدة عام 1978 بمنع بيع معدات عسكرية إلى ليبيا بحجة أنها تساند مجموعات إرهابية. كما استطاع ميلسنت فينويك (Millicent Fenwick) ممثل ولاية نيوجرسي بمجلس النواب أن يضيف مادة على "قانون إدارة التجارة الخارجية" مفادها أن تضع وزارة الخارجية قيودا على حركة التجارة مع كل من ليبيا وسوريا والعراق واليمن الجنوبي، وتُخضع أي سلع أو خدمات أميركية ترغب هذه الدول في استيرادها إلى موافقة رسمية من الكونغرس.

وفي 2 ديسمبر/ كانون الأول 1979 أحرق متظاهرون ليبيون مبنى السفارة الأميركية في العاصمة الليبية، وأفادت مصادر صحفية بأن السلطات الليبية ربما تكون ضالعة بالعملية. كما برزت خلال هذه الفترة قضية التحقيق مع بيلى -شقيق الرئيس جيمي كارتر- الذي كان متعاونا مع الليبيين، ورتب اجتماعاً بالبيت الأبيض مع القائم بالأعمال الليبي علي الحضيري. وفي نهاية هذا الاجتماع كتب الرئيس جيمي كارتر بمذكراته الشخصية قوله "لقد كانت المرة الأولى التي يأتي الليبيون فيها إلى البيت الأبيض منذ وجودي به. وكان لي معهم نقاش جيد، وشكرت للقذافي مساعدته في قضية الرهائن (في طهران)، وأخبرتهم أن الهجوم على سفارتنا (في طرابلس) ليس له ما يبرره، وهو شيء خطير بالنسبة لنا. وفي حالة إذا ما تم اعتذار رسمي، وإصلاح للسفارة، أو توفير مبنى آخر، والوعد بتوفير حماية لدبلوماسيينا، فإنه تحت هذه الشروط سوف نحاول أن نحسن من اتصالاتنا مع ليبيا وكذلك علاقاتنا الطويلة الأمد".

إدارة ريغان وارتفاع حدة التوتر



رغم أن التوتر وصل إلى مستوى المواجهة العسكرية بين ليبيا وأميركا فإن الشركات الأميركية للبترول استمرت في مواصلة نشاطاتها في ليبيا

ولكن بوصول رونالد ريغان للحكم ازداد التوتر بالعلاقات، وتم إقفال السفارة الأميركية تماماً في مايو/ أيار 1980، فيما كان النظام الليبي مشغولاً في تصفية معارضيه بالداخل والخارج. وفي سبتمبر/ أيلول 1980 أطلقت طائرة مقاتلة ليبية صاروخ جو- جو لم يُصب طائرة تجسس أميركية كانت تحلق فوق البحر المتوسط، ولم يتخذ الأسطول البحري المرافق أي عمل مضاد. وفي مارس/ آذار 1981 أعلن وزير الخارجية في ذلك الوقت ألكسندر هيغ (Alexander M. Haig Jr) ولأول مرة على لسان مسؤول أميركي كبير، أن "لديه أدلة دامغة على وجود معسكرات تدريب إرهابيين في ليبيا". ثم تبعه الرئيس ريغان يوم 6 مايو/ أيار 1981 بطلب إقفال وطرد البعثة الليبية الدبلوماسية التي كانت تعرف باسم المكتب الشعبي، وذلك بسبب اتهام موظفيها بأعمال "غير قانونية وغير دبلوماسية" منها دعم الإرهاب، ومضايقة بعض المعارضين الليبيين المقيمين في الولايات المتحدة.

وفي 19 أغسطس/ آب 1981 أسقطت طائرات أميركية تابعة لحاملة الطائرات نميتز (Nimitz) مقاتلتين ليبيتين فوق خليج السدرة وذلك، حسب الرواية الأميركية، عندما أطلقت الطائرات الليبية صواريخ جو-جو باتجاه المقاتلات الأميركية. وبعد هذه المواجهة العسكرية فوق مياه المتوسط فرضت أميركا يوم 28 أكتوبر/ تشرين الأول 1981 حظراً على تجارة الطائرات والمعدات الجوية وقطع غيارها حتى "تعرقل قدرة السلاح الجوي الليبي في خوض مغامرات عسكرية ضد الدول المجاورة". وفي نفس الشهر حامت شبهات على أن المخابرات الليبية كانت وراء دسّ عبوات ناسفة بمبنى أقيمت فيه سهرة ليلية شارك فيها دبلوماسيون من السفارة الأميركية بالخرطوم في السودان.

ورغم هذا التوتر الذي وصل إلى مستوى المواجهة العسكرية بين الدولتين، استمرت الشركات الأميركية للبترول في مواصلة نشاطاتها في ليبيا، فإن شركة إكسون (Exxon) قررت وبشكل مفاجئ يوم 18 نوفمبر/ تشرين الثاني 1981 التخلي عن عملياتها ومغادرة ليبيا. كما ألصقت بعض المصادر مقتل الملحق العسكري بسفارة أميركا في باريس يوم 6 ديسمبر/ كانون الأول 1981 بنشاطات ليبية مشبوهة. وفي اليوم التالي، أي 7 ديسمبر/ كانون الأول من نفس السنة، أعلن الرئيس رونالد ريغان عن وجود أدلة لا تقبل الشك تثبت تورط النظام الليبي في إرسال "فرق اغتيال" لقتل موظفين كبار بالحكومة الأميركية، وأصدر أمرا لكل المواطنين المقيمين في ليبيا آنذاك -نحو 1500 أميركي- بمغادرتها فوراً "بسبب الخطر الذي يمثله النظام الليبي على سلامتهم". وبناء على ذلك أطلقت الصحافة الأميركية على القذافي لقب "أخطر رجل في العالم!". واستجابة لأوامر الحكومة بادرت الشركات الأميركية للبترول بسحب موظفيها واستبدالهم بموظفين أوربيين وأجانب.

حظر استيراد البترول والغارات الجوية

رونالد ريغان

أصدر الرئيس ريغان حظراً على استيراد البترول الليبي الخام يوم 10 مارس/ آذار 1982، وتم إيقاف صفقة بيع 12 طائرة بوينغ كانت ليبيا قد تعاقدت عليها بمبلغ 600 مليون دولار في شهر ديسمبر/ كانون الأول من نفس السنة. كما صرح مدير وكالة الاستخبارات المركزية ويليام كاسي (William J. Casey) أنه قد بدأ القيام بعمليات ضد تدخل ليبيا العسكري في تشاد، وأنه يقوم أيضاً بالتعاون مع بعض فصائل المعارضة الليبية التي أعلنت رغبتها في التخلص من القذافي. وفي عام 1983 أرسلت الإدارة الأميركية طائرات أواكس (ِAWACS) لكل من مصر والسودان لمراقبة ما يحدث في تشاد. وفي عام 1984 اتهمت أميركا ليبيا بالتآمر والقيام بوضع ألغام في البحر الأحمر. وفي عام 1985 أعلن ريغان أنه قد وافق على برنامج سري للإطاحة بالقذافي، بينما قامت وزارة الخارجية يوم 15 نوفمبر/ تشرين الثاني بمنع استيراد أي منتجات ليبية بترولية مكررة.

وفي 27 ديسمبر/ كانون الأول 1985 مات أكثر من 20 مدنيا منهم خمسة أميركيين، وجرح نحو 110 مواطنين في الهجوم على مطاريّ روما وفيينا. وقد ربط مسؤولون أميركيون ليبيا بهذه الحوادث عن طريق دعمها لمجموعة أبو نضال. وطلب كل من البيت الأبيض ووزارة الخارجية من دول العالم ممارسة ضغوط اقتصادية حتى ترتدع ليبيا عن مساندة الإرهاب. وفي 7 يناير/ كانون الثاني 1986 أصدر ريغان قراراً بتضييق حجم المبادلات التجارية مع ليبيا، وتجميد أرصدتها المالية الموجودة بالبنوك الأميركية (أكثر من مليار دولار)، ومنع السفر من وإلى ليبيا. غير أن هذه المقاطعة لم تجد أي حماس من الأوروبيين الذين رفضوا التعاون مع إدارة ريغان رغم إلحاحها الشديد. وفي نفس الوقت، عُقدت مناورات قرب الشواطئ الليبية يوم 23 يناير/ كانون الثاني 1986، وقامت باختراق "خط الموت" الذي رسمه القذافي في خليج السدرة، مما أدى إلى حدوث مناوشات عسكرية كان حصيلتها قصف وتدمير بطاريات صواريخ من طراز سام أرض-جو داخل الأراضي الليبية، وإغراق عدة قوارب هجوم ليبية حاولت الاقتراب من سفن الأسطول السادس. ولم تعلن ليبيا عن عدد ضحايا هذه المعارك.


مصباح عبد القاسم
المتهم بتفجير ملهى لابيل

تسبب انفجار بملهى لابيل (LaBelle) الليلي ببرلين يوم 5 أبريل/ نيسان 1986 في مقتل ثلاثة مواطنين، اثنان منهم جنود أميركيون، وجرح 200 منهم 60 مواطنا أميركيا. صرح بعدها الرئيس ريغان بأن ليبيا وراء هذا العمل الإرهابي، وأصدر أوامره بشن غارة جوية شارك فيها مائة طائرة قصفت يوم 15 أبريل/ نيسان 1986 مدنا وقواعد عسكرية مما أدى إلى موت 70 شخصا، حسب المصادر الليبية. وفي 5 مايو/ أيار 1986 استطاعت أميركا أن تقنع "السبع الكبار" بشجب الدور الليبي في دعم الإرهاب، وتطالبهم بأخذ خطوات عملية ضد النظام الليبي منها حظر تصدير الأسلحة، وتقليص عدد البعثات الدبلوماسية، وتسهيل تبادل المتهمين بقضايا إرهابية، وتطوير التنسيق والتعاون بين الأجهزة الأمنية المختلفة. كما ضغطت إدارة ريغان على الشركات البترولية المتبقية بضرورة تصفية حساباتها والخروج من ليبيا قبل نهاية شهر يونيو/ حزيران 1986.

حادثة تفجير لوكربي

أشارت أصابع الاتهام أول الأمر إلى إيران وسوريا عندما وقع حادث انفجار رحلة بان أميركان (Pan Am) رقم 103 فوق قرية لوكربي الأسكتلندية، والذي راح ضحيته 270 شخصا يوم 21 ديسمبر/ كانون الأول 1988. ثم بعد تحقيق طويل ومكلّف، أعلنت كل من بريطانيا وأميركا وفرنسا في صحيفة اتهام مشتركة يوم 14 نوفمبر/ تشرين الثاني 1991 أن المسؤول عن هذه الكارثة هم عناصر بالمخابرات الليبية، وطلبت من ليبيا تسليم المشتبه فيهم للقضاء، والتعاون بإجراءات التحقيقات، ومعاقبة الجناة إحقاقا للعدالة، وإن لم تفعل ذلك فسيكون نصيبها مقاطعة اقتصادية حتى تستجيب لهذه المطالب. قبضت أجهزة الأمن الليبية على رجلين مشتبه فيهما يوم 4 ديسمبر/ كانون الأول 1991 ولكنها رفضت تسليمهما إلى بريطانيا أو إلى أميركا. ولما بدأت ليبيا بالمماطلة، سعت الولايات المتحدة لاستصدار قرار من مجلس الأمن بالأمم المتحدة يوم 13 مارس/ آذار 1992 نص على حظر الرحلات الجوية من وإلى ليبيا، ومنع بيعها أي أسلحة.

ونظراً لعدم امتثال ليبيا لمطالب الأمم المتحدة استصدر مجلس الأمن قرارا آخر يوم 11 نوفمبر/ تشرين الثاني 1993، طالب فيه بحظر بيع المعدات والآلات البترولية، وتجميد كل الأرصدة الليبية بالخارج، ويطلب تسليم المتهمين للقضاء الإنجليزي. أعلنت ليبيا عن استعدادها لإرسال المتهمين إلى جهة ثالثة محايدة، ولكن قوبل هذا العرض بالرفض من قبل لندن وواشنطن. وفي تقريرها السنوي عن حقوق الإنسان، الصادر في أبريل/ نيسان 1995، اتهمت وزارة الخارجية الأميركية ليبيا بالاستمرار في تمويل الإرهاب وقتل المعارضين الليبيين لنظام القذافي. وفي 22 ديسمبر/ كانون الأول من نفس العام أصدر الكونغرس قانونا دفع به السيناتور إدوارد كينيدي (Edward Kennedy) يمنع الشركات من الاستثمار في قطاعي البترول الليبي والإيراني بما يزيد عن مبلغ 40 مليون دولار . وقد عارضت دول الاتحاد الأوروبي بشدة مشروع هذا القانون الذي اشتمل أيضا على عقوبات صارمة لكل شركة تسعى إلى تحويل أو بيع أي تكنولوجيا متقدمة إلى ليبيا. وفي عام 1996 أصدر الكونغرس قانونا ضد الإرهاب سمح لعائلات ضحايا لوكربي برفع قضية ضد الحكومة الليبية أمام القضاء الأميركي. فيما أصدرت ليبيا تقريرا طويلاً بتاريخ 14 أكتوبر/ تشرين الأول من نفس السنة يتناول الآثار المدمرة للعقوبات الدولية والتي كلفت الاقتصاد الليبي نحو 19 مليار دولار وتسببت في موت نحو 2100 من المواطنين.

وفي 8 مايو/ أيار 1997 طار القذافي، مخالفاً الحظر الجوي لأول مرة في زيارة للنيجر. وفي 19 أكتوبر/ تشرين الأول 1997 أرسلت الحكومة الليبية برسالة إلى أقارب وعائلات ضحايا لوكربي طالبتهم فيها بقبول تعويضات مالية، والعمل على إنهاء المقاطعة الدولية. وفي نفس الشهر، زار الرئيس نيلسون مانديلا طرابلس التي سافر إليها عن طريق البر احتراما للحظر الجوي، وكان مانديلا أهم شخصية دولية تزور القذافي منذ قرار مجلس الأمن الصادر سنة 1992. هذا وقد طلبت الحكومة الليبية يوم 20 مارس/ آذار 1998 من مجلس الأمن مناقشة موضوع العقوبات، والنظر إلى آثاره "الخطيرة" على المجتمع الليبي، إلا أن ممثل الولايات المتحدة بيل ريتشاردسون (Bill Richardson) حمّل مسؤولية معاناة الشعب الليبي على مماطلة الحكومة الليبية وعدم امتثالها لقرارات الشرعية الدولية.

تسليم المتهمين في تفجير لوكربي:
صرح كل من وزيرة الخارجية الأميركية مادلين أولبرايت (Madeleine Albright) ووزير الخارجية البريطاني روبن كوك (Robin Cook)، يوم 24 أغسطس/ آب 1998، أنهما على استعداد لقبول مشروع تسليم المتهمين الليبيين إلى هولندا لمقاضاتهما أمام القضاء الأسكتلندي. وطُرح هذا المشروع كمحاولة أخيرة لحل الأزمة، وفي حال عدم تجاوب ليبيا فإن الدولتين سوف تطالبان بفرض مقاطعة البترول الليبي. وفي 27 أغسطس/ آب صوّت مجلس الأمن بأنه سيُعلق تطبيق العقوبات إذا ما وافق القذافي على تسليم المشتبه في أنهما ارتكبا الجريمة للمثول أمام المحكمة. قبل القذافي العرض ولكن طلب الحصول على ضمانات من الأمم المتحدة. ثم كرر ذلك بوزيد دورده ممثل ليبيا بالأمم المتحدة في خطاب أمام الجمعية العامة ألقاه يوم 6 سبتمبر/ أيلول 1998، وقال فيه إن هذا العرض الأخير "سم مدسوس بالعسل!"، وأصر على الحصول على مزيد من الضمانات بشأن حقوق المتهمين في محاكمة عادلة، وعدم ترحيلهما عنوة إلى بريطانيا أو أميركا. بينما هدد الرئيس بيل كلينتون (Bill Clinton) في لقاء مع عائلات الضحايا بمناسبة الذكرى العاشرة للتفجير في حال عدم انصياعها بتسليم المتهمين، بمزيد من الحظر والعقوبات "القاسية". وفي 5 ديسمبر/ كانون الأول 1999 زار الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان (Kofi Annan) ليبيا وقال بعد انتهاء محادثاته مع القذافي بأنها كانت "مثمرة وإيجابية". ثم بعد مفاوضات طويلة شارك فيها بأوقات مختلفة كل من مصر والمملكة العربية السعودية وجنوب أفريقيا، قدم أنان في رسالة إلى القذافي الضمانات اللازمة بما فيها قصر المسؤولية على المتهمين، وعدم تعريضهما لأي استجوابات من قبل السلطات الإنجليزية أو الأميركية، وقضائهما فترة الحكم، إذا ما ثبتت إدانتهما بأحد سجون أسكتلندا تحت مراقبة الأمم المتحدة.

وفي يوم 5 أبريل/ نيسان 1999 أذعنت ليبيا أخيراً لتسليم كل من: عبد الباسط علي المقرحي (47 سنة) والأمين خليفة فحيمة (43 سنة) لإنهاء إجراء محاكمتهما في هولندا. وفي نفس اليوم قامت الأمم المتحدة بتعليق العقوبات التي سيتوقف رفعها الدائم على مدى تعاون ليبيا مع المحكمة. وهكذا بعد سنوات طويلة من التحقيقات وجمع المعلومات بدأت القضية الدولية التي قدرت تكاليفها بنحو 80 مليون دولار، واستغرقت نحو 85 يوماً، واستمعت إلى 235 شاهداً، وأنتجت ما يزيد عن عشرة آلاف صفحة من الوثائق القانونية، لتصدر حكماً يوم 31 يناير/ كاون الثاني 2001 بإدانة المقرحي وبراءة فحيمة. ثم تكلفت قيمة استئناف الحكم ما يزيد عن 83 مليون دولار إضافيا. وفي 14 مارس/ آذار 2002 أقرت المحكمة إدانة المقرحي ومعاقبته بالسجن. وقد رحب البيت الأبيض بقرار المحكمة النهائي وطالب بضرورة استكمال بقية الشروط المترتبة على ليبيا، والتي تمخضت عن قبولها دفع تعويضات لعائلات الضحايا بقيمة 2,7 مليار دولار.

تداعيات التعويضات ومستقبل العلاقات الأميركية-الليبية


إن تنازلات العقيد الباهظة قد تؤدي إلى انتقال عدوى المطالبة بتعويضات مماثلة من أطراف أخرى تضررت من النشاط "الثوري" الليبي في السابق
لقد أوضحت المفاوضات الأخيرة أن الولايات المتحدة قد نجحت في جعل مسألة دفع التعويضات صفقة مالية ما بين عائلات الضحايا والحكومة الليبية. ورغم قبول ليبيا "مسؤولية ما ارتكبه موظفوها" في هذا الحادث، وإصرارها على ربط دفع الفدية بخطوات سياسية تتضمن رفع العقوبات الأميركية الثنائية، وشطب اسم ليبيا من قائمة الدول الداعمة للإرهاب، فإن البيت الأبيض ووزارة الخارجية صرحا بكثير من التشدد في معرض تعليقهما على صفقة القذافي مع عائلات ضحايا لوكربي "أن سلوك النظام الليبي، بما في ذلك، تاريخه الهزيل في مجال حقوق الإنسان، وانعدام المؤسسات الديمقراطية، ودوره المخرب بإشعال الفتن الإقليمية في أفريقيا، واستمراره المزعج في الحصول على أسلحة الدمار الشامل ووسائط إطلاقها، ما زال يشكل قلقا خطيرا. وستضاعف الولايات المتحدة من جهودها لإزالة العناصر المهددة في سلوك ليبيا، وستظل المقاطعة الأميركية مستمرة حتى يتم الاهتمام بهذه القضايا". فمقابل إلغاء عقوبات مجلس الأمن التي كانت معلقة أصلا منذ عام 1999، في أغلى عملية رفع عقوبات "معلقة" بالتاريخ، يجد النظام الليبي نفسه في مواجهة مستمرة مع إدارة الرئيس بوش، التي حازت دعما شعبيا في حربها على الإرهاب بعد أحداث 11 سبتمبر/ أيلول 2001، وتسعي بكل جهدها عبر توظيف هذا الدعم الواسع إلى تغيير منطقة الشرق الأوسط بما يخدم المصالح الإستراتيجية لأميركا، وما يتطلبه ذلك من ضغوط مباشرة على أنظمة حكم استبدادية في معظمها، تغلق فرص المشاركة السياسية والاقتصادية أمام سكانها وتدفع بهم نحو التطرف والإرهاب، حسب ما تراه هذه الإدارة. ولعل التغيّر الكبير في خطاب وسلوك العقيد القذافي السياسي لخير دليل على استيعابه ما حدث للنظام العراقي ومحاولته تفادي -وبأي ثمن- إثارة غضب "المحافظين الجدد" الذين يسيطرون بشكل مباشر على أهم منابر صناعة القرار في الولايات المتحدة في الوقت الراهن، وربما لأربع سنوات قادمة يملؤها التوتر والتأزم.
غير أن تنازلات العقيد الباهظة قد تؤدي إلى انتقال عدوى المطالبة بتعويضات مماثلة من أطراف أخرى تضررت من النشاط "الثوري" الليبي في السابق. وأدت إلى تحريك المعارضة في الخارج حيث أصدرت بيانا موجهاً إلى الأمم المتحدة حمّلت فيه القذافي شخصياً مسؤولية جريمة لوكربي، وناشدت العالم مساعدة الشعب الليبي من أجل إعادة الحياة الدستورية، ومحاسبة كل من أجرم في حقه. وقد لاقى هذا البيان الذي وقّع عليه عدد كبير من المثقفين الليبيين استحساناً كبيراً داخل ليبيا.
_______________
* كاتب ليبي مقيم بالولايات المتحدة