علي نصار

يتصاعد التوتر السياسي في فلسطين والعراق ولبنان بسبب اختلاف أطراف المعادلة الداخلية حول مكانة المقاومة الوطنية فيها. وتتموضع هذه الأطراف على جبهتين متقابلتين تختلفان في رؤيتهما لدور المقاومة ومصيرها، كما تتعارض نظرتاهما إلى مشروعية وتداعيات "توظيف" المقاومة في تشكيل وإدارة مؤسسات الحكم الوطني، الأمر الذي يطرح أسئلة متنوعة.

صراع السلطة والمقاومة
مقاومة الفصائل و"المجتمع المقاوم"
المقاومة وأمراض النمو


صراع السلطة والمقاومة

شهد عام 2006 نموا تصاعديا في نشاط المقاومة الوطنية ضد قوات الاحتلال الأميركي والإسرائيلي، ففي فلسطين فازت "حماس" بالأغلبية في الانتخابات التشريعية التي أجريت في ديسمبر/كانون الثاني الماضي، وتمكنت من تشكيل حكومة جديدة.

كما تحول غزو العراق إلى قشة تقصم ظهر البعير الأميركي، فمثلا تجاوزت خسائر الجيش الأميركي في شهر أكتوبر/تشرين أول حاجز مائة قتيل. وخلال صيف 2006 بلغ هذا النمو ذروة غير مسبوقة حينما برهن المقاومون في لبنان (حرب يوليو/تموز) على إمكانية صد وهزيمة جيش العدوان الصهيوني.

لكن وفرة الحصاد في مثلث المقاومة لم يبدل سياق التوتر السياسي الداخلي، بل ألهبه حدة فوجدت الدول الثلاث نفسها ضمن دوامة الصراع بين السلطة والمقاومة.

في فلسطين بادر الرئيس محمود عباس إلى الضغط على رئيس الوزراء إسماعيل هنية، من أجل تأليف حكومة تبدأ بتفكيك الجناح العسكري لحركة حماس باعتبارها إحدى مليشيات الإرهاب وفق المفاهيم الأميركية الإسرائيلية.

وسار الوضع الفلسطيني على حافة الهاوية، لأن الضغط الرئاسي ترافق مع حصار إقليمي ودولي قيد عمل حكومة هنية، ومنع تشكيل حكومة وحدة وطنية. كما دفع حركتي حماس وفتح إلى الاقتراب من حد الصدام، وإسقاط حرمة الدم الفلسطيني، بعد وصول المفاوضات بينهما إلى طريق مسدود.

وفي العراق لجأت حكومة نوري المالكي إلى مواجهة فصائل المقاومة الوطنية عبر "مبادرة الحوار والمصالحة". حيث يطمح رئيس الوزراء إلى وقف الاقتتال الداخلي، وإخراج البلاد من جحيم القتل والموت، لكنه لا يعطي الأولوية لخروج الاحتلال، وإنما يريد لمبادرته احتواء دور المقاومة، وإرغامها على التسليم أمام حكومته، بـ"أنه لا مستقبل لمعارضة العملية السياسية بعد الانتخابات". وقد أكد أن لا هدف للمبادرة سوى "فتح باب ..." لأي فصيل مقاوم "يرغب في الانضمام" إلى هذه العملية. 

كما اتخذ صراع السلطة والمقاومة في لبنان شكل أزمة سياسية خطيرة، بعد أن بدأ الفريق المعارض لوجود المقاومة أو المطالب بإنهائها، التساؤل علنا عما إذا كان هدف المقاومة هو "مزارع شبعا أم السراي الحكومي".

ومن ثم أخذ يعبر عن القلق من بقاء سلاح المقاومة، ويصر على أن "قرار الحرب والسلم يجب أن يكون قرار الدولة" لا المقاومة، حتى وإن كان الاحتلال الإسرائيلي لا يزال جاثما، وخطره لم ينته بعد.

ومن الواضح أن القوى المعترضة على وجود المقاومة أو استمرار دورها، لديها رغبة جامحة للبت العاجل في مصير المقاومة. وهذه الرغبة تحملها على مقاربة إشكالية العلاقة بين السلطة والمقاومة، من منطلق الخشية أو القلق من تغيير وجهة المقاومة، و"توظيف" سلاحها من أجل الإطاحة بالتوازن السياسي الوطني، لا سيما إذا بقي عمل المقاومة يسير على وتائره التصاعدية الراهنة.

لذا تطرح تساؤلات عما إذا كان "توظيف" المقاومة في الداخل أمرا ينافي الأخلاق حقا ولا بد من الكف عنه، وعما إذا كان من الممكن أصلا عدم "توظيف" المقاومة في الواقع الوطني أو العربي؟

مقاومة الفصائل و"المجتمع المقاوم"

"
 حوادث 11 سبتمبر/أيلول 2001، وهيمنة المحافظين على الحكم في أميركا زادت من اهتمام حركات المقاومة بمفهوم "المجتمع المقاوم"
"

يتوقف "توظيف" المقاومة في الداخل، أي في شؤون تكوين السلطة وإدارة الحكم الوطني، على طبيعة الرؤية السياسية إلى المقاومة الوطنية. وهذا الاختلاف في الرؤى هو الذي يحدد دلالات مفهوم "التوظيف"، ومن ضمنه أخلاقيات المقاومة وأخلاقيات معارضيها أيضا.

وكما يشير تاريخ المقاومة فإن "التوظيف" كان جزءا من رؤية هيمنت في فلسطين ولبنان خلال التسعينيات، واعتبرت المقاومة قوة داخلية طرفية، تنفذها فصائل أو مجموعات مسلحة تقف طوعا أو غصبا على هامش المجال السياسي الوطني، ولا نفع منها سوى مواجهة "الخارج" عند التخوم وعلى الحدود.

وقد حملت هذه الرؤية تيارات فكرية سياسية كبرى مثل "العرفاتية" و"الحريرية"، فقدمت فهما نفعيا ضيقا، لإشكالية علاقة السلطة بالمقاومة. ومن نافلة القول أن هذه التيارات كانت "متفاهمة" مع حاجات ومصالح السياسة الأميركية، لكنها استفادت من ظروف المرحلة السابقة، ونجحت فعلا في تحويل رؤيتها إلى ممارسة سياسية فرضت توازنات داخلية، ظلت طيلة العقد المذكور مستقرة بفضل توفر شرطين أساسيين:

  • الأول هو حشر فصائل المقاومة الفلسطينية في غزة والضفة الغربية ضمن قيود سلطة "اتفاق أوسلو". وكذلك عزل تشكيلات المقاومة اللبنانية عن آليات عمل السلطة التنفيذية وإدارة الحكم في جمهورية "اتفاق الطائف".
  • والثاني هو إبقاء سيف الحرب الأهلية أو القمع الدموي مسلطا على رقاب المقاومين وقيادات المقاومة، وإجبارهم على احترام "لعبة السلطة"، والقبول بالسيئ أملا في تلافي الأسوأ.

لكن هذه الرؤية السياسية إلى المقاومة الوطنية وكيفية "توظيفها" في الداخل، ستكون في خاتمة المطاف سببا في انهيار التوازنات الداخلية نفسها. ففي فلسطين ستتراجع إستراتيجية التحرير لصالح إستراتيجية السلطة الفاسدة، أما في لبنان فسوف تؤدي السلطة الفاسدة بنفسها إلى الانهيار، بل الانتحار.

بدأ هذا التوازن الداخلي "المستقر" في الاختلال تدريجيا بعد تحرير لبنان في 25 مايو/أيار 2000، واندلاع انتفاضة الأقصى في 28 سبتمبر/أيلول 2000. فقد ترسخ صعود قوى "المقاومة الإسلامية" في لبنان وفلسطين.

وهذا التحول الفكري السياسي الذي أحدثه التحرير وأحدثته الانتفاضة في بنية المقاومة الوطنية أدى إلى:

  • إضعاف التيارات السياسية القديمة التي كانت تحاول حفظ التوازن الداخلي السابق لصالحها، بهدف إبقاء فصائل المقاومة على هامش المجال السياسي الوطني.
  • تعزيز تيار المقاومة الإسلامية الذي طرح رؤية جديدة لإقامة التوازن الداخلي، على أساس "توظيف" دور وقوة المقاومة في تكوين "المجتمع المقاوم" للاحتلال.

ثم جاءت حوادث 11 سبتمبر/أيلول 2001، وهيمنة المحافظين الجدد/الصهاينة على الحكم في الولايات المتحدة، لتزيد من اهتمام حركات المقاومة الوطنية بمفهوم "المجتمع المقاوم"، لا سيما كيفية "توظيف" جهودها ودورها في المشاركة في تكوين السلطة وإدارة الحكم، وعدم حصره في نطاق عملية التحرير من الاحتلال.

فإدارة الرئيس الأميركي جورج بوش التي رفضت مبدأ المقاومة ووضعت حركات المقاومة على لائحة الإرهاب، راحت تخير هذه الحركات بين انتهاج السبيل الديمقراطي تحت الاحتلال أو مواجهة عواقب تهمة الإرهاب، لكنها وقعت في نهاية المطاف ضحية المكيدة السياسية التي دبرتها.

المقاومة وأمراض النمو

"
تواجه المقاومة تحدي الاستمرار في ممارسة السلطة كليا أو جزئيا. لأن "توظيف" المقاومة للإمساك بالسلطة، لا يكون مفيدا إلا بمقدار ما يمنح المقاومة تسخير الموارد العامة لبناء "المجتمع المقاوم" وخدمة إستراتيجية التحرير
"

لم يعد "توظيف" المقاومة إذن فكرة محتملة أو مفترضة. فالمقاومة الوطنية تسيطر على الحكومة الفلسطينية، وتشارك في الحكومة اللبنانية، كما أن وزنها في البرلمان العراقي يزعج نظام الاحتلال، ويضعف التيارات التقسيمية التي يدعمها. وهذا النجاح النسبي تقابله تحديات كثيرة، تشير إلى معاناة المقاومة مما يمكن أن يوصف بأمراض النمو.

فالمقاومة الوطنية في فلسطين ولبنان تواجه تحدي تلافي الحرب الأهلية، ذلك أن التجربة الفلسطينية والتجربة اللبنانية بعد عام 1990 أثبتت ولا تزال تثبت أن فعالية المقاومة الوطنية في ظل السلم المدني تتضاعف وتتطور وقد أثمرت تحريرا في لبنان، وتحريرا في غزة.

مع الأخذ بعين الاعتبار أن الحرب الأهلية قد تعيق المقاومة ولكنها لا توقفها، ومثال ذلك التجربة اللبنانية السابقة قبل عام 1990، والتجربة العراقية الحالية، حيث أثبتت كل منهما إمكانية خوض المقاومة الوطنية ضد الاحتلال بالرغم من نيران الحرب الأهلية.

كما تواجه المقاومة تحدي الاستمرار في ممارسة السلطة كليا أو جزئيا. لأن "توظيف" المقاومة للإمساك بالسلطة لا يكون مفيدا إلا بمقدار ما يمنح المقاومة الوطنية فرصة الاستفادة من الموارد العامة، وتسخيرها لبناء "المجتمع المقاوم" وخدمة إستراتيجية التحرير. وهذا التحدي يتطلب افتراقا معينا عن قوى الفساد المستشري حاليا في أجهزة السلطات الفلسطينية والعراقية واللبنانية.

إن مشاركة قوى المقاومة الوطنية في الحكومة وأجهزة السلطة التشريعية يطرح أمامها تحدي تعزيز عرى الوحدة الوطنية. ليس لأن الاحتلال يعمل دائما على تحريك التناقضات الثانوية في المجتمع لتفتيته أو تقسيمه وحسب، بل لكون المقاومة نفسها تشكو من نقاط ضعف إشكالية problématique تؤثر على دورها، خصوصا في العراق.

وهذا الضعف الناشئ عن أسباب سياسية واجتماعية وطائفية أو مذهبية لا يمس البعد الوطني الثابت والجلي لقوى المقاومة، بقدر ما يبين ضرورة صوغ تفاهمات وطنية داخلية تطمئن كل الفئات السياسية والطائفية، وتحمي المقاومة وتعينها على الاستمرار.

فمعالجة أمراض النمو تمهد السبيل للخروج من دوامة الصراع بين السلطة والمقاومة.
_______________
باحث لبناني