*بقلم/ د. الحسن بوقنطار

- التناوب التوافقي.. الظرفية والحصيلة
- الملك محمد السادس وترسيخ التناوب

ليس من المبالغة القول إن الانتخابات التي ستُجرَى يوم 27 من هذا الشهر لاختيار أعضاء مجلس النواب (الغرفة الأولى في البرلمان المغربي) تشكل لحظة متميزة في مسار الحياة السياسية المغربية. وليس مرد ذلك إلى كونها تمثل أولَ استحقاق انتخابي، فالمغرب عرف منذ استقلاله سلسلة من الانتخابات رافقها الكثير من الشوائب التي أثرت في الخريطة السياسة، وإنما لكونها تتوخى أن تتصف بالشفافية والنزاهة بشكل قد يمكن من تشكيل نوع من القطيعة مع الممارسات السابقة، وهي قضية ترتبط بخاصيتين أساسيتين:

  • تتمثل الأولى في كونها تأتي في سياق مرحلة التناوب التوافقي، وهي التجربة التي قادها الملك الراحل الحسن الثاني والتي أفضت إلى بزوغ حكومة يترأسها الأستاذ عبد الرحمن اليوسفي الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي الذي يمثل أهم حزب معارض للسياسات التي ظلت متبعة في البلاد منذ الاستقلال. وقد تمكنت تلك الحكومة أن تضمن الاستمرارية حتى هذا الاستحقاق الذي يشكل سابقة في التاريخ السياسي المغربي، فلأول مرة تتقدم حكومة للدفاع عن حصيلة ممارستها ورغبتها في الاستمرارية لمواصلة إنجاز ما تم إنجازه.
  • وأما الخاصية الثانية فتكمن في كون هذه الانتخابات تشكل أول استحقاق يجري في عهد الملك محمد السادس الذي تسلم مقاليد السلطة بعد وفاة والده في 23 يوليو/تموز 1999. وقد سعى إلى إعطاء إشارات قوية تعبر عن رغبته في تدعيم هذه التجربة وترسيخ ممارسة أكثر ديمقراطية تنبع من انتخابات أكثر شفافية وأكثر تعبيرا عن التوازنات السياسية في البلاد.

إن هاتين الخاصيتين تجعلان الانتخابات الحالية تتم في ظل رهانات أساسية من بينها إبراز مدى القدرة على إجراء انتخابات نزيهة وشفافة لا طعن في نتائجها ومخلفاتها، وعلاوة على ذلك تحديد القوة السياسية أو الكتلة التي ستحصل على أكبر عدد من المقاعد يمكّنها من التطلع إلى قيادة الحكومة المقبلة لمواجهة التحديات المتنوعة المرتبطة أساسا بتأهيل البلاد للانخراط بشكل فاعل وإيجابي في تيار العولمة والحداثة.

التناوب التوافقي.. الظرفية والحصيلة


برزت مسألة حقوق الإنسان في المغرب مع التغيرات التي شهدها النظام العالمي الجديد وقد ظلت محجوبة طويلا خاصة خلال ما عرف في المغرب بسنوات الجمر

لم يأت التناوب نتيجة قرار ظرفي أو انفرادي، بل شكل محصلة لمسلسل من التحولات التي شهدها النظام السياسي المغربي والتي كانت تهدف إلى التكيف مع التحولات الكبرى التي كان يتداخل فيها ما هو خارجي وما هو داخلي. فمن جهة لا مناص من الإقرار أن التغيرات المتسارعة التي شهدها النظام الدولي منذ أواسط الثمانينيات، والتي أفضت إلى انهيار نظام القطبية الثنائية، وسياسيا إخفاق الديمقراطية الشعبية وهيمنة نموذج الديمقراطية الليبرالية، قد أسهم في إعطاء الأولوية لقضايا كانت محجوبة في ظل صراعات الحرب الباردة، في مقدمتها مسألة حقوق الإنسان التي أصبحت تكتسي أهمية بالغة اعتبارا للخروق التي عرفتها هذه الحقوق في السنوات الماضية أو ما سمي في المغرب بسنوات الجمر، وذلك بالنظر إلى بداية تنامي المجتمع المدني بفعل تراجع الدولة نفسها وتوسع فضاء الحرية.

ورغم كل ما يقال عن تسخير الغرب للديمقراطية للضغط على الأنظمة في العالم الثالث، فإن ذلك لا يمنع القول إنها لعبت دورا لا يستهان به في دفع مثل هذه الأنظمة إلى إعارة الاهتمام اللازم لمثل هذه القضايا وخلق التناغم بينها وبين الشفافية والنزاهة والتعددية الحقيقية، ومن جهة ثانية تفاقم الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية التي بدأت تأخذ مناحي تهدد استقرار الكثير من الأنظمة. فقد بدأت الكثير من الدول تعاني من الاختلالات التي يعرفها النظام الاقتصادي العالمي، ولكن بالنسبة للمغرب واجه صعوبات إضافية بفعل التدبير العسكري والمجهود التنموي الاستثنائي للمناطق الصحراوية المسترجعة، وكذلك بفعل الجفاف الذي بات يشكل ظاهرة دورية لا تنعكس آثارها السلبية فقط على القطاع الفلاحي بل يؤثر بحكم طبيعة البنيات الاقتصادية الهشة في الناتج القومي برمته، دون إغفال استمرار التبذير في السياسات العمومية وضعف العقلنة وترشيد الموارد.

لقد كان من الطبيعي أن تنعكس هذه الأوضاع اجتماعيا، خاصة بفعل برنامج التقويم الهيكلي الذي أوحى به صندوق النقد الدولي منذ 1983 لإعادة إقرار التوازنات المالية والذي فرض تقليصات ملموسة في تدبير المرافق الاجتماعية الحيوية، كما هو الأمر بالنسبة للتعليم والصحة.

وليس غريبا أن يكون من بين الأسباب التي ستقود نحو إعادة صياغة العلاقات بين مكونات الحقل السياسي، الإضراب العام الذي دعت إليه في 14 ديسمبر/كانون الأول 1990 المركزيتان النقابيتان "الكنفدرالية الديمقراطية للشغل" و"الاتحاد العام للشغالين بالمغرب" علاوة على ملتمس الرقابة الهادف إلى حجب الثقة عن الحكومة الذي قدمته المعارضة.


اتخذت القوى الإسلامية في الجزائر وفي تونس سبيل المواجهة مع السلطة في حين تجنبت المصادمة مع السلطة في المغرب

وأخيرا فإن التحولات رافقها بداية تنامي حضور القوى الإسلامية والتي انتعشت كثيرا بفعل الثورة الإسلامية في إيران، وإذا كانت قد اتخذت طابع المواجهة الواضحة مع السلطة في تونس والجزائر، فإن الأمر في المغرب مختلف حيث واصلت تقوية انتشارها واستعراض وجودها كلما أتيحت لها الفرصة مع تجنب كل ما يؤدي إلى التصادم المباشر مع السلطة، وهو المبتغى نفسه الذي سعت إليه السلطة عبر إقرار إصلاحات سياسية تستجيب تدريجيا لمطالب قوى المعارضة وتمكن النظام السياسي من التناغم مع التحولات العالمية والداخلية التي أسلفنا ذكرها، لا سيما أن الهوة بدأت تضيق بين تصورات المعارضة وبين السياسات الإستراتيجية السائدة في البلاد.. فقد بدأ يتشكل توافق إزاء ما يسمى بالثوابت المتمثلة في إقرار ملكية دستورية ديمقراطية، والخلاف أصبح منصبا أكثر على آليات تحقيق ذلك، وذلك كما سيتم التفكير فيه عبر سلسلة من الإصلاحات السياسية.

1 – إصلاحات سياسية ودستورية
في هذا السياق باشرت السلطة في ظل نوع من الحوار إفراز شروط لممارسة جديدة، وفي هذا الإطار فإن ملف حقوق الإنسان الذي شكل نقطة سوداء في مسيرة النظام بدأت تصفيته تدريجيا عبر سلسلة من الإجراءات انصبت سواء على إلغاء بعض القوانين الزجرية التي يعود البعض منها إلى عهد الاستعمار، أو إصلاح المسطرة الجنائية (القوانين والنظم القضائية) عن طريق إنتاج ضمانات أكبر للمتهم، أو فيما يخص أوضاع المعتقلين ولا سيما سجناء الرأي.. بل وأهم من ذلك لقد تم على المستوى المؤسساتي إحداث جهازين يشكلان لبنة أساسية في ضمان احترام حقوق الإنسان هما:
المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، وهو رغم طابعه غير التقريري شكّل -بحكم تركيبته المتنوعة التي ضمنت ممثلي الأحزاب السياسية والنقابات ومنظمات حقوق الإنسان- أداة اقتراحية لسلسلة من الإجراءات التي وافق عليها العاهل الراحل الحسن الثاني.
وفي الاتجاه نفسه فإن تأسيس المحاكم الإدارية كان يعني بداية إصلاح القضاء الذي يعاني من الكثير من الاختلالات والسلبيات، وفي الوقت نفسه تمكين المواطن وكافة المتعاملين من وسيلة أساسية لوقف شطط السلطة، وبالأساس الإدارة التي يتعاملون معها يوميا.


أدخل دستور 1992 إصلاحات من أبرزها التنصيص في ديباجته على انخراط المغرب في منظمة حقوق الإنسان كما عمل على إبراز مؤسسة الحكومة كجهاز ينبثق من التوازنات داخل المؤسسة التشريعية، ويستمد استمراريته من الثقة المزدوجة للملك والبرلمان

وفي الواقع فإن هذه الإجراءات كانت تؤشر لإصلاحات دستورية جوهرية، وذلك ما تم فعلا عبر مشروع دستور جديد تمت الموافقة عليه في استفتاء شعبي جرى في سنة 1992 والذي تم بموجبه تغيير دستور 1972. لقد أدخل هذا الدستور الجديد تغييرات أساسية من أهمها التنصيص في ديباجته على انخراط المغرب في منظمة حقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالميا، وإعادة صياغة شروط إصدار القانون، كما عمل على إبراز مؤسسة الحكومة كجهاز ينبثق من التوازنات داخل المؤسسة التشريعية ويستمد استمراريته من الثقة المزدوجة للملك والبرلمان، علاوة على إقرار بعض المؤسسات كما هو الأمر بالنسبة للمجلس الدستوري أو المجلس الاقتصادي والاجتماعي.

بيد أن هذه الإصلاحات لم تؤد إلى إفراز واقع سياسي جديد، فقد كانت الانتخابات مخيبة للآمال بالنسبة لأحزاب المعارضة، وهو الأمر الذي دفع الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية إلى مغادرة البلاد احتجاجا على ما وقع من مخالفات.

وفي السياق نفسه لم تفض المفاوضات التي تمت فيما بعد إلى قبول الكتلة الديمقراطية لتشكيل حكومة التناوب، وقد يعزى ذلك إلى تشبثها باستبعاد الرجل القوي في النظام وهو إدريس البصري وزير الداخلية، الأمر الذي رفضه الملك كما دل على ذلك بلاغ صدر في هذا الصدد.

إلا أن هذه الانتكاسة لم تفض إلى إغلاق الباب، فقد تم في 13 سبتمبر/أيلول 1996 تعديل الدستور من جديد، وهو الذي صوتت عليه الأحزاب السياسية المغربية بشبه إجماع. لقد تضمن من بين إصلاحاته الأساسية إقرار نظام الغرفتين، حيث نص على إحداث مجلس للنواب ومجلس للمستشارين، الأول ينتخب بالاقتراع العام المباشر، والثاني ينتخب بالاقتراع غير المباشر بواسطة هيئة ناخبة تضم عددا من أعضاء المجالس المحلية والغرف المهنية والنقابات. لكن ما هو أساسي في هذه الازدواجية هو تشابه اختصاصاتها إلى حد المساواة، وهو الأمر الذي كانت تفسره عوامل سياسية مرتبطة بجعل الغرفة الثانية كمحجم لدور الغرفة الأولى على خلاف ما يقع في التجارب الأخرى، حيث إن اختصاصات الغرفة الثانية غالبا ما تكون رمزية وبالتالي تبقى الاختصاصات التشريعية الفعلية بيد الغرفة الأولى. على ضوء ذلك جرت انتخابات مجلس النواب في 14 نوفمبر/تشرين الثاني 1997 وهي التي مكنت الاتحاد الاشتراكي من الحصول على أكبر عدد من المقاعد ليصبح بذلك القوة السياسية الأولى في البلاد، كما أفرزت وجود ثلاث مجموعات سياسية شبه متكافئة وهي الكتلة الديمقراطية التي تضم الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وحزب الاستقلال وحزب التقدم والاشتراكية.. ومجموعة الوفاق أي اليمين وهي التي تتكون من الاتحاد الدستوري والحركة الشعبية والحزب الوطني الديمقراطي، وأخيرا ما يسمى بالوسط الذي يتكون من التجمع الوطني للأحرار والحركة الشعبية الوطنية.

وفي الواقع فإن هذه الإفرازات رغم انتقادها من طرف الكثير من الأحزاب كما هو الأمر بالنسبة لحزب الاستقلال الذي استنكر ما وصفه بالخروق لتحجيم موقعه، فإنها كانت تفتح الباب أمام ما يسمى بالتناوب التوافقي الذي سيقوده أهم حزب معارض وهو الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.

وفعلا اختار الملكُ الراحلُ الأستاذَ عبد الرحمن اليوسفي لتشكيل أول حكومة في ظل هذا التناوب. ولم تكن المهمة سهلة، حيث تطلب الأمر أكثر من شهر ليتمكن الوزير الأول المعين من الوصول إلى تركيبة تجمع سبعة أحزاب تنتمي إلى الكتلة والوسط، فضلا عن ذلك فإن وزارات إستراتيجية -أو كما اصطلح على تسميتها بوزارات السيادة- بقيت في يد وزراء غير حزبيين، كالداخلية والخارجية والأوقاف والشؤون الإسلامية وقطاع الدفاع والأمانة العامة للحكومة.

ولم تمنع هذه التشكيلة الثقيلة من تبلور الأمل في أن تستطيع هذه الحكومة إخراج البلاد من المآزق التي كانت تتردى فيها عن طريق إقرار الإصلاحات الجوهرية التي تقطع مع الممارسات السابقة وتؤسس لمناخ جديد يؤهل المغرب لمواجهة الاستحقاقات المقبلة وأساسا تلك المرتبطة بإقرار منطق التبادل الحر مع الاتحاد الأوروبي في أفق عام 2010.

2 - الحصيلة
ليس في نيتنا القيام بجرد كمي لكل مما تم إنجازه، لكن تنبغي الإشارة إلى أن كل تقييم ينبغي أن يستحضر بعض الإطارات والحدود التي كانت تحدد منذ الأصل عمل الحكومة:

  1. ثقل الإرث والتراكم الناتج عن السياسات السابقة والتي راكمت الخصاص (العجز) في كل المجالات والميادين، وربما لم تكن أحزاب المعارضة واعية بما فيه الكفاية لحجم تجذره وبالتالي صعوبة تجاوزه. لذلك فقد دأبت على ترديد خطابات انتقادية وقدمت وعودا للمواطن أوحت له أنها قادرة على حل كافة المشكلات مهما تعقدت.
  2. ضخامة الانتظارات، فكل الشرائح الاجتماعية بل حتى المكونات الاقتصادية كانت لها مطالب تعتبرها مشروعة، وتأمل أن تتولى الحكومة معالجتها لا سيما مع الخصاص (العجز) الاجتماعي الهائل الذي تراكم طيلة السنوات الماضية، وهذا الأمر سرعان ما سيجعل الحكومة أمام ضرورة تحديد الأولويات لمواجهة هذه المعادلة المتمثلة في كثرة المطالب وتنوعها وتعقدها، ومن جهة أخرى محدودية الوسائل التي توفرها الحكومة.
  3. مما زاد في تعقيد مهمة هذه الحكومة أنها وجدت نفسها من جهة تشتغل في مناخ عالمي له إكراهاته، فتحقيق التوازنات المالية وعجز الميزانية والتحكم في التضخم تعتبر من الضروريات، وفي الوقت نفسه فإن تأهيل الاقتصاد والمجتمع لا يقلان أهمية وحيوية. أكثر من ذلك فإن الحكومة لا تملك داخليا كافة مفاتيح القرار، بل لا مناص أن تراعي بعض القيود التي يتطلبها بالأساس إقرار مناخ الثقة مع المؤسسة الملكية.

لقد كان الأمر يستدعي إصلاحات معقدة ومتداخلة، فتأهيل الاقتصاد وجعله أكثر قدرة على التنافسية وعلى جلب الاستثمارات الأجنبية كان يفترض إصلاحات عميقة تتوخى إرساء مناخ قانوني جديد. وفي هذا السياق فقد فتحت الكثير من الورشات سواء تعلق الأمر بمحاولة تخليق المجتمع عبر محاربة مظاهر الفساد، وإقرار الشفافية في المعاملات الاقتصادية عبر المنافسة الشريفة، أو تعلق الأمر بإصلاح القضاء الذي بات يشكل مقياسا حقيقيا لضمان جميع المعاملات في كل المجالات، كما بوشرت الإصلاحات في مجال التربية والتكوين. وفضلا عن ذلك فإن المجال الاجتماعي بات يستقطب اهتماما أوسع سواء عن طريق رفع الاعتمادات المرصودة له أو عبر إعادة النظر في الآليات الكفيلة بمحاربة الفقر والإقصاء وإذكاء التضامن.

لكن هذه الإنجازات التي انصبت بالأساس على خلق مناخ جديد، لا يمكن أن تُخفيَ أن معالجة بعض الملفات الأساسية التي تؤرق المجتمع ظلت محدودة. فمشكلة البطالة ظلت حاضرة بقوة وهي تزداد صعوبة لا سيما إذا أدركنا أنها تتعقد بفعل مخلفات التضخم الديمغرافي الذي شهدته السنوات الماضية. فقد توسعت قاعدة طالبي العمل، وهي سنويا تلقي بأكثر من 400 ألف شخص يبحثون عن فرصة للعمل في حين أن الهياكل الاقتصادية الحالية لا يمكن أن توفر في أحسن الظروف أكثر من 100 ألف منصب شغل، الشيء الذي يعقد من تزايد البطالة في أوساط الشباب بشكل يفرز مشكلات اجتماعية ما فتئت تتفاقم. لذلك فإن الأمر بات يتطلب إعمال مقاربة جديدة لمواجهة هذه المعضلة. وفي السياق نفسه وارتباطا بهذا الملف فإن سوق الشغل ما زال يعاني من غياب قانون يوضح العلاقات وحقوق وواجبات كل طرف.. كذلك فإن مسلسل التخليق واستئصال نظام الامتيازات ما زال يتطلب إجراءات أكثر جرأة وأكثر قدرة على اختراق القوى المناهضة للتغيير.

الملك محمد السادس وترسيخ التناوب

إذا كان الملك الراحل الحسن الثاني قد استطاع أن يؤسس لما سمي بالتناوب التوافقي الذي كان من حسناته تمكين انتقالية الملكية بشكل سلس إلى ابنه محمد السادس، فإن هذا الأخير لم يسع إلى ممارسة قطيعة مع العهد الذي ورثه، بل تبنى مقاربة تتوخى نوعا من التغيير في ظل الاستمرارية وذلك عبر سلسلة من الإجراءات من بينها تزكية الحكومة التي ورثها والتي شهدت في سبتمبر/أيلول 2000 تعديلا أدى إلى التقليص من أعضائها، وكذلك إعفاء وزير الداخلية الرجل القوي في العهد السابق والذي قاد عمليا التناوب التوافقي وتعويض أحمد الميداوي به والذي لم يعمر طويلا في هذا المنصب. وقد كان هذا الإعفاء في حد ذاته يؤشر لاستمرار اعتبار الملك الجديد لوزارة الداخلية ضمن وزارات السيادة.

لكن أكثر من ذلك بدا واضحا أن الملك محمد السادس يعير أهمية أكبر لقضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان حيث اتخذ عدة إجراءات في هذا الإطار من بينها السماح بعودة المعارض أبراهام السرفاتي إلى أرض الوطن بعدما كان قد تم طرده إلى فرنسا بدعوى عدم توفره على الجنسية المغربية. إضافة إلى إحداث هيئة لتعويض ضحايا خروق حقوق الإنسان.

وفي السياق نفسه فإن الملف الاجتماعي استأثر برعاية خاصة عن طريق إحداث مؤسسة محمد الخامس للتضامن التي نيطت بها مهمة محاربة الفقر والإقصاء الذي تتعرض له بعض الشرائح الاجتماعية.

لذلك بدا واضحا وكأن هناك تناغما أكبر بين الملك والحكومة، حيث بدت مقاربة الطرفين تصب في المنحى نفسه إلى درجة أن البعض اعتبر أن تحركات الملك أكثر سرعة وفاعلية من الحكومة.


تتميز الانتخابات الحالية بنمط اقتراع جديد حيث حل الاقتراع على اللائحة وبقاعدة أقل البقايا محل الاقتراع الأحادي الاسمي مما يعني استبعاد الطباع الشخصي وشراء الأصوات وترك المجال للتنافس بين البرامج والأحزاب

على المستوى السياسي تعددت الإشارات الهادفة إلى تمكين الحقل السياسي من شفافية أكبر، ربما رغبة في تخلي السلطة عن احتضان أحزاب أو تفريخها، كما كان الأمر في العهد السابق. لذلك يمكن القول إن الانتخابات الحالية تتوفر على مقومات التميز، فهي تتم في إطار نمط اقتراع جديد تمت صياغة ملامحه الأساسية نتيجة مفاوضات بين الأحزاب ووزارة الداخلية. وقد ظل نمط الاقتراع السابق المعروف بالاقتراع الأحادي الاسمي محل انتقاد من طرف القوى السياسية اعتبارا من كونه يشخص الصراع أي يجعله قائما على الأشخاص وليس على البرامج، كذلك باعتباره يساعد على استعمال المال الحرام والتأثير في إرادة الناخب، فضلا عن ذلك فإن إفرازاته لا تعبر عن موازين القوى الحقيقية في البلاد.
ولتعويضه فقد تم اللجوء إلى اقتراع باللائحة عبر أكبر البقايا، لكن ظاهريا فقط حيث إن الانتخابات تجري في ظل نظام هجين يتأرجح بين الاقتراع الأحادي الاسمي وبين الاقتراع باللائحة. ومرد ذلك إلى أن عدد المقاعد في اللائحة يتأرجح بين اثنين وخمسة، وأكثر من ذلك فإن قرابة 60 من الدوائر التي بلغ عددها 91 دائرة لا تتجاوز مقعدين، وهو ما يلغي قطعا كل احتمالات اللجوء إلى بعض الممارسات المناهضة للتنافس الشريف كما هو الأمر بالنسبة لتوزيع المال أو استعمال وسائل أخرى غير مشروعة في الحملة الانتخابية.

وفي نفس سياق هذه الإصلاحات منحت المرأة وضعية خاصة، فقد ظل تمثيل المرأة في البرلمان المغربي متدنيا بحيث لم تكن تتجاوز 1.6 وهو المعطى الذي يجعلها متناقضة مع الأدوار التي باتت تحتلها في كافة الميادين، لذلك كان من الضروري اللجوء إلى استحداث لائحة وطنية تتضمن 30 مقعدا من بين 325 مقعدا هي إجمالي المقاعد التي يتضمنها البرلمان.

إن هذه الآلية التي تدخل ضمن التمييز الإيجابي ليست مقتصرة على المغرب وإنما طبقتها دول أخرى لتحقيق ما يسمى بالتكافؤ. وبالرغم من كونها انتقدت من طرف البعض اعتبارا لكونها تجعل من هذه الفئة نوابا من الدرجة الثانية أو كونها تشكل امتيازا، فإن ذلك لا يمنع من القول إنها كانت ضرورية لمساعدة المرأة على تحسين موقعها نسبيا في المؤسسة البرلمانية.

بيد أن رفع السلطة يدها عن تأسيس أحزاب عشية الانتخابات لم يمنع من مسلسل الانشطار الحزبي من التنامي والتضخم لأسباب أخرى. فضعف الحمولة الديمقراطية في تسيير الأحزاب، والعجز عن حل التناقضات عن طريق الحوار فضلا عن بروز إشكالات جديدة وتحديات غير معهودة، وتآكل مفهوم الزعامة الكلاسيكية، كلها عوامل أسهمت بشكل أو بآخر في تضخم الخريطة السياسية حيث بلغ عدد الأحزاب المشاركة 26 تشكيلة سياسية لكنها ليست كلها بالقوة نفسها ولا بالتمثيل نفسه.

من الواضح جدا أن الرهان الأساسي لهذا الاستحقاق المتميز يتمركز حول سؤالين:
الأول يتمثل في معرفة ما إذا كانت هذه الإرادة السياسية الدافعة نحو الشفافية والنزاهة علاوة على الترسانة القانونية والإجرائية ستفضي في نهاية المطاف إلى اقتراع تعبر نتائجه عن الخريطة السياسية الحقيقية وعن موازين القوى الفاعلة في المجتمع أم أن قوى التشويه والعرقلة ستظل حاضرة للتأثير في هذا الاقتراع؟
وثانيها: ما هي الإفرازات السياسية لهذه الانتخابات؟ هل ستزكي وضعية النواة الصلبة التي قادت التناوب طيلة المرحلة السابقة وتمكن من إفراز أغلبية منسجمة تنبثق عنها حكومة أكثر تناغما وفعالية وهي ستزكي مكانة الاتحاد الاشتراكي كأول قوة في البلاد، أم أنها ستفضي إلى مزيد من البلقنة للخريطة الحزبية يصعب معها إفراز حكومة قوية مؤهلة لإقرار التغيرات الشجاعة والضرورية لمواجهة متطلبات اللحظة التي تمر بها البلاد في كل أبعادها وإكراهاتها ومخاطرها؟

مهما كانت الإفرازات ومهما كانت حدود هذا الاستحقاق يبقى واضحا أن الخريطة السياسية المغربية ستعرف وضوحا أكبر وستمكن من إعادة قولبة المشهد الحزبي في البلاد اعتمادا على مخلفات استحقاق 27 سبتمبر/أيلول الحالي.
_______________
* أستاذ وباحث مغربي

المصادر:
للتوسع في القضايا التي تهم مجمل القضايا التي عالجناها بصفة عامة وكذلك الحقل السياسي بصفة أعم يمكن العودة إلى:
- التقرير الإستراتيجي للمغرب، يصدر سنويا لتحليل وضع المغرب داخليا وخارجيا.

Collectif, Trente années de vie constitutionnelle au Maroc, LGDI, Paris, 1992
Collectif, Droits de l’homme au Maroc, Ed. L’Harmattan, Paris, 1994
- BERDOUZI M. Mohammed, Destinées démocratiques, Ed. Renouveau, Rabat, 2000- MOUSSADEQ Rqia, Les labyrinths de la transitions démocratique, Ed. Socheprss 2001