بقلم/ عدلي صادق

نشأت فكرة بناء الجدار ذي التوصيفات المختلفة باختلاف مواقف طرفي الصراع منذ كانت عملية التسوية وفق اتفاق "أوسلو" في أوج رواجها وتطبيقاتها. وكان التعبير المادي عن هذه الفكرة قد بدأ عندما بادرت إسرائيل في مارس/ آذار 1996 لإقامة حواجز ثابتة على الطرق الفلسطينية الممتدة بطول المنطقة الفاصلة بين ما يسمى بالخط الأخضر الذي هو حدود ما قبل يونيو/ حزيران 1967 والمنطقة المشمولة اليوم ضمن الأراضي الواقعة إلى الغرب من الجدار.

ومنذ تلك الأثناء أغلقت قوات الاحتلال الإسرائيلي جميع الطرق البديلة التي يمكن أن يصل من خلالها الفلسطينيون إلى ما بعد الخط الأخضر. وبعد اندلاع الانتفاضة الطويلة الثانية في نهاية سبتمبر/ أيلول 2000 قامت قوات الاحتلال بإغلاق طرق المركبات المتجهة إلى الخط الأخضر، ثم سرعان ما خرجت للعلن فكرة الشروع في بناء الجدار في "مناطق معينة ذات خطورة شديدة" وفق توصية جاءت في ما عرف بـ"تقرير كومبيترولر" الذي تبناه مجلس الدفاع الإسرائيلي.

الرؤية الفلسطينية
لعل مداخلة ممثل فلسطين لدى الأمم المتحدة د. ناصر القدوة تلخص الرؤية الفلسطينية لهذا التطور الانقلابي على صعيد التسوية، فقد تحدث القدوة عن المخاطر السياسية التي تتهدد ما يسمى بـ"رؤية الدولتين" التي طرحها الرئيس الأميركي جورج بوش. وبخلاف ما يراه الفلسطينيون في هذا الجدار من تكثيف للعدوان عليهم ولعملية انتهاب أرضهم فقد اعتبروا هذا الجدار تجسيدا مشهودا لسياسة التوسع والتنكر للحقوق الفلسطينية ولمستلزمات التسوية القابلة للحياة، كما يرونه دليلا آخر على مدى ما ذهبت إليه إسرائيل وحليفتها الولايات المتحدة في الاستخفاف بالقانون الدولي. واعتبر الفلسطينيون أن بناء الجدار تكريس لوضعية الصراع وتثبيتها على الأرض، لأنه يشكل مانعا خطيرا لجميع جوانب الحياة الطبيعية للفلسطينيين، مما سينشأ عنه حتما استعار نار المواجهة الفلسطينية لهذا المصير بالوسائل المتاحة.

أطفال فلسطينيون يسوقون أغنامهم بجانب جدار الفصل الإسرائيلي للبحث عن مخرج

وقد توافقت على حجم خطورة هذا الجدار وموجبات مقاومته جميع التيارات السياسية الفلسطينية من معسكري التسوية واستمرار المقاومة، إذ وجد فيه مؤيدو التسوية حاجزا مروعا يقطع الطريق على السلام، ويؤجج النفوس ويخنق الحياة على النحو الذي لا بد أن تنتج عنه ردود أفعال دائمة، من شأنها تبديد فرص التقدم في العملية السلمية.

أما المعارضون للتسوية فوجدوا فيه برهانا على صحة أطروحاتهم وصواب ما يعتقدونه من أهداف مضمرة للاحتلال الذي لا مجال لمهادنته، حسب رأيهم.

وفي هذا السياق من ردود الأفعال الفلسطينية كان أصحاب وجهات النظر المؤيدة للتسوية، حتى بموجب "وثيقة جنيف" أكثر تحررا في جوابهم على الذرائع الأمنية الإسرائيلية، إذ اقترحوا -إن كان لا بد من بناء الجدار- أن يكون على خط الرابع من يونيو/ حزيران 1967 وفي حال خشية الإسرائيليين من الأمرين معا -تكريس هذه الحدود على النحو الذي يرفضونه والعامل الأمني- فقد اقترح بعض الفلسطينيين، أن يكون الجدار في أراضي العام 1948 أي في ما وراء الخط الأخضر، لتحاشي تكريس خط يونيو/ حزيران 1967.

عموما رأى الفلسطينيون في هذا الجدار ارتكابا لانتهاكات سافرة للحقوق الأساسية للفلسطينيين الذين يطالهم تأثيره، ولموضوع التسوية التي تنهار بسبب بنائه، فهو ينطوي على عملية إفقار واحتباس، منظمتين للمجتمع الفلسطيني، الذي يعاني من الاحتلال أصلا، ويرى الفلسطينيون كذلك أن بناء الجدار يهدف إلى الاستيلاء على أراض لا تملك فيها إسرائيل أي حق، وهو محاولة لتنفيذ سياسة سكانية غير شرعية، وصولا إلى رسم حدود مفروضة لمعازل فلسطينية، يريدون خلع صفة الدولة عليها دون أن تكون لها مقومات الدولة.

وقد واجه الرأي العام الفلسطيني عملية بناء الجدار باعتبارها تعميقا لأسباب الصراع، ونقيضا لمناخات السلام، واستخفافا بالقانون الدولي، ومحاولة لإضفاء الشرعية على نظام فصل عنصري ترفضه الأسرة الدولية قانونيا وأخلاقيا. وكان هناك اهتمام فلسطيني بمناقشة محكمة العدل الدولية لموضوع الجدار، وذلك لأهمية هذا المنبر القضائي غير الملزم، والمفيد فقط من الناحية السياسية والاستشارية.

وعلى هذا الصعيد كان الفلسطينيون يستذكرون قرار المحكمة نفسها في العام 1971، القاضي بعدم مشروعية احتلال نظام جنوب أفريقيا العنصري لناميبيا، وأن ذلك القرار كان بمثابة بداية النهاية لذلك النظام البائد.

وأخيرا فإن وقوع النظر في مسألة الجدار بلاهاي أنشأ محاكمة غير مسبوقة للتوسع الاستيطاني لن تجدي حيالها نفعا عملية شحن حطام حافلة تعرضت للتفجير، إلى لاهاي، لتبرير بناء الجدار. فللتفجيرات محور نقاش ومساجلات لا يصح إدخالها على خط القانون الدولي أثناء النظر في قضية جدار من هذا النوع.
_______________
دبلوماسي فلسطيني سابق وكاتب بصحيفة الحياة الجديدة الفلسطينية