مرت علاقة فتح بمنظمة التحرير الفلسطينية بمرحلتين بارزتين، الأولى أواسط الستينيات حينما كانت فتح تعارض المنظمة وتدعو إلى تغيير خطها الفكري ونهجها السياسي، والثانية بدءا من العام 1969 حتى الآن حيث أصبح قادة فتح البارزون على رأس الهرم التنظيمي للمنظمة ولمعظم لجانها ومؤسساتها المهمة.
 
المرحلة الأولى.. فتح تعارض المنظمة
"
تميزت المرحلة الأولى لعلاقة فتح بالمنظمة بالتوتر حيث عارضت المنظمة النهج الثوري لفتح واشترطت فتح تغيير المنظمة لخطها الفكري لكي تقبل بالتعاون معها
"
سبقت منظمة التحرير الفلسطينية حركة فتح إلى الوجود بعام واحد، فالأولى ظهرت عام 1964 بناء على توصية صادرة عن مؤتمر القمة العربي الأول بالقاهرة، والثانية أعلنت عن نفسها (رسميا) مع أول عملية فدائية نفذها الجناح العسكري (العاصفة) عام 1965 داخل فلسطين المحتلة.
 
في تلك الفترة أبدت فتح رغبتها في التنسيق والتعاون مع منظمة التحرير الفلسطينية شريطة اعتراف الأخيرة بالخط الثوري لفتح وباعتماد العمل المسلح سبيلا لنيل الحقوق الفلسطينية، غير أن هذا الشرط لم يحظ بموافقة أحمد الشقيري أول رئيس لمنظمة التحرير.
 
وبعد هزيمة يونيو/ حزيران 1967 واحتلال إسرائيل للضفة الغربية والقدس الشرقية أصبحت شعارات فتح الثورية (كل البنادق نحو العدو، والأرض للسواعد الثورية التي تحررها) تحظى بقبول متزايد في الشارعين العربي والفلسطيني، وبات الجو مهيئا لكي تخطو فتح خطوتها التي رتبت لها منذ العام 1965، فتحرك الأعضاء التابعون لها في المنظمة وأحدثوا جدلا واسعا داخل لجانها المختلفة، وتقدموا بمطالب تدعو إلى إعادة تقدير الموقف ومراجعة الذات واتخاذ ما يلزم إزاء المرحلة الجديدة التي دخلتها القضية الفلسطينية بعد تلك الهزيمة المريرة.
 
وفي 14 ديسمبر/ كانون الأول 1967 تقدموا بخطوة أبعد، فطالبوا صراحة بتنحية أحمد الشقيري وأصروا على ذلك.
 
حاول الشقيري معالجة الأمر لكنه لم يستطع واضطر للتخلى عن منصبه وتم تعيين يحيى حموده وهو أحد أعضاء اللجنة التنفيذية للمنظمة رئيسا بالوكالة لحين انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني.
 
بدأ في العام التالي (1968) نجم ياسر عرفات يلمع في أفق السياسة الفلسطينية، حيث كان عرفات يشغل منصب المتحدث الرسمي باسم حركة فتح، والحركة كانت كل يوم تكسب شعبية جديدة في الشارعين العربي والفلسطيني، ساعدتها على ذلك النتائج الإيجابية لمعركة الكرامة التي خاضتها ضد الاحتلال الإسرائيلي انطلاقا من الأراضي الأردنية.
 
في العام المذكور وبفعل نشاط العناصر الفتحاوية داخل لجان المنظمة وفي المجلس الوطني الفلسطيني تهيأ رأي عام سهل عملية اختيار ياسر عرفات رئيسا للمنظمة، وهو ما تحقق رسميا عام 1969 فأصبح منذ ذلك الحين الناطق الرسمي باسم حركة فتح هو رئيس منظمة التحرير ورئيس لجنتها التنفيذية ومجلسها العسكري.


 
ولم ينته العام حتى أعلن عن دخول حركة فتح في المنظمة بشكل رسمي واستطاعت أن تؤكد على نهجها الثوري في ميثاق المنظمة كما نص على ذلك البند الثامن
 
المرحلة الثانية.. فتح داخل المنظمة
"
نجحت فتح عبر عناصرها الذين دخلوا المنظمة وتواجدوا في لجانها المختلفة في تهيئة الأجواء لتولية ياسر عرفات رئيسا لها خلفا لأحمد الشقيري الذي اضطر للاستقالة
"
استقرت الأمور لفتح داخل منظمة التحرير الفلسطينية ومرت الأعوام إلى أن جاء مؤتمر القمة العربي بالرباط ليضيف مكسبا جديدا للمنظمة انعكس ضمنا على حركة فتح ذات النفوذ القوي داخلها، ففي العام 1974 خرج المؤتمرون في الرباط بقرار يعترف فيه بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلا شرعيا ووحيدا للشعب الفلسطيني، ومن ثم امتد نفوذ فتح إلى ما امتدت إليه يد المنظمة من تمثيل في جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي ومنظمة الأمم المتحدة (كعضو مراقب) ومن سفارات ومكاتب تمثيل في أكثر من 100 دولة.
 
استمرت علاقة فتح بمنظمة التحرير الفلسطينية على هذا المنوال منذ تلك الفترة حتى العام 1994 وهو العام الذي أنشئت فيه السلطة الوطنية الفلسطينية وفقا لاتفاق أوسلو.
 
حمل قيادات المنظمة أمتعتهم متوجهين إلى الضفة وغزة ليباشروا عملهم تحت مسمى السلطة الوطنية الفلسطينية كأحد إفرازات أوسلو، وهنا تداخلت العلاقة بين فتح والمنظمة أكثر فأكثر بعد أن أضيفت لقياداتها أدوار جديدة، فأصبح القيادي في فتح يمارس دوره كقيادي في المنظمة وكأحد أركان السلطة الجديدة، فعلى سبيل المثال كان ياسر عرفات الأمين العام لحركة فتح هو رئيس المنظمة وهو أيضا رئيس السلطة الذي يجمع في يده صلاحيات رئيس الوزراء ووزير الداخلية والمالية (استمرت هذه الصلاحيات بحوزته حتى العام 2003 حينما أجبر عن التخلي عن بعضها أثناء حصاره في المقاطعة).
 
وأثناء وجود عرفات في باريس عام 2004 للعلاج من مرض الموت الذي توفي بسببه اختير محمود عباس عضو اللجنة المركزية لحركة فتح وأمين سر منظمة التحرير الفلسطينية منذ العام 1996 رئيسا لمنظمة التحرير، ثم رئيسا للسلطة الفلسطينية، وهو الوضع المستمر حاليا.
 
العلاقة إذن بين فتح والمنظمة متداخلة ومتشابكة كما اتضح، ولذلك بدأت الأصوات تتعالى لإعادة النظر في هذه العلاقة حتى تصبح المنظمة بيتا لكل الفصائل والتيارات الفلسطينية وحتى تتوزع مناصبها القيادية وفقا للقوى الشعبية لهذه الفصائل في ميدان الحضور الجماهيري المتغير باستمرار، وهو أمر إذا ما تحقق فسوف ينعكس على علاقة تاريخية ربطت بين فتح والمنظمة بشكل معين استمرت لما يزيد عن 35 عاما.
_______________
 
البند الثامن من ميثاق منظمة التحرير الفلسطينية "المرحلة التي يعيشها الشعب الفلسطيني هي مرحلة الكفاح الوطني لتحرير فلسطين، ولذلك فإن التناقضات بين القوى الوطنية هي من نوع التناقضات الثانوية التي يجب أن تتوقف لصالح التناقض الأساسي بين الصهيونية والاستعمار من جهة والشعب العربي الفلسطيني من جهة ثانية، وعلى هذا الأساس فإن الجماهير الفلسطينية سواء من كان منها في أرض الوطن أو في المهاجر تشكل منظمات وأفرادا جبهة وطنية واحدة تعمل لاسترداد فلسطين وتحريرها بالكفاح المسلح".
 
المصادر
1- فتح من الجذور إلى قيادة المستقبل، منشورات مكتب التعبئة والتنظيم، الموقع الرسمي لفتح. http://www.alkrama.com/files/fateh.htm
2- التباس مفهوم وواقع التعددية في النظام السياسي الفلسطيني، إبراهيم أبراش، أستاذ العلوم السياسية في جامعة الأزهر  بغزة، اللجنة الحركية العليا، دائرة الإعلام والثقافة، حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح. واستنهاض حركة "فتح" بين الضرورة الوطنية والإعاقات التنظيمية للمؤلف نفسه. http://www.alkrama.com/files/ebrash.htm
3- ما العمل في المرحلة الراهنة.. بعد رحيل عرفات؟، هاني المصري، مقالة في إسلام أون لاين نقلا عن صحيفة الحياة 4/1/2005. 
4- ندوة "أحمد الشقيري.. 25 عاما على رحيله"، المستقبل العربي، عدد يوليو/ تموز 2005.