لقاء مكي

لم يحمل غزو العراق مفاجأة لأحد، فالجميع كان يتوقع نشوب تلك الحرب بما في ذلك سوريا التي كانت قد بذلت مع آخرين جهودا سياسية كبيرة لمنعها، سواء في مجلس الأمن من موقعها كعضو غير دائم أو في الجامعة العربية، لكنها اعترفت على لسان وزير خارجيتها فاروق الشرع بفشل جهودها، من غير أن يدفعها ذلك إلى اليأس حيث واصلت دعم دبلوماسيتها بمحاولة خلق وقائع لصالحها على الأرض في العراق.

وكان موقف دمشق واضحا منذ البداية حينما قال الشرع مخاطبا برلمان بلاده عشية الحرب إن لسوريا مصلحة وطنية في هزيمة الغزاة.

البحث عن دور سياسي
منذ الأيام الأولى للحرب وصفت دمشق الهدف الأميركي من الاستيلاء على العراق بالاحتلال غير الشرعي، ولم يخرج سلوك الدبلوماسية السورية عن هذا الاطار خلال الفترة اللاحقة، وكان ما وُصف أميركيا بالتدخل السوري في سير المعارك من خلال تسهيل مرور أسلحة ومعدات ومتطوعين عرب إلى العراق في غمرة الحرب، غير بعيد عن محاولات سورية لتعقيد المهمة  الأميركية، أو الحصول في أسوأ الأحوال على دور سياسي في ترتيب الشأن العراقي في حال نجاح مساعي واشنطن.

ورغم أن دمشق لم تعترف أبدا بصحة الاتهامات الأميركية، فإنها حاولت استثمار كل إمكانياتها في التأثيرعراقيا لفتح الطريق أمام دبلوماسيتها في غمرة الواقع السياسي الإقليمي الجديد الذي أفرزه الاحتلال، مستفيدة من عضويتها في مجلس الأمن.

مناوأة الاحتلال 
خلال فترة الحرب كانت كل المنافذ أمام الجهود السياسية الإقليمية والدولية قد أغلقت، واختارت دمشق أن تكون في أقصى الطرف المناوئ للغزو مستخدمة خطابا سياسيا وإعلاميا حادا ضد الولايات المتحدة، وكان هناك بالمقابل موقف أميركي مضاد وضع سوريا مع كوريا الشمالية وإيران في سلة واحدة ودعاها إلى أن تأخذ العبر مما وصفه الناطق بلسان البيت الأبيض بـ "درس العراق".

ولم تكترث دمشق للتهديد الأميركي، ووصفت اتهامها بالتدخل في الشأن العراقي بأنه "لا أساس له من الصحة" وبأنه "حملة تضليل" و"وسيلة للتغطية على المصاعب والعقبات التي تواجهها الولايات المتحدة في العراق"، وقال فاروق الشرع إن "التهديدات الأميركية لبلاده تعبر عن تيار متعصب ولا تعبر عن المسار العام للولايات المتحدة لذلك لا تعتبرها بلاده جدية".

وحينما صعدت الولايات المتحدة الموقف بالتهديد بفرض عقوبات على سوريا، قامت دمشق باستقبال وزير الخارجية الفرنسي السابق دومينيك دي فيلبان في الثاني عشر من أبريل/ نيسان عام 2003، وكانت تلك رسالة دبلوماسية ذات مغزى في حينها مع ماكان معروفا من تزعم باريس للجبهة الدولية الرافضة للحرب آنذاك.

مشاكسة المشروع الأميركي
لم تكتف سوريا بالهجوم الإعلامي على الاحتلال، بل رفضت أن تتجاوب أيضا مع المشاريع السياسية الأميركية في العراق، حيث وافقت بصعوبة في مجلس الأمن على القرار 1483 الذي منح الشرعية للاحتلال، لكنها امتنعت عن التصويت على القرار 1511 الذي رحب بمجلس الحكم في العراق، وعزت دمشق هذا الامتناع إلى ما قالت إنه موقف عربي جماعي، غير أن دولا عربية منها مصر والمغرب والإمارات وعمان رحبت بمجلس الحكم واعتبرت أنه يمتلك الشرعية لتمثيل العراق.

وتكرر الشيء نفسه مع حكومة إياد علاوي المؤقتة، فهي مثلا رفضت إلى جانب سلطنة عمان طلبا عراقيا لإعلان ترحيب مجلس الجامعة العربية بالحكومة الجديدة في بغداد،  لكن علاوي قام على ما يبدو بمبادرات فتحت جزءا من دروب دمشق الصعبة، حيث زار العاصمة السورية في أواخر يوليو/ تموز 2004بعد أقل من شهر على توليه منصبه، واجتمع مع الرئيس بشار الأسد واحتفي به هناك بطريقة اوحت بتغير في الموقف السوري، لاسيما مع الإعلان عن عدد من الاتفاقات الأمنية والاقتصادية بين الطرفين، لكن ذلك لم يُزل الخلاف على جوهر الرؤية للوجود الأميركي في العراق، وواصلت دمشق في الفترة اللاحقة نفيها اتهامات بالتدخل في شؤون العراق صدرت من قبل مسؤولين في حكومة علاوي ذاتها وأخرى صدرت عن مسؤولين أميركيين.

عزل الدبلوماسية
في سبتمبر/ أيلول 2003 حدث ما بدا أنه أول انفراج في العلاقات بين دمشق وواشنطن منذ الحرب حينما زار وزير الخارجية الأميركي السابق كولن باول العاصمة السورية، واتجهت التحليلات آنذاك إلى أن سوريا تمكنت من استدراج الولايات المتحدة إلى الحوار وأن الدبلوماسية السورية سيمكنها العمل من جديد بفاعلية مع الأميركيين، لكن الزيارة انتهت بلا نتائج جدية معلنة، بل إن الكونغرس وافق على قانون محاسبة سوريا بعد مدة وجيزة من الزيارة لتدخل العلاقات بين الجانبين في نفق جديد ويعود الجمود الدبلوماسي والصراع السياسي والإعلامي.

ولم تشهد الفترة اللاحقة خرقا سوريا جديا على الصعيد الدبلوماسي، فعضوية دمشق في مجلس الأمن انتهت مع نهاية عام 2003، ومشاكل دمشق في لبنان انعكست سلبا على تحالفاتها مع الدول الرافضة للحرب ولاسيما فرنسا، والزيارات المتبادلة توقفت نحو عام كامل حتى زيارة مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى وليام بيرنز لدمشق في خريف عام 2004، ثم زيارة مساعد وزير الخارجية السابق ريتشارد أرميتاج مطلع هذا العام.

وعلى غرار زيارة باول لم تسفر هاتان الزيارتان عن تطورات جدية تتيح القول إن الدبلوماسية السورية نجحت في استثمارهما لتحسين العلاقات، فقد استمر التوتر وكيل الاتهامات بين الجانبين،  وبينما وصف السوريون المباحثات مع بيرنز وأرميتاج بأنها إيجابية ومفيدة قلل الأميركيون من أهمية الزيارتين مؤكدين أنهما كانتا حول قضايا تفصيلية مثل موضوع لبنان ومحادثات السلام وقضية ضبط الحدود مع العراق  فضلا عن الإجراءات السورية لدعم الانتخابات العراقية والسماح بإجرائها بين العراقيين المقيمين في سوريا، بل إن أرميتاج قال عقب مغادرته دمشق إنه نقل إلى المسؤولين السوريين "رسالة واضحة وحازمة وفظة".

ويبدو أن العراق أصبح جزءا فقط من أسباب توتر العلاقات بين دمشق وواشنطن، إذ أضافت الأحداث الأخيرة في لبنان وحوله أبعادا أخرى لهذا التوتر وجعلت فرص الدبلوماسية أقل بكثير من السابق، حتى إن ما أعلنه وزير الدفاع العراقي من معلومات حول تدخل سوري مباشر في اعتقال سبعاوي إبراهيم التكريتي الأخ غير الشقيق للرئيس السابق صدام حسين، لم يكن له أثر يذكر أميركيا ولم تتعامل معه واشنطن كمبادرة سورية تتيح فك جزء من حصار سياسي وإعلامي أميركي يضيق كل يوم.




_______________
الجزيرة نت