ربما حاول الزعيم الليبي العقيد معمر القذافي بطلب بلاده الانسحاب الرسمي من جامعة الدول العربية أن ينزع ورقة التوت الأخيرة التي كانت تستر عورة العمل العربي المشترك. وقد يكون البعض قد أعجب بهذه الخطوة واعتبرها إحراجا للزعماء العرب بوضعهم أمام مسؤولياتهم التاريخية في هذا الظرف الحرج الذي يمر به العالم العربي، كما قد ينظر إليها آخرون على أنها محاولة لإعدام مريض عانى كثيرا أمراضا مزمنة حتى استيأس الناس من شفائه، واعتبروها بمثابة مسمار يدق في نعش الجامعة العربية ليشيعها العرب إلى مثواها الأخير ويبحثوا لأنفسهم عن بديل.

وأيا كان الرأي فيما ذهبت إليه ليبيا فإن هذا الحدث فتح بقوة ملف العمل العربي المشترك ليقرأ الجميع في أولى سطوره هذه العبارة المؤلمة "العالم يتكتل والعرب يتجزؤون".. وهذه مقولة لم تعد بحاجة إلى إثبات أو نقاش طويل، فهذا هو الحال العربي كما تشير إليه كل الأحداث والقراءات والوقائع.

ولكن.. لماذا يعجز العرب عن الوحدة أو التكامل والتعاون والعمل الإقليمي العربي على الأقل؟ هل هو مخطط خارجي مفروض أم هي المصالح القطرية الضيقة الآنية التي تعجز عن رؤية المصالح الإستراتيجية الكبرى؟

لقد جرت محاولات كثيرة للوحدة والعمل المشترك والتعاون الإقليمي بين العرب، وقد يكون من الظلم وصفها بالفشل المطلق، فقد نجحت تجارب وحدوية وترسخت مثل المملكة العربية السعودية التي تكونت من مجموعة من الأقاليم الكبيرة التي كانت مستقلة عن بعضها البعض مثل نجد والحجاز وعسير، ودولة الإمارات العربية المتحدة التي تكونت من مجموعة إمارات كانت مستقلة ثم اتحدت في فدرالية تعطي خصوصية لكل إمارة واستقلالية في بعض المجالات وتوحد أعمالا أخرى كالدفاع والتعليم والصحة، وتوحد شطرا اليمن الجنوبي والشمالي عام 1990, وها هي ذي الدولة بعد مضي 12 سنة لا تزال موحدة بل واستطاعت تجاوز محنة الانفصال التي جرت عام 1994.

وفشلت محاولات أخرى للوحدة مثل محاولة محمد علي لإقامة دولة عربية شملت مصر والسودان والحبشة والصومال ثم امتدت إلى الجزيرة العربية والشام، ولكنها تقلصت بسرعة تحت ضغط الدول الكبرى الاستعمارية واقتصرت على مصر والسودان. ومملكة سوريا والعراق التي أسسها الملك فيصل عام 1918، والوحدة بين مصر وسوريا (1958-1961)، والوحدة الأردنية العراقية عام 1958، ومصر والسودان التي استمرت فترة طويلة لكنها كانت أقرب إلى الكونفدرالية والبعض يعتبرها أقرب إلى الاحتلال، ولم تر النور المشروعات والأفكار والمحاولات الوحدوية الكثيرة مثل سوريا والأردن، ومصر وليبيا.

وقامت مشروعات للعمل المشترك بدون وحدة أولها جامعة الدول العربية التي تأسست عام 1945 بمبادرة من قادة الدول العربية التي كانت مستقلة وهي مصر والأردن واليمن والسعودية وسوريا ولبنان, ثم انضمت إليها جميع الدول العربية التي استقلت. وتضم الجامعة اليوم 21 دولة عربية مستقلة وفلسطين ممثلة بمنظمة التحرير الفلسطينية. وقد استمرت الجامعة في العمل المؤسسي المنتظم منذ قيامها وإن تعثرت مسيرتها وواجهت كثيرا من المشاكل لكنها اليوم مؤسسة إقليمية لها شخصيتها الدولية، وتضم مؤسسات ومجالس كثيرة تعمل مثل القمة العربية والأمانة العامة والمجالس الوزارية والاتحادات التخصصية.

ورغم أن جامعة الدول العربية لم تحقق الطموحات العربية فقد حققت بعض الإنجازات، ويمكن تسجيل بعضها على تواضعه مثل: تنامي التجارة البينية العربية من 2 إلى 9%، وبالطبع فإنه يبقى رقما ضئيلا يعبر عن علاقات تجارية واقتصادية بائسة بين الدول العربية ويجعل فكرة التكامل والاعتماد المتبادل بين الدول العربية فكرة بعيدة المنال، والرفع النسبي للحواجز الجمركية وهو إجراء وإن جاء في سياق العولمة والمشاركة في منظمة التجارة العالمية لكنه يعطي زخما وفرصة للعلاقات التجارية بين الدول العربية، والانفتاح الإعلامي الذي تؤديه الفضائيات العربية، والتقارب السياسي ومحاولات المصالحات القومية وفض النزاعات الحدودية بين الدول العربية.

وتعد تجرية مجلس التعاون الخليجي أكثر محاولات التجمعات الإقليمية العربية نجاحا في شبه الجزيرة العربية وقدرة على الاستمرار، فمنذ قيامه عام 1981 واجتماعاته على جميع المستويات تنعقد بانتظام ولم تتخلف عنه دولة سوى مرة واحدة عندما قاطعت البحرين الاجتماع الذي عقد في قطر عام 1996, ولكن الدولتين تمكنتا من تجاوز الأزمة بينهما بالرجوع إلى محكمة العدل الدولية التي قضت بحل وسط اعتبرته الدولتان مكسبا لهما، بل إن الدولتين أعلنتا وضع دراسة للربط البري بينهما عبر جسر معلق، وأمكن أيضا إنهاء مجموعة من النزاعات الحدودية بين الدول الخليجية.

ولكن المجلس ينظر إليه على أنه استجابة لهاجس أمني، وهو ما يحول دون تطوره إلى عمل حقيقي مشترك في المجالات الاقتصادية والتعليمية والدفاعية، كما أنه باستبعاده للعراق واليمن فقد تجاوز الحقائق الجغرافية وأهمل مصدر الأهمية الإقليمية والرصيد الحقيقي لموارد القوة، واقتصر على دول قليلة السكان لا تشكل في مجموعها (15 مليونا) تجمعا لإقليم فاعل ومؤثر.

ويمثل مجلس الوحدة المغاربية كتلة جغرافية وبشرية مناسبة لدول المغرب العربي، وقد شكل على هذا الأساس عام 1989 ولكن عصفت به الخلافات الجزائرية المغربية حول الصحراء الغربية, وغدا متوقفا أو مشلولا منذ عام 1995 رغم أن أزمة الصحراء الغربية قائمة قبل قيام مشروع الوحدة المغاربية, فلماذا حيّدت عام 1989؟ ولماذا صارت عقبة أمام المجلس عام 1995؟

ولم يتمكن مجلس التعاون العربي المكون من مصر والعراق واليمن والأردن من الاستمرار رغم ما تمثله هذه الدول الأربع من كتلة بشرية واقتصادية مهمة, فقد عطلته الجغرافيا وشلته الخلافات المصرية العراقية، ثم عصفت به حرب الخليج الثانية التي استتبعت الاحتلال العراقي للكويت عام 1990.

وهنا يطرح سؤال عن الجغرافيا الإقليمية والسياسية ومدى أهميتها واعتبارها في العمل العربي الإقليمي، وكيف ننظر جغرافياً وجيوسياسياً وجيوستراتيجياً إلى التجمع والعمل المشترك، فهل الوطن العربي إقليم قائم بذاته يملك الفرص الجغرافية والسكانية والقوة للتجمع والعمل المشترك أم هو امتدادات لأقاليم أخرى تشمل غير الدول العربية؟ وفي التفكير التطبيقي ما هي الصيغة الجغرافية الأفضل للتجمع الإقليمي: الوطن العربي؟ الجزيرة العربية؟ دول الخليج؟ الهلال الخصيب؟ بلاد الشام؟ الجزيرة العربية والهلال الخصيب؟ حوض النيل (مصر والسودان وإثيوبيا وإريتريا والكونغو وكينيا وأوغندا ورواندا وبوروندي وتنزانيا) أم مصر والسودان فقط، أم مصر والسودان وإريتريا، أم مصر والسودان والصومال وإريتريا وجزر القمر؟ المغرب العربي؟ المغرب العربي والسنغال؟ حيث ينبع نهر السنغال الذي يمتد إلى موريتانيا. وهل تمتد التجمعات الإقليمية لتشمل تركيا حيث الامتداد السكاني ومنبع نهري دجلة والفرات؟ هل يشمل إيران حيث تشارك دول الخليج مشاطأة الخليج العربي والاقتصاد النفطي والامتداد السكاني والتداخل الجغرافي (الجزر والمضايق) أم يشمل تركيا وإيران معا؟

وما موقع المصالح الاقتصادية في العمل الإقليمي؟ هل تكون المدخل الصحيح في التجمعات؟ وهل تملك الدول العربية أجندة اقتصادية تسعى لتحقيقها فتبحث في التجمعات الإقليمية عن التنمية وحل المشكلات الاقتصادية وتسويق المنتوجات وتبادلها؟ وهل يمتلك العالم العربي استراتيجية واضحة يواجه بها التحديات التي تهدد حاضره ومستقبله؟ وهل يشجع الاقتصاد العربي القائم على قيام هذه التجمعات أم أنه اقتصاد ريعي يتناقض مع التجمع والتكامل والمشاركة؟